جاء في محاسن التأويل للقاسمي في معنى النسخ :
قال بعضُ الفضلاء : نزلت هذه الآية لمّا قال المشركون أو اليهودُ : إن محمداً يأمر أصحابه بأمرٍ ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه . وفي الآية ردّ عليهم بأن المقصود من نسخ الحكم السابق : تهيؤ النفوس لأرقى منه ؛ وهو معنى قوله تعالى : نأت بخير منها لأن الخالقَ تعالى ربّى الأمةَ العربية في ثلاث وعشرين سنة تربيةً تدريية لا تتم لغيرها - بواسطة الفواعلِ الاجتماعية - إلا في قرون عديدة . لذلك كانت عليهم الأحكامُ على حسب قابليتها ، ومتى ارتقت قابليتُها بدّل اللهُ لها ذلك الحكمَ بغيره . وهذه سنةُ الخالق في الأفراد والأمم على حد سواء . فإنك لو نظرتَ في الكائنات الحية - من أول الخليةِ النباتية إلى أرقى شكلٍ من أشكال الأشجار ، ومن أول رتبةٍ من رتب الحيوانات إلى الْإِنْسَاْن - لرأيت أن النسخَ ناموسٌ طبيعي محسوس في الأمور المادية ، والأدبية معاً . ! فإن انتقالَ الخلية الْإِنْسَاْنية إلى جنين ،ثم إلى طفل ، فيافعٍ ، فشاب ، فكهل ٍ ، فشيخ ، وما يتبع كل دور من هذه الأدوار - من الأحوال الناسخة للأحوال التي قبلها - يريك بأجلى دليل : أن التبدلَ في الكائنات ناموس طبيعي محقق . وإذا كان هذا النسخُ ليس بمستنكر في الكائنات ، فكيف يستنكرُ نسخ حكم وإبداله بحكم آخر في الأمة ، وهي في حالة نمو وتدرج من أدنى إلى أرقى ؟ هل يرى إنسانٌ له مسكة من عقل أن من الحكمة تكليفَ العرب - وهم في مبدأ أمرهم - بما يلزم أن يتصفوا به ، وهم في نهاية الرقي الْإِنْسَاْني ، وغاية الكمال البشري . ؟ ! وإذا كان هذا يصح ، وجب أن الشرائعَ تكلفُ الأطفالَ بما تكلفُ به الرجالَ ، وهذا لم يقل به عاقلٌ في الوجود . ! وإذا كان هذا لا يقولُ به عاقل في الوجود ، فكيف يجوز على الله - وهو أحكمُ الحاكمين - بأن يكلفَ الأمةَ - وهي في دور طفوليتها - بما لا تتحمله إلا في دور شبوبيتِها وكهولتها ؟ وأي الأمرين أفضل : أشرعُنا الذي سن اللهُ لنا حدودَه بنفسه ، ونسخَ منه ما أرادَ بعلمه ، وأتمه - بحيثُ لا يستطيعُ الإنسُ والجن أن ينقصوا حرفاً منه - لانطباقه على كل زمان ومكان ، وعدمِ مجافاته لأي حالة من حالات الْإِنْسَاْن . ؟ ! أم شرائع دينية أخرى ، حرفها كهانها ، ونسخ الوجودُ أحكامها - بحيث يستحيلُ العملُ بها - لمنافاتها لمقتضيات الحياة البشرية من كل وجه .