العافية
كنتُ كغيري من الناس أردد بعض الأذكار التي تُشرع في طرفي النهار، ومنها: قوله : "اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي..."([1])، وقوله: "أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية..."([2])، وقوله عند النوم: "اللهم خلقتَ نفسي وأنت توفاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها فاحفظها، وإن أمتها فاغفر لها، اللهم إني أسألك العافية"([3])، وكنتُ أَمُرُّ بقول العباس بن عبدالمطلب للنبي : يا رسول الله! علمني شيئًا أسأله الله ، قال: "سل الله العافية"، فمكثتُ أيامًا ثم جئت فقلت: يا رسول الله! علمني شيئا أسأله الله، فقال لي: "يا عباس! يا عم رسول الله! سل الله، العافية في الدنيا والآخرة"([4])..كنتُ أمرُّ على هذه النصوص وأمثالها مرورَ الكرام، دون تأمل لمعانيها، حتى اجتمع لديّ أكثر من موقف جعلني أُعيد النظرَ في تأمل عظيمِ مضامينها، وحاجتنا إليها كل لحظة من حياتنا اليومية.
لقد أحسستُ بهذه المعاني وأنا أرى شقيقي ـ ألبَسَه اللهُ لباس العافية ـ يتلوى من الألم بعد إصابته بمرض أنهك جسَدَه، ومنَعه من الطعام والشراب، وحرَمه من لذة اللقيا بالأحباب، والصلاة في الجماعة، وغيرها!
إن كلّ واحد منّا تمرُّ به أيامٌ يمرض فيها، أو يعود فيها مريضًا، لكن أن تكون بقرب مريضٍ يعاني ويتألم، والمرض يُقْعده ويؤلمه؛ حينها يكون نظرك لمعنى العافية مختلفًا!
ورأيتُ شيئاً من معاني العافية في شبابٍ استعجلوا التصدي لمواقف ليسوا أهلاً لها، وتصدّروا قبل أوانهم، ووقفوا مواقف هي بالكبار ـ الذين عركتهم التجارب، واشتد عُودهم في العلم ـ أليَق وأحرى، فما كان منهم إلا النكوص على العقب، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير! وربّما خالط تلك المواقف بعضُ حظوظ النفس، ولا يظلم ربك أحدًا.
ورأيتُ العافيةَ في حفظِ اللهِ لعبده من مقالات أهل البدع، والضلالِ العلمي والفكري، وعصمتِه بفضله تعالى من الركون إلى ذكائه وسعة اطلاعه، وفطنته، ونظرته لمحدودي الاطلاع على تلك المقالات والكتب نظرةَ شزر! ووجدتُ أبا سليمان الخطابي قد سبق إلى التعبير عن هذا المعنى الذي يجول في نفسي وأكثر، حين قال ـ وهو يتحدث عن البلاء الذي لحق الأمةَ من علم الكلام ـ:
"ثم إني تدبرتُ هذا الشأنَ فوجدتُ عظم السبب فيه: أن الشيطانَ صار بلطيف حيلته يسوّلُ لكل مَنْ أحسَّ من نفسه بفضل ذكاءٍ وذِهن، يوهمه أنه إنْ رضي في علمه ومذهبه بظاهرِ من السنة، واقتصرَ على واضحِ بيانٍ منها؛ كان أسوةَ العامة، وعُدَّ واحدًا من الجمهور والكافّة، فحرّكهم بذلك إلى التنطع في النظر، والتبدع في مخالفة السنة والأثر؛ ليَبِيْنُوا عن طريقةِ الدهماء، ويتميزوا في الرتبة عمن هو دونهم في الفهم والذكاء، واختدعهم بهذه المقدمة حتى أزلهم عن واضح المحجة، وأورطهم في شبهات تعلّقوا بزخارفها، وتاهوا في حقائقها، ولم يخلصوا فيها إلى شفاءِ نفسٍ، ولا قبلوها بيقين.
ولما رأوا كتابَ الله تعالى ينطق بخلاف ما انتحلوه، ويشهد عليهم بباطل ما اعتقدوه؛ ضربوا بعضَ آياته ببعض، فتأولوها على ما سنَحَ لهم في عقولهم، واستوى عندهم على ما وضعوه من أصولهم، ونصبوا العداوةَ لأخبار رسول الله ولسنّته المأثورة عنه، وردوها على وجوهها، وأساءوا في نقَلَتها القالة، ووجّهوا عليهم الظنون، ورموهم بالفرية، ونسبوهم إلى ضعف السنة، وسوء المعرفة بمعاني مايروونه من الحديث، والجهل بتأويله! ولو سلكو سبيلَ القصد، ووقفوا عندما انتهى بهم التوقيف؛ لوجدوا بَرْدَ اليقين، ورَوْح القلوب، ولكثرت البركة، وتضاعف النماء، وانشرحت الصدور، ولأضاءت فيها مصابيحُ النور، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم"([5]).
هنا ينكسر القلم، ويشعر العبدُ بالخوف، حين يوقن أنه لا مناص من سؤال الله العافية في الدين والدنيا، كيف والعبد إن لم يعصمه مولاه؛ فَقَدَ صحتَه في لحظة، أو ذهب دينُه في غفلة من قلبه، وما أجمل ما أوصى به عبدالأعلى التيميُّ حين قال: "أكثروا سؤال العافية، فإن المبتلى وإن اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء، وما المبتلوْنَ اليومَ إلا من أهل العافية بالأمس، وما المبتلون بعد اليوم إلا من أهل العافية اليوم، إنه رُبَّ بلاءٍ في الدنيا قد أجهد في الدنيا، وأجزى في الآخرة، فما يأمن مَن أطال المقام على معصية الله أن يكون قد بقي له في بقية عمره من البلاء ما يحذره في الدنيا، ويفضحه في الآخرة"([6]).
فيا إلهي! أسبغ علينا العافية في الدين والدنيا والآخرة، يا خير من دُعي، وأكرم من أجاب.


([1]) أبو داود ح(5074) وابن ماجه ح(3871) وسنده صحيح.
([2]) البخاري ح(2965)، مسلم ح(1742).
([3]) مسلم ح(2712).
([4]) الترمذي ح(3514)، وقال: هذا حديث صحيح.
([5]) الغنية عن الكلام وأهله (ص:25).
([6]) الشكر لابن أبي الدنيا رقم (157).




المصدر: www.almuqbil.com