قال تعالى في سورة الصافات :وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147)
قال الطبري :
وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَى قَوْمِهِ الَّذِينَ وَعَدَهُمُ الْعَذَابَ ، فَلَمَّا أَظَلَّهُمْ تَابُوا ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقِيلَ : إِنَّهُمْ أَهْلُ نِينَوَى.
قال ابن كثير :
قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أَوَّلًا أُمِرَ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِمْ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْحُوتِ، فَصَدَّقُوهُ كُلُّهُمْ وَآمَنُوا بِهِ. وَحَكَى الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى أُمَّةٍ أُخْرَى بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْحُوتِ، كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ.
قال أبو السعود :
قوله تعالى : وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ يعني أن من يبصرهم يقول إنهم مائة ألف أو يزيدون. وهم قومُه الذين هرب منهم وهم أهل نَيْنَوى . والمرادُ به إرسالُه السَّابقُ أَخبر أولاً بأنَّه من المرسلين على الاطلاقِ ثم أخبرَ بأنَّه قد أُرسل إلى أمةٍ جمَّةٍ وكأنَّ توسيطَ تذكير وقت هربِه إلى الفُلكِ وما بعده بينهما لتذكير سببهِ وهو ما جرى بينه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وبين قومِه من إنذاره إيَّاهم عذابَ الله تعالى وتعيينِه لوقت حلوله وتعلُّلِهم وتعليقِهم لإيمانِهم بظهور أماراتِه كما مرَّ تفصيلُه في سُورة يونسَ ليعلم أنَّ إيمانَهم الذي سيحكى بعد لم يكُن عقيبَ الإرسالِ كما هو المتبادرُ من ترتيبِ الإيمانِ عليه بالفاء بعد اللَّتيا والَّتي وقيل : هو إرسالٌ آخرُ إليهم وقيل : إلى غيرِهم وليس بظاهرٍ أَوْ يَزِيدُونَ أي في مَرأى النَّاظرِ فإنَّه إذا نظر إليهم قال إنَّهم مائةً ألفٍ أو يزيدون ، والمرادُ هو الموصفُ بالكثرة .
قال الشوكاني بعد كلام له :
وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ كَانَ رَسُولًا قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْبَحْرِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ يُونُسَ، وَبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلَى الرِّسَالَةِ، وَهَذَا الْإِرْسَالُ الْمَذْكُورُ هُنَا هُوَ بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ .
قال في التحرير والتنوير : وَالْفَاءُ فِي فَآمَنُوا لِلتَّعْقِيبِ الْعُرْفِيِّ لِأَنَّ يُونُسَ لَمَّا أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَدَعَاهُمُ امْتَنَعُوا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَأَخْبَرَهُمْ بِوَعِيدٍ بِهَلَاكِهِمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ خَافُوا فَآمَنُوا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [يُونُس: 98] .
وخلاصة الأمر أن هذه الآية هي تماما كقوله تعالى في سورة الصافات ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68) مع أنهم فيها ولم يُفارقوها . وقوله تعالى :يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) مع أنه فيها وبداخلها , لكنه انتقال تنوع في العذاب .
وقوله تعالى في سورة المجادلة : وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا
ولو قلنا بظاهر الآية لكان الظهار الأول معفوا عنه – وهذا غير صحيح .
قال في التحرير والتنوير بعد كلام له :
وَعَلَيْهِ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِعْلُ يَعُودُونَ فِي إِرَادَةِ الْعَوْدَةِ كَمَا اسْتُعْمِلَ فِعْلٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى إِرَادَةِ الْعَوْدِ وَالْعَزْمِ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْعَوْدِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَوْدًا بِالْفِعْلِ لَمْ يكن لاشْتِرَاط التفكير قَبْلَ الْمَسِيسِ مَعْنًى، فَانْتَظَمَ مِنْ هَذَا مَعْنَى: ثُمَّ يُرِيدُونَ الْعَوْدَ إِلَى مَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَعَلَيْهِمْ كَفَّارَةٌ قَبْلَ أَنْ يَعُودُوا إِلَيْهِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [الْمَائِدَة: 6] أَيْ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ، وَقَوْلِهِ: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النَّحْل: 98] ،وَقَول النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»