للأبناء حق على الآباء ، كما أن للآباء عليهم حق ، وقد راعى الإسلام حق الأبناء رعاية عظيمة لا يجدها الباحث في غير الإسلام ؛ لقد ذهبت هذه الرعاية بعيدًا إلى قبل أن يكون له وجود في الحياة .. بدءًا من اختيار الأم ، ثم عند الجماع ، ثم وهو جنين في بطن أمه ، ثم عند الولادة ، ثم في مرحلة الرضاع ، ثم في مرحلة الطفولة بعد الرضاعة ، مرورًا بمرحلة المراهقة ثم البلوغ ، ولا تنقطع صلة الحقوق بين الآباء والأبناء حتى يحول بينهما الموت ، على أمل لقيا في الآخرة بين الصالحين في الجنة : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ .
ولما أصبحنا في زمن ضاعت فيه الحقوق ، وتغيرت فيه الموازين ، وأُوثرت فيه الثقافات الدخيلة ؛ وجب على المسلمين أن يتناصحوا ، ويتكاتفوا لبيان الحق ، واستدراك الأمر .
اعلموا - رحمكم الله - أن حقوق الأبناء كثيرة ، لا تقتصر على الطعام والشراب واللباس وفقط ، وإن كانت هذه من الحقوق المهمة ، فهناك حقوق أخرى لا تقل عنها أهمية ، بل قد تزيد أهمية بعضها على هذه الحقوق ، وأهم ذلك تعليمه دينه والحفاظ على عقيدته ، والتنمية المستمرة لهذا عبر سني عمره ، فهذه هي النجاة لكم وله ، قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ؛ قال علي t : أدبوهم وعلموهم ؛ وقال ابن عباس : أي : اعملوا بطاعة الله ، واتقوا معاصي الله ، وأمروا أهلكم بالذكر ، ينجيكم الله من النار ؛ وقال بعض السلف : حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه .
إن الأبوين بدافع من الفطرة يعتنون بأمور أبنائهم المادية ، ويطلبون لهم وسائل الراحة قدر الاستطاعة ؛ وهذا وإن كان جانبًا مهما في شأن التربية ؛ إلا أن الخوف على الأبناء من عذاب الله تعالى أهم وأجدر أن يهتم به الآباء .
حق الجنين
لا ولن تجد منهجًا اعتنى بالجنين كما اعتنى به الإسلام ؛ لأنه – إن صح التعبير – مشروع إنسان له الحق في الحياة إذا نفخ فيه الروح ؛ وإليك بعض أوجه من هذه العناية : أباح الإسلام الفطر للحامل في شهر رمضان إن كان للصيام أثر عليها أو على جنينها ، على أن تقضي ما أفطرته بعد ذلك ؛ قال النَّبِيُّ : " إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْم وَشَطْرَ الصَّلَاةِ وَعَنْ الْحَامِلِ أَوْ الْمُرْضِعِ الصَّوْمَ " .
ويُعِدُّ الإسلام الاعتداء على الجنين جناية ؛ ولهذا حرَّم إجهاض الجنين حفاظًا لحقه في الحياة ؛ فلا يجوز لأمه أن تتعاطى ما يسبب الإجهاض من عمل شاق أو شرب دواء أو نحو ذلك ، ولا يحل لأبيه أن يأمرها بذلك ؛ يقول الغزالي - : الإجهاض والوأد جناية على موجود حاصل ؛ وله مراتب : وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة ، وإفساد ذلك جناية ؛ فإن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش ، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشًا ؛ ومنتهى التفاحش في الجناية بعد الانفصال حيًّا .ا.هـ .
وجعل الإسلام دية للجنين على من يتسبب في إسقاطه ؛ ففي الصحيحين أنه اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا ؛ فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ .. الحديث وفيه دليل على وُجُوب الدِّيَة فِي الْجَنِين وَلَوْ خَرَجَ مَيِّتًا ؛ وهذا من أبلغ عناية الإسلام بالجنين .
وحفظ الإسلام حق الجنين في الميراث ، إذا مات أبوه وهو في بطن أمه ؛ فيتأخر توزيع تركة الميت ، حتى يأتي المولود فينظر أذكر أم أنثى ؟ ثم يقسم الميراث على أهله .
بل يدل على عظم عناية الإسلام بالجنين أن النبي أخَّر رجم الغامدية التي أقرت بالزنى حتى تضع ولدها ؛ ثم أخَّرها حتى تفطمه ؛ رعاية لحق الجنين ثم رعاية لحق الوليد .
ألا فليشهد الثقلان بأن الإسلام هو دين حقوق الإنسان ، في عالم يدعي الحضارة والمدنية وحقوق الإنسان ، ثم هو يسعى لإقرار الإجهاض كحق للمرأة لتستمتع بحياتها في دنيا الشياطين .