قال :
قوله : لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ أي حجتَه الباهرةَ الدالة على كمال قبحِ الزنى وسوءِ سبيله ، والمرادُ برؤيته لها كمالُ إيقانِه بها ومشاهدتِه لها مشاهدةً واصلة إلى مرتبة عينِ اليقين الذي تتجلى هناك حقائقُ الأشياء بصورها الحقيقيةِ وتنخلع عن صورها المستعارة التي بها تظهر في هذه النشأة على ما نطق به قولُه : حُفّت الجنةُ بالمكاره وحفت النار بالشهوات - وكأنه قد شاهد الزنى بموجب ذلك البرهانِ النيّر على ما هو عليه في حد ذاتِه أقبحَ ما يكون وأوجبَ ما يجب أن يُحذر منه ولذلك فعل ما فعل من الاستعصام والحُكمِ بعدم إفلاحِ من يرتكبه ، وجوابُ لولا محذوفٌ يدل عليه الكلام أي لولا مشاهدتُه برهانَ ربه في شأن الزنى لجَرى على موجب ميلِه الجِبليِّ ولكنه حيث كان مشاهداً له من قبلُ استمر على ما هو عليه من قضية البرهان ، وفائدةُ هذه الشرطيةِ بيانُ أن امتناعَه لم يكن لعدم مساعدةٍ من جهة الطبيعة بل لمحض العفةِ والنزاهة مع وفور الدواعي الداخلية وترتبِ المقدّمات الخارجيةِ الموجبةِ لظهور الأحكام الطبيعية .
هذا وقد نص أئمةُ الصناعة على أن لولا في أمثال هذه المواقعِ جارٍ من حيث المعنى لا من حيث الصيغةُ مَجرى التقييدِ للحُكم المطلقِ كما في مثل قوله تعالى : إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا
فلا يتحقق هناك همٌّ أصلاً . وقد جوز أن يكون ( وهم بها ) جوابَ لولا جرياً على قاعدة الكوفيين في جواز التقديم فالهمُّ حينئذ على معناه الحقيقي ، فالمعنى لولا أنه قد شاهد برهانَ ربه لهمَّ بها كما همت به ولكن حيث انتفى عدم المشاهدة بدليل استعصامِه وما يتفرع عليه انتفى الهمُّ رأساً .
كذلك الكافُ منصوبُ المحلِّ وذلك إشارةٌ إلى الإراءة المدلولِ عليها بقوله تعالى : لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ أي مثلَ ذلك التبصيرِ والتعريفِ عرفناه برهاننا فيما قبل ، أو إلى التثبيت اللازمِ له أي مثلَ ذلك التثبيتِ ثبتناه لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء على الإطلاق فيدخل فيه خيانةُ السيِّد دخولاً أولياً والفحشاء والزنى لأنه مفْرِطٌ في القبح وفيه آيةٌ بينةٌ وحجةٌ قاطعةٌ على أنه لم يقع منه همٌّ بالمعصية ولا توجَّه إليها قط ، وإلا لقيل : لنصرِفَه عن السوء والفحشاء ، وإنما توجه إليه ذلك من خارجٍ فصرَفه الله تعالى عنه بما فيه من موجبات العفةِ والعصمةِ فتأمل .