بعض النوازل المعاصرة المتعلِّقة بالسياسة النقدية أو الإنفاق الفردي أو الحكومي لها أدلة في العصر النبوي ، وكانت معروفة ومفهومة عند الناس ،لكن بمصطلحات أُخرى غير المتعارف عليها حديثاً .
ومن أغلاطنا أننا لا نراجع أدلة الشرع إلا إذا وقع الفأس في الرأس كما يقول أهل الفِلاحة .

والعمومات على ظاهرها لا يجوز طرحها كما قرَّره الأُصوليون.

وهذا الموضوع واسع لا يمكن الإحاطة بكل جزئياته ، ومن الخطأ النظر إليه من زاوية واحدة ، لكن لأنه معضلة معاصرة بدأ يتكلَّم فيها العوام والخواص ، فقد رأيتُ أن أكتب حوله خواطر مختصرة ، لوقوع مناسبته في هذه الأيام .
وقد وقفتُ- في دفاتري – على كلام للإمام ابن القيِّم (ت: 751هـ) رحمه الله تعالى وهو يصف حال الأسواق العالمية اليوم وحال العملات وتذبذبها وموقف الناس المحزن من هذا البؤس حين قال قبل نحو سبعة قرون : ” والثمن هو المعيار الذي يُعرف به تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض ،إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسِّلع ، لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات بل الجميع سلع ، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة ، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة وذلك لا يكون إلا بثمن تُقوَّم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة ، ولا يقوم هو بغيره إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض ، فتفسد معاملات الناس ويقع الحلف ويشتدُّ الضرر ، كما رأيتُ حدَّ فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتُّخذت الفلوس سلعة تُعدُّ للربح ، فعم الضرر وحصل الظلم، فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد بها التواصل إلى السلع، فإذا صارت في نفسها سلعة تقصد لأعيانها فسد أمر الناس ”.


وقد أخبرني صديق من إخواننا اليمنييِّن أهل السنة أنه بعد العدوان العراقي على الكويت وعودة العُمَّال اليمنيين إلى بلادهم ، بدأ بعضُ التجار هناك بنبش جنيهات فرنسية تُقدَّر بالملايين كانوا قد دفنوها قديماً في مدافن خاصة في بيوتهم ومزارعهم ، فاستخرجوها وباعوها بأبخس الأثمان !.

ومناسبة هذا أن العملات لا تبقى على حال ، فربطها بأسعار النفط ليس دليلاً على ثبوتها كما أنه ليس دليلاً على رخصها .


ومن يتأمل أحوال الرسول مع أهل بيته ومع صحابته يجد أنه يحثُّهم على التخفيف من الأعباء الإستهلاكية والحاجية التي يُمكن تدبير أمور الحياة بدونها.

كما في المرفوع : ” كُل واشرب والبس وتصدَّق من غير إسراف ولا مخيلة” أخرجه أبو داود بإسناد صحيح .


وكما في قصة فاطمة حينما جاءت تطلب خادماً فلم يُجبها إلى طلبها ، وأرشدها إلى البدل .وهو مُخرَّج في الصحيحين .
وكما في قصة الرجل الذي وعد بدفع أربع أواقٍ من الفضة لزوجته ، فلم يعطه وإنما قال له مغضباً : ” ما عندنا ما نُعطيك ، كأنما تنحتون الفضة من عُرض هذا الجبل ! ” أخرجه مسلم .

فالتضخم قد يأتي بمعنى زيادة الأسعار ، أو إرتفاع الأجور والأرباح على حسب الزمان والمكان والحال .


والتضخُّم – بتوضيح مُبسَّط – ظاهرة اقتصادية تتمثل في ارتفاع المستوى العام للأسعار بصورة مستمرة ، ومن آثارها انخفاض قيمة النقود نتيجة زيادة حجم تداولها ، مقابل السِّلع والخدمات المعروضة خلال فترة زمنية معينة .
ومن أكبر معضلات التضخم : إنخفاض قيمة الودائع والمدخرات . بل نشوء الفساد بأنواعه : الفساد الإداري والمالي من رشوة وسرقة وغياب للعدل والوعي.


وفي العهد النبوي عُرف التضخم المالي بأنه إذا كانت نفقات الشخص والتزاماته المالية تزيد على دخله المالي، مما يضطرُّه إلى الإستدانة لتغطية تلك النفقات والإلتزامات.


ومن المتقرِّر شرعاً أنه لا يجوز للمسلم أن يدخل نفسه في هذا الأمر بإختياره وإرادته ، سواء كان لتجارة أو غيرها، لأن الديون وحقوق الآخرين سَتُزاحم عقله ، وهي من أخطر الُأمور على دين المرء وشرفه، ومن ابتلي بذلك فعليه أن يسعى بعزيمة للتخلُّص منه وردِّ حقوق الناس لهم في أقرب وقت حسب استطاعته.


وقد ورد في المسند وسنن الترمذي أنه أتى علياً رجلٌ فقال: يا أمير المؤمنين إني عجزت عن مكاتبتي، فأعنِّي، فقال عليُّ : ألا أعلِّمك كلمات علمنيهن رسول الله ، لو كان عليك مثل جبل ” صير ” دنانير لأدَّاه عنك، قلت: بلى، قال: قل: “اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك” .وإسناده صحيح .


فمن يتأمل أحاديث الديون في روايات المحِّدثين التي وقعت في زمن الرسول يلحظ أنها كلها تدعو إلى عدم المخاطرة ووجوب الإجتهاد في المخالصة .
واليوم حدث العكس عياذا بالله تعالى : المسارعة إلى المخاطرة والهروب من المخالصة .

فالتضخم ظاهرة مرضية في الدول النامية ، وإن كان ظاهرة طبيعية في الدول المتقدِّمة التي لا تعبأ بالربا والمقامرة .


والتضخم يؤثِّر على الإنتاج فتتعطل المشاريع لإنخفاض قيمة العملة ، كما يؤثر على الأسعار ، وكذلك على النسيج الإجتماعي والدخل الحكومي .
لا يوجد مصيبة مالية إلا ويكون الربا أحد أسبابها ، فإذا وجد الربا واستفحل ، ظهر التضخم أو ما يُسمَّى بزيادة الفائدة النقدية .


وقد يكون التضخم سببه زيادة حجم الطلب على السلع ، وقد يكون سببه زيادة تكاليف العمل والتشغيل ، وقد يكون سببه الحصار الإقتصادي .


بعض الحكومات أو بعض المؤسسات المالية تُعالج التضخم بفرض الضرائب على الخدمات ، فينخفض الطلب الكلي ويتساوى مع العرض الكلي .
هذه الوسيلة يمكن أن تحلُّ جزءاً من المشكلة لكنها لا تقطع جذورها تماما .


• في إعتقادي أن حلَّ مشكلة التضحم تكون بأسباب شرعية وهي :
الأول : التوزيع العادل لزكاة أموال الأغنياء وعدم العبث والتلاعب بها من العاملين عليها .
الثاني : الإستغناء عن القروض الربوية في مؤسسات الدولة وفي مؤسسات الأفراد . ومن ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه . كما في حديث أُبيِّ ابن كعب .
الثالث : الإستثمار المالي الخالي من الفوائد الربوية .
الرابع : تأمين السِّلع الضرورية للناس ومراقبة الأسعار من جهات شرعية ومالية لتحقيق التوازن بين الأرباح والأجور .
الخامس : العناية بالإنتاج ومكافأة المنتجين والمستثمرين .
السادس : تنفيذ برنامج بإشراف أهل العلم وأهل الجود للقضاء على البطالة أو تقليلها بقدر الأمكان .
السابع : تنفيذ خطة حكومية إرشادية لتشجيع الشباب على الزواج ودعمهم بقروض مناسبة على أن تُسدَّد بأقساط ميسرة .
الثامن : استقطاع مبالغ يسيرة من رواتب الموظفين لتأمين مساكن لهم ، وللحدِّ من جشع التجار وإستغلالهم لحاجة الناس .
التاسع : منع الإحتكار .
العاشر : الرقابة على الأُجور والأسعار مراقبة دورية .


هذه الأسباب إذا أُنيطت بأهل العلم والخبرة والثقة فسوف يزول التضخم وينمو الإقتصاد ويتحسَّن الإنتاج . لكن لو أنيطت بقليلي الأمانة والديانة ، فكما قال بشار بن برد ( ت: 168هـ ) :
أعمى يقودُ بصيراً لا أبا لكم
قد ضلَّ من كانت العُميان تهديهِ .


فهذه الأمور هي في الأصل تُناط بعلماء الشرع ، وإناطتها بأهل السُّوء وإن كانوا أهل خبرة ، إلا أنهم كالعوام في اصطلاح الشريعة كما قال ابن قدامة ( ت: 620هـ ) تعالى في كتابه الروضة.
فالمقصود أن ربط التضخم دائما بمعضلة إنخفاض النفط أو الطاقة ، مع تناسي الأسباب الشرعية في واقع الناس كالبطالة والتلاعب بالزكاة والغض من خطر الربا ،لا يجوز بأيِّ حال من الأحوال .

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )
خواطر حول التضخم | مدونة المتوقِّد