على المُسْلم أنْ يَجْتَهِدَ في تَرْتِيْبِ هَذِهِ الأذْكَارِ تَرْتِيْبًا مُتَقَارِبًا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الاسْتِقْرَاءُ الصَّحِيْحُ مِنْ خِلالِ عُمُوْمِ الأدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ .
كَمَا أنَّ بَعْضَ هَذَا التَّرتِيْبِ بَيْنَ هَذِهِ الأذْكَارِ لم يَكُنْ مَنْصُوْصًا عَلَيْهِ بظَاهِرِ السُّنَّةِ، بَلْ جَاءَ مِنْ بَابِ الاجْتِهَادِ المُعْتَبَرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَوَاهِرُ عُمُوْمَاتِ الأدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ الأُخْرَى، والله المُوَفِّقُ، والهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ .
وعَلَيْهِ؛ فَقَدْ جَاءَ تَرْتِيْبُ هَذِهِ الأذْكَارِ عِنْدَنَا على الوَجْهِ التَّالي :
أوَّلًا : أنْ يَأتي المُسْلِمُ : «بالاسْتِغْفَارِ» ثَلاثًا، بَعْدَ السَّلامِ مُبَاشَرَةً، ثُمَّ يَقُوْلُ بَعْدَهَا أيْضًا مُبَاشَرَةً : «اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ، ومِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلالِ والإكْرَامِ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، كمَا هُوَ ظَاهِرُ الحَدِيْثِ، وعَلَيْهِ عامَّةُ أهْلِ العِلْمِ .
كَمَا على الإمَامِ أنْ يَقْوَلَ هَذَا الذِّكْرَ، وهُوَ مُتَّجِهٌ إلى القِبْلَةِ، وقَبْلَ أنْ يَنْصَرِفَ بوجْهِهِ إلى المُصَلِّيْنَ، كمَا هُوَ ظَاهِرُ حَدِيْثِ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، كَمَا مَرَّ مَعَنَا .
ومِنَ الأذْكَارِ الَّتِي يَنْبَغِي الابْتِدَاءُ بِهَا أيْضًا قَبْلَ غَيْرِهَا، مَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ صَلاةِ الوِتْرِ خَاصَّةً؛ وهُوَ قَوْلُهُ : «
سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوْسِ» ثَلاثَ مَرَّاتٍ، يَرْفَعُ صَوْتَهُ في الثَّالِثَةِ، أخْرَجَهُ أحمَدُ والنَّسَائيُّ، وقَدْ مَرَّ مَعَنَا .
ثُمَّ ثَانِيًا : يَأتي بَعْدَهَا بصِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أذْكَارِ : التَّسْبِيْحِ والتَّحْمِيْدِ والتَّكْبِيْرِ، لظَاهِرِ حَدِيْثِ ابنِ عَبَّاسٍ الَّذِي في «الصَّحِيْحَيْنِ» وغَيْرِهِمَا .
وهُوَ قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا : أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقَوْلُهُ : كُنْتُ أعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إذَا سَمِعْتُهُ .
وقَوْلُهُ : كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ الله ﷺ بِالتَّكْبِيرِ .
وقَوْلُهُ : مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ الله ﷺ إلَّا بِالتَّكْبِيرِ .
فَظَاهِرُ هَذِهِ الأحَادِيْثِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحَابَهُ رَضِيَ الله عَنْهُم كَانُوا يَأتُوْنَ بالتَّسْبِيْحِ والتَّحْمِيْدِ والتَّكْبِيْرِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الصَّلاةِ مُبَاشَرَةً، أيْ بَعْدَ الإتْيَانِ «
بالاسْتِغْفَارِ»، وقَوْلِ : «اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ، ومِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلالِ والإكْرَامِ»، لظَاهِرِ حَدِيْثِ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا المُتَقَدِّمِ عِنْدَ مُسْلِمٍ .
يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضَيَ الله عَنْهُ صَرَّحَ بأنَّ مَعْرِفَةَ انْقِضَاءِ الصَّلاة على عَهْدِ رَسُوْلِ الله ﷺ كَانَ يُعْرَفُ بالتَّكْبِيْرِ مُبَاشَرَةً، وإلَّا لم يَكُنْ لمَعْرِفَةِ انْقِضَاءِ الصَّلاةِ اعْتِبَارٌ؛ بحَيْثُ إنَّهُم لو كَانُوا يَأتُوْنَ بالأدْعِيَةِ وقِرَاءَةِ آيَةِ الكُرْسِي والمُعَوَّذَاتِ وغَيْرَهَا دُوْنَ التَّكْبِيْرِ؛ لمَا عَرَفَ ابنُ عَبَّاسٍ ولا غَيْرُهُ انْقِضَاءَ الصَّلاةِ وَقْتَئِذٍ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمَنِ، لِذَا نَجِدُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضَيَ الله عَنْهُ أنَاطَ انْقِضَاءَ الصَّلاةِ بالتَّكْبِيْرِ مُبَاشَرَةً دُوْنَ فَاصِلٍ .
هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ لا يُسَنُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بقِرَاءَةِ القُرْآنِ أو بشَيءٍ بَعْدَ الانْصِرَافِ مِنَ الصَّلاةِ إلَّا بالاسْتِغْفَارِ والتَّكْبِيْرِ والتَّسْبِيْحِ والتَّحْمِيْدِ، وبِهَذَا يَكُوْنُ رَفْعُ الصَّوْتِ بالتَّكْبِيْرِ كَانَ عَقِيْبَ السَّلامِ مِنَ الصَّلاةِ مُبَاشَرَةً، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ حَدِيْثِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا، والله أعْلَمُ .
ثُمَّ ثَالِثًا : يَأتي بَعْدَهَا ببَقِيَّةِ أحَادِيْثِ الأذْكَارِ الأُخْرَى كَيْفَما وَقَعَتْ دُوْنَ تَقْيِيْدٍ بتَرْتِيْبٍ بِيْنَهَا؛ لأنَّهُ لم يَثْبُتْ لَدَيْنَا مَا يَدُلُّ على تَرْتِيْبِهَا إلَّا إذَا كَانَ مِنْ بَابِ الأفْضَلِيَّةِ، فَهَذَا شَيءٌ آخَرُ، والله أعْلَمُ .
فَمِنْ ذَلِكَ :
مَا أخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ : عَنْ شُعْبَةَ عَنِ المُغِيرَةِ رَضِيَ الله عَنْهُ؛ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وسَلَّمَ قَالَ : «
لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهُو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٍ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لما أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِي لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» .
ومَا أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ الله : عَنِ ابنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّهُ كَانَ يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ : «
لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهُو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٍ، لا حَوْلَ ولا قُوةَ إلَّا بالله، لا إلَهَ إلَّا الله ولا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ ولَهُ الفَضْلُ ولَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، لا إلَهَ إلَّا الله مُخْلِصِيْنَ لَهُ الدِّيْنَ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُوْنَ»، وقَالَ : كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ .
وكَذَا مَا جَاءَ بَعْدَ صَلاةِ المَغْرِبِ والفَجْرِ : «
لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي ويُمِيْتُ وهُو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٍ» عَشَرَ مَرَّاتٍ، أخْرَجَهُ أحْمَدُ والتَّرْمِذِيُّ والنَّسَائيُّ وغَيرُهُم، وقَدْ مَرَّ مَعَنَا .
وقَدَّمْتُ هَذِهِ الأذْكَارَ هُنَا؛ لأمْرَيْنِ :
الأوَّلُ مِنْهُمَا : أنَّهَا تَضَمَّنَتْ أذْكَارًا، وقَدْ بَاتَ عِنْدَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ جِنْسَ الذِّكْرِ أفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الأدْعِيَةِ شَرْعًا وعَقْلًا .
لِذَا؛ فَكَانَ مِنْ مَوَاطِنِ الاسْتِجَابَةِ ومِنْ آدَابِ الأذْكَارِ بعَامَّةٍ : تَقْدِيْمُ مَا كَانَ ذِكْرًا على مَا كَانَ دُعَاءً، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ الشَّرعِيَّةُ والآدَابُ النَّبَوِيَّةُ المَرْعِيَّةُ .
الثَّاني مِنْهُما : أنَّ ظَاهِرَ أحَادِيْثِ هَذِهِ الأذْكَارِ جَاءَ بِمَا يُشْعِرُ تَقْدِيْمُهُ على غَيْرِهِ مِنَ الأدْعِيَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ :
مَا أخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ : مِنْ حَدِيْثِ شُعْبَةَ عَنِ المُغِيرَةِ رَضِيَ الله عَنْهُ؛ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وسَلَّمَ قَالَ : «
لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ ...» الحَدِيْثَ .
ومَا أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ الله : مِنْ حَدِيْثِ ابنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّهُ كَانَ يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ : «
لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ ...» الحَدِيْثَ .
وكَذَا مَا ثَبَتَ مِنَ الأذْكَارِ الَّتِي تُقَالُ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ والمَغْرِبِ، وهُوَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ مِنْ حَدِيْثِ أبِي ذَرٍّ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ : «
لَا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ ...» الحَدِيْثَ، وغَيْرِهَا مِنَ الأذْكَارِ الَّتِي مَرَّتْ مَعَنَا .
ثُمَّ رَابِعًا : يَأتي بَعْدَهَا بقِرَاءَةِ آيَةِ الكُرْسِي والمُعَوَّذَاتِ، تَعْظِيمًا للقُرْآنِ، وتَقْدِيْمًا لَهُ في الحُجِّيَّةِ والاسْتِدْلالِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ صَنِيْعِ أئِمَّةِ الإسْلامِ في مُصَنَّفَاتِهِم، ولكَوْنِ القُرْآنِ أيْضًا أكْثَرَ شُمُوْلًا على الثَّنَاءِ والذِّكْرِ والدُّعَاءِ مِنْ غَيْرِهِ، لِذَا كَانَ القُرْآنُ أشْمَلَ مَعْنىً مِنَ الأدْعِيَةِ الأُخْرَى .
هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ القُرْآنَ والسُّنَّةَ إذَا اجْتَمَعَا على وَجْهِ الاخْتِيَارِ في مَوْطِنِ عِبَادَةٍ أو ذِكْرٍ أو دُعَاءٍ أو اسْتِدْلالٍ كَانَ القُرْآنُ مُقَدَّمًا إجْلالًا وتَعْظِيْمًا مَا لم يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيْلٌ خَاصٌّ في تَقْدِيْمِ غَيْرِهِ، وهَذَا مَا عَلَيْهِ عَمَلُ عَامَّةِ المُسْلِمِيْنَ .
وبِهِ أفْتَتِ اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ جَوَابٍ لهَا (7/108) ورَقْمُ (4209) : «تُسَنُّ قِرَاءَةُ آيَةِ الكُرْسِي وسُوْرَةِ الإخْلاصِ والمُعَوَّذَتَيْنِ، وتَكُوْنُ القِرَاءَةُ سِرًّا، ويَكُوْنُ بَعْدَ الانْتِهَاءِ مِنَ الذِّكْرِ بَعْدَ السَّلامِ» إلى آخِرِهِ .
ثُمَّ خَامِسًا : كَمَا عَلَيْهِ أنْ يُرَتِّبَ قِرَاءَةَ هَذِهِ الآيَاتِ القُرْآنِيَّةِ، هَكَذَا : يَبْدَأ بآيَةِ الكُرْسِي، ثُمَّ بسُوْرَةِ الإخْلاصِ، ثُمَّ بسُوْرَةِ الفَلَقِ، ثُمَّ بسُوْرَةِ النَّاسِ.
ويَدُلُّ على ذَلِكَ : تَرْتِيْبُ المُصْحَفِ للسُّوَرِ، وهُوَ الأمْرُ الَّذِي أجْمَعَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَا أنَّنَا أُمِرْنَا باتِّبَاعِ سُنَّتِهِم، والاقْتِدَاءِ بفِعْلِهِم .
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا : فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ؛ حَيْثُ كَانَ يُرَتِّبُ قِرَاءَةَ هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثَةِ (الإخْلاصِ والفَلَقِ والنَّاسِ) عِنْدَ نَوْمِهِ وعِنْدَ رُقْيَتِهِ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ ﷺ في السُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ .
وعلى هَذَا؛ فَقَدْ اسْتَحَبَّ جَمَاهِيْرُ أهْلِ العِلْمِ سَلَفًا وخَلَفًا التَّرتِيْبَ بَيْنَ السُّوَرِ عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، وهُوَ كَذَلِكَ، لِذَا لا يَجُوْزُ تَنْكِيْسُ قِرَاءَةِ القُرْآنِ عِنْدَ الاخْتِيَارِ، بَلْ كَانَ على المُسْلِمِ أنْ يَبْدَأ بقِرَاءَةِ القُرْآنِ أوَّلًا بأوَّلٍ، وهَكَذَا إلى آخِرِهِ .
قَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله : «وتَرْتِيْبُ السُّوَرِ بالاجْتِهَادِ لا بالنَّصِّ في قَوْلِ جَمْهُوْرِ العُلَمَاءِ ... فَيَجُوْزُ قِرَاءَةُ هَذِهِ قَبْلَ هَذِهِ، وكَذَا في الكِتَابَةِ، ولهَذَا تَنَوَّعَتْ مَصَاحِفُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله عَنْهُم في كِتَابَاتِهِم .
لكِنْ لمَّا اتَّفَقُوا على المُصْحَفِ في زَمَنِ عُثْمَانَ رَضَيَ الله عَنْهُ صَارَ هَذَا ممَّا سَنَّهُ الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُوْنَ، وقَدْ دَلّ الحَدِيْثُ أنَّ لهُم سُنَّةً يَجِبُ اتِّبَاعُهَا» ذَكَرَهُ عَنْهُ ابنُ مُفْلِحٍ في «الفُرُوْعِ» (1/421) .
وقَالَ النَّووِيُّ رَحِمَهُ الله في «التِّبْيَانِ» (99) : «قَالَ العُلَماءُ : الأوَّلى أنْ يَقْرَأ على تَرْتِيْبِ المُصْحَفِ، فيَقْرَأ الفَاتِحَةَ، ثُمَّ البَقَرَةَ، ثُمَّ آلَ عِمْرَانَ، ثُمَّ مَا بَعْدَهَا على التَّرتِيْبِ، وسَوَاءٌ قَرَأ في الصَّلاةِ أو في غَيْرِهَا ... ودَلِيْلُ هَذَا أنَّ تَرْتِيْبَ المُصْحَفِ إنَّمَا جُعِلَ هَكَذَا لحِكْمَةٍ» انْتَهَى .
وعَلَيْهِ تَكُوْنُ قِرَاءَةُ آيَةِ الكُرْسِي مُقَدَّمَةً على قِرَاءَةِ الإخْلاصِ، وسُوْرَةُ الإخْلاصِ مُقَدَّمَةً على الفَلَقِ، وسُوْرَةُ الفَلَقِ مُقَدَّمَةً على سُوْرَةِ النَّاسِ، والله تَعَالى أعْلَمُ .
ثُمَّ سَادِسًا : يَأتي ببَقِيَّةِ الأدْعِيَةِ الأُخْرَى كَيْفَما وَقَعَتْ دُوْنَ تَقْيِيْدٍ بتَرْتِيْبٍ بَيْنَهَا؛ لأنَّهُ لم يَثْبُتْ لَدَيْنَا مَا يَدُلُّ على تَرْتِيْبِهَا إلَّا إذَا كَانَ مِنْ بَاب الأفْضَلِيَّةِ، فَهَذَا شَيءٌ آخَرُ، والله أعْلَمُ .
فَمِنْ ذَلِكَ :
مَا أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ الله : عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ؛ قَالَ : كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ الله ﷺ أحْبَبنَا أنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوجْهِهِ، قَالَ : فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : «
رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» .
ومَا أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا : عَنْ عَلِيِّ بنِ أبِي طَالِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ؛ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ، كَانَ يَقُوْلَ إذَا سَلَّمَ : «
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَا قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسَرَرْتُ وما أعْلَنْتُ، وما أسْرَفْتُ وما أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ وأنْتَ المُؤخِّرُ، لا إلَهَ إلَّا أنْتَ» .
وكَذَا مَا ثَبَتَ مِنَ الأذْكَارِ الَّتِي تُقَالُ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ، كَمَا أخْرَجَهُ أحْمَدُ والنَّسَائيُّ وغَيْرُهُمَا : عَنْ أمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا؛ إنَّهَا تَقُولُ : إنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَقُولُ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ سَلَّمَ : «
اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ عِلْمًا نَافِعًا ورِزْقًا واسِعًا وعَمَلًا مُتَقَبَّلًا» .
وأمَّا تَأخِيْرُنَا لهَذِهِ الأدْعِيَةِ هُنَا؛ فَقَدْ جَاءَ لأمُوْرٍ ثَلاثَةٍ :
الأوَّلُ مِنْهَا : أنَّهَا أدْعِيَةٌ، وقَدْ مَرَّ مَعَنَا أنَّ حَقَّ الأدْعِيَةِ التَّأخِيْرُ عَنْ أحَادِيْثِ الذِّكْرِ والثَّنَاءِ على الله تَعَالى، فَتَأمَّلْ .
الثَّاني مِنْهَا : أنَّ أذْكَارَ الأدْعِيَةِ لا يُسَنُّ فيْهَا رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أئِمَّةِ السَّلَفِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّيْنِ، وعَلَيْهِ يَظْهَرُ لَنَا مَا يَلي .
الثَّالِثُ : أنَّ الأذْكَارَ الَّتِي يُشْرَعُ فِيْهَا رَفْعُ الصَّوْتِ يَكُوْنُ حُقُّهَا التَّقْدِيْمَ؛ لظَاهِرِ حَدِيْثِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما، في «الصَّحِيْحَيْنِ» وغَيْرِهَمَا .
وهُوَ قَوْلُهُ رَضِيَ الله عَنْهُ : أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ .
وعَلَيْهِ؛ فَإنَّ الأدْعِيَةَ لَيْسَتْ مِنَ الأذْكَارِ الَّتِي يُسَنُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا، فَكَانَ والحَالَةُ الَّتِي ذَكَرْنَا : أنْ تَتَأخَّرَ هَذِهِ الأدْعِيَةُ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ أحَادِيْثِ الأذْكَارِ الَّتِي يُسَنُّ فِيْهَا رَفْعُ الصَّوْتِ دُبُرَ الصَّلاةِ .
ثُمَّ سَابِعًا : ثُمَّ إنْ شَاءَ أنْ يَدْعُو دُعَاءً مُطْلقًا، فَلْيَجْعَلْهُ آخِرَ الأمْرِ، أيْ : بَعْدَ الإتْيَانِ بالأذْكَارِ المَشْرُوْعَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا، وقَدْ مَرَّ مَعَنَا بَسْطُ هَذِهِ المَسْألَةِ، والله تَعَالى أعْلَمُ .
قُلْتُ : إنَّ ذِكْرَنَا لهَذَا التَّرْتِيْبِ هُنَا لَيْسَ وَقْفًا على الأذْكَارِ الَّتِي تُقَالُ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوْبَةِ حَسْبُ؛ بَلْ يَجْرِي هَذَا التَّرْتِيْبُ أيْضًا في عُمُوْمِ الأذْكَارِ الَّتِي يَجُوْزُ الخِيَرَةُ في التَّقْدِيْمِ والتَّأخِيْرِ؛ ولاسِيَّما في أذْكَارِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ ونَحْوِهَا، إلَّا فِيْمَا نَصَّ الدَّلِيْلُ على تَقْدِيْمِهِ أو تَأخِيْرِهِ، والله المُوَفِّقُ .

الشيخ الدكتور
ذياب بن سعد الغامدي
تحقيق الكلام
في أذكار الصلاة بعد السلام
ص 190