بين تدوين الكتاب المقدس وتدوين السنة النبوية ( الموطأ نموذجاً )

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد :


فهذه دراسة مختصرة في المقارنة بين تدوين الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى وتدوين السنة


ولسائل أن يسأل ما داعي هذه الدراسة


فالجواب : الداعي عدة أمور


الأول : أننا رأينا من يهاجم السنة النبوية ومع ذلك يقر بعدم تحريف الكتاب المقدس من أولئك إسلام البحيري المرتزق المأجور وأيضاً عامة المنصرين


الثاني : أنني رأيت من يقيس هذا على ذاك


الثالث : أن النصارى يدافعون بشراسة عن كتابهم ويقولون باستحالة تحريفه ويدلون في ذلك بحجج أولى بها المدافعون عن السنة بعد البيان التالي


الرابع : أن عامة الدارسين في مقارنة الأديان معرفتهم بتدوين السنة وعلم الرجال ضعيفة والعكس بالعكس


والمقارنة ستتم في عدة أمور


الأول : اللغة الأصلية للنص


الثاني : المعرفة بحال ناسخ المخطوطة


الثالث : تاريخ المخطوطة وقربها من النبي المعزو إليه النص


الرابع : تطابق المخطوطات


الخامس : العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة على النص


وبما أن كتب السنة كثيرة انتقيت موطأ الإمام مالك ليكون هو المقابل للكتب المقدسة عند اليهود والنصارى


لعدة أسباب


الأول : أنه كتاب متواتر عن مؤلفه رواه عنه عدد كبير من الناس هذا مع اتفاق الأمة الإسلامية على ثقة وأمانة المؤلف حتى خصومه في الفقه


الثاني : أن المؤلف شخصية لا يمكن الطعن في وجودها فله عشرات التلاميذ وله مذهب فقهي قائم ونسبه وتاريخ ميلاده ووفاته ومكان إقامته وتصانيفه ومناقشات الخصوم له ودفاعات التلاميذ عنه كلها أمور معروفة


الثالث : أنه كتاب يحتوي على أحاديث في جميع أبواب العلم وهو ركيزة لمذهب فقهي معروف تدين به عدد كبير من المسلمين على مدى زمن طويل


والآن إلى مجالات المقارنة


الأول : اللغة الأصلية


الكتاب المقدس في عهده القديم كتب باللغة العبرانية أو الآرامية وأما العهد الجديد فكتب باللغة اليونانية


غير أن الأصول المكتوبة بهذه اللغات غير موجودة كما اعترف بذلك صاحب قاموس الكتاب المقدس ص844


وكذا اعترف يوسف رياض في كتابه وحي الكتاب المقدس أن النسخ الأصلية التي كتبت بخط كتبة الوحي أو من أمليت عليهم قد فقدت


فأي سفر من أسفار العهد القديم أو الجديد ليست موجودة بخط كاتبه وهي لم تنقل بإسناد ولا حفظ ولا منهج نقدي بل غاية ما تنقل به أنها توجد مخطوطة


وهناك بعض المخطوطات باللغات الأصلية ولكنها ناقصة


وإذا نظرنا إلى موطأ الإمام مالك مثلاً فهو بلغة المصنف وهي لغة النبي والكتاب تواتر عن مصنفه


وقد اعترف القس أنيس عبد النور بأنه لا يمكن تحديد عدد الأجيال بين المخطوطات الحالية والمخطوطات الأصلية


الثاني : المعرفة بحال ناسخ المخطوط


عامة مخطوطات الكتاب المقدس لا يعرف حال كتابها أصالةً وهذا أمر معروف


وأما مخطوطات الموطأ مثلاً فهي كثيرة جداً وكلها اسم الناسخ موجود والسماعات هذا غير الشروح وأحاديث الموطأ المبثوثة في كتب الحديث المختلفة


الثالث _ وهو من أهم الأبواب _ : قرب المخطوطات من النبي المعزو إليه الكلام
من أقدم المخطوطات للكتاب المقدس السينائية وهذا التعريف بها :
المخطوطة السينائية ( بالعبرية : קודקס סינאיטיקוס , باليونانية : Σιναϊτικός Κώδικας ) "إحدى أهم مخطوطتين في العالم للعهد الجديد يعود إلى القرن الرابع وقد كتب بين سنة 325 و 360 و يحتوي على كلا العهد القديم والجديد و يعتبر من اقدم المخطوطات الذي يحتوي على معظم اسفار الكتاب المقدس . توجد المخطوطة اليوم في المكتبة البريطانية , جامعة لايبزك والمكتبة الوطنية الروسية"


وهذه المخطوطة تحتوي على سفرين لا تعترف بهما الكنيسة وهما رسالة برنابا ورسالة الراعي لهرماس وهذا من تناقضهم الفج جداً إذ هذه المخطوطة من أقوى حججهم على عدم التحريف وهم أنفسهم لا يعتدون بسفرين كاملين بها ويدعون بطلانهما !


فهذه المخطوطة بينها وبين المسيح ثلاثة قرون وأما المخطوطات الأقدم كلها قصاصات صغيرة جداً لهذا هذه الأقوى


وقد اعترف غير قس من قساوستهم أن النسخ الكاملة جاءتهم من القرن الرابع الميلادي !


وأما العهد القديم فمعلوم أن موسى عندهم عاش قبل 1400 عاماً من ميلاد المسيح وآخر كتبة العهد القديم اسمه ملاخي عاش قبل 400 من ميلاد المسيح فأقدم مخطوطة كاملة مخطوطة لينغراد وهي الأقدم المكتوبة بالعبرية بخلاف غيرها كتبت عام 1008 ميلادية يعني بعد موسى بأكثر من ألفين وأربعمائة عام ! وهذا ذكره بولس فغالي في المدخل إلى الكتاب المقدس


والآن لنأتي إلى موطأ الإمام مالك


فأولاً : مالك ولد في القرون الذي مات فيه النبي وحين ولد كان عدد من الصحابة أحياء


الثاني : أنه كان في المدينة التي عاش فيها النبي صلىالله عليه وسلم وبين أبناء المهاجرين والأنصار فأحد شيوخه جعفر الصادق حفيد النبي وعبد الرحمن بن القاسم حفيد أبي بكر وعائشة زوجة النبي تكون عمة والده ومن شيوخه عامر بن عبد الله بن الزبير والده صحابي وجده صحابي من خاصة النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة خالة أبيه وجدته أسماء بنت أبي بكر ومن شيوخه محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف والده صحابي ومعروف ومن شيوخه محمد بن المنكدر والده خال عائشة زوجة النبي ومن شيوخه هشام بن عروة بن الزبير جدته أسماء وخالة والده عائشة ووالده الصحابي المعروف الزبير هذا التلاميذ المباشرين للصحابة كخدمهم ومواليهم كنافع مولى ابن عمر .


الثالث : أن مالكاً كان ضمن مجتمع علمي كامل وكل تفاصيل حياته معروفة وهناك رواة في طبقته يروون ما يروي ويمكن المقارنة بين ما يرويه وما يروونه بخلاف تلك المخطوطات التي لم تكن تراجع أو تقرأ ونحن سنتكلم عن بقية القرائن لاحقاً


ولكن يمكنك أن تتصور أن أقدم مخطوطة كاملة للكتاب المقدس بينها وبين المسيح أكثر مما بين البخاري والنبي وأكثر مما بيننا وبين محمد بن عبد الوهاب مثلاً !


الرابع : تطابق المخطوطات


قد حقق غير باحث كثرة الاختلافات بين نسخ الكتاب المقدس ويكفيك عدم اعترافهم ببعض الأسفار الموجودة في أقدم النسخ


وأما الكتاب الحديثي الذي اخترناه فلو نظرناه في رواياته كلها لوجدنا الخلاف يسيراً جداً ولا يكاد يوجد اختلاف في سند حديث أو متن إذا وجد في الروايتين


الخامس : العوامل الخارجية والداخلية


الفجوة بين نسخ الكتاب المقدس والمسيح كانت فترة اضطهاد للنصارى واستضعاف بعكس السنة المدونة فإنها كانت تنقل في مدة عزة للمسلمين وانتشار معرفي بينهم في أقطار متعددة فالعلم كان فاش جداً


السنة النبوية مدعومة بواقع عملي فالناس كان يطبقونها ويتعبدون لله بها وكانت الحاجة شديدة لها في السجال الفقهي بخلاف الكتاب المقدس فغالبه قصص


وأنا هنا قارنت مع الموطأ فحسب وبعدها لأحدثك عن بعض تاريخ تدوين تاريخ السنة ككل وليس الموطأ فقط




اعلم رحمك الله أن السنة النبوية قد حفظت بشكل عظيم وقد اجتمع فيها عدد من عوامل الحفظ




الأول : أن العرب في طبيعتهم آنذاك كانوا أقوياء الحفظ ولهذا كانوا يحفظون القصائد الطويلة من أول مرة يسمعونها كالمعلقات التي فشت فيهم مع قلة القراء والكتاب فيهم في ذلك الوقت ، وهذا أمر موجود في أهل القرى إلى يومنا هذا


الثاني : أن النبي كان يعيد الكلام ثلاثاً وكان يترسل في كلامه لكي يفهم كما نصت عليه عائشة


الثالث : أنه كان رجلاً بليغاً وكان يختصر الكلام بعبارات جامعة وأحاديثه الطوال نادرة جمعها الطبراني في مصنف مستقل لا يبلغ المجلد


الرابع : أن كثيراً من الأحاديث قد ارتبطت بواقع عملي كالأحاديث المتصلة بالعبادات والمعاملات فكان يقولها ويطبقها ويطبقها معه الصحابة وهذا أرسخ للحفظ


الخامس : أنه كان يقول أكثر أخباره في محفل من الناس


السادس : أن الصحابة كانوا يتراجعون في بعض الأخبار فدل سكوتهم على عامة الأخبار أنها معروفة عندهم فقد أنكرت عائشة على ابن عمر قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب وخطأته في ذلك وهما متفقان على اعتماره ولكن اختلفا في الشهر ، وأنكرت أمهات المؤمنين على أبي هريرة تحديثه بحديث منسوخ في الجنب يصبح صائماً فالحديث كان صحيحاً ولكنه كان منسوخاً فحصل الإنكار ، بل كره سلمان لحذيفة التحديث ببعض أحاديث الفتن لكون العقول لا تبلغها


السابع : أن السنة كان شيء كثير منها مدون في حياة النبي ومن ادعى أن السنة لم تدون في حياة النبي فقط غلط


قال أحمد في مسنده 6510 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ: " اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنِّي إِلَّا حَقٌّ "


فهذا واضح أن عبد الله بن عمرو كان يكتب


وقال البخاري في صحيحه 113 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنْ أَخِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ


وقال البخاري في صحيحه 2434 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِين َ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَقَامَ أَبُو شَاهٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيّ ِ مَا قَوْلُهُ اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.


وهذا حديث متأخر في فتح مكة


وكتاب النبي الذي كان عند أبي بن محمد بن عمرو بن حزم مشهور معروف عند المحدثين


وله صلوات وسلامه عليه كتب عديدة للأمصار


ومن ذلك كتابه إلى عمرو بن حزم






وقال ابن عبد البر وهو يتكلم عن كتاب عمرو بن حزم :" وكتاب عمرو بن حزم هذا قد تلقاه العلماء بالقبول والعمل ، وهو عندهم أشهر وأظهر من الإسناد الواحد المتصل " انتهى من" الاستذكار " (2/471) .




وقال يعقوب بن سفيان الفسوي : " لا أعلم في جميع الكتب كتابًا أصح من كتاب عَمْرو بن حزم ، وقَال : كان أصحاب النبي والتابعون يرجعون إليه ويَدَعون آراءهم ". انتهى من" المعرفة والتاريخ " (2/217)


ثم إن عامة إن الأحكام لها أصل في القرآن ولذا تجد الأصول الفقهية العظام متفق عليها وعامة خلاف الفقهاء فرع عن اتفاق فهم متفقون على الطواف سبعاً وعلى الركوع وعلى السجود وعلى الصلوت الخمس وعلى الوضوء وعلى المواريث بالجملة


ولكن يختلفون في بعض صور الطواف هل تجزي أم لا واختلافهم القديم في مسح القدمين أو غسلهما فرع عن الاتفاق على مسح القدمين بالماء واختلافهم في بعض نواقض الوضوء فرع عن اتفاقهم على وجود نواقض أصلاً واتفاقهم على العديد منها


وهناك مسائل اختلفوا فيها ثم انقرض الخلاف بعد ظهور السنن كأحكام الاحداد ومشروعية زيارة القبور


وهذا من أعظم البراهين على بقاء الشريعة


قال الشيخ في بيان التلبيس :" وقد كان الثقة يحدث عن الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح أنه لما رأى قوله إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين لعنه على ذلك وقال هذا تعطيل الإسلام وقد بسط هذا في مواضع والمقصود هنا أن يتبين أن دعواه أن كل دليل سمعي موقوف على مقدمات ظنية دعوى باطلة معلوم فسادها بالاضطرار ولو صح هذا لكان لا يجزم أحد بمراد أحد ولكان العلم بمراد كل متكلم لا يكون إلا ظنًّا وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار وإذا كان آحاد العامة قد بين مراده بكلامه حتى يقطع بمراده فالعلماء أولى بذلك وإذا كان العلماء المصنفون في العلوم يقطع بمرادهم في أكثر ما يقولونه كما يقطع بمراد الفقهاء والأطباء والحُسّاب وغيرهم فالرسول الذي هو أكمل الخلق علماً وبياناً ونصحاً أولى أن يبين مراده ويقطع به وكلام الله تعالى أكمل من كلام الرسول وأكمل بياناً فهو أولى بالقطع بمراد الرب فيه من كلام كل أحد ومعاني الكلام منقولة بالتواتر معلومة بالاضطرار أعظم من ألفاظه والمسلمون كلهم يعلمون بالاضطرار أن الله تعالى أمر بغسل الوجه واليدين ومسح الرأس في الوضوء وبالاغتسال من الجنابة وبالتيمم وأن الله تعالى أمر بالصلاة إلى الكعبة وأمر بالحج إلى البيت الذي بمكة والطواف به والتعريف بعرفات وصوم شهر رمضان وامتناع الصائم من الأكل والشرب والنكاح وغير ذلك من معاني القرآن وأكثرهم لا يحفظون حروف القرآن فمعانيه التي دلت عليها هي معلومة عندهم بالاضطرار منقولة بالتواتر أعظم من العلم بألفاظه الدالة على تلك المعاني ولا يحتاجون في ذلك إلى نقل اللغة ولا نفي المعارض بل الأمر موقوف على مقدمة واحدة وهو العلم بمراد المتكلم وهذا قد يعلم اضطراراً وقد يعلم بأدلة قطعية وقد يكون ظنًّا كذلك العلم بما أخبر له الرسول من أسماء الرب وصفاته ومن اليوم الآخر كثير منه أو أكثره معلوم عند الأمة اضطراراً نقلاً متواتراً وإن كان أكثرهم لا يحفظون حروفه وإذا سمعوا حروفه علموا قطعاً أنها دالة على تلك المعاني المعلومة عندهم كما إذا سمعوا قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران 97] علموا أن المراد بلفظ البيت البيت الذي بمكة وإذا سمعوا شهر رمضان علموا أن المراد بهذا اللفظ بالشهر التاسع الذي بين شعبان وشوال وإذا سمعوا خلق السموات والأرض علموا أن المراد بذلك أنه هو الذي أحدثهما وابتدأهما وأنشأهما لا أنهما قديمتان ملازمتان له وإذا سمعوا قوله تعالى كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى [البقرة 73] وقوله كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) [فاطر 9] علموا أن المراد بذلك إحياء الموتى للقيامة وإذا سمعوا قوله تعالى وتقدس إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) [طه 46] علموا أن ذلك معنى أنه سميع بصير وأمثال ذلك كثير "


وكذلك أهم حوادث السيرة لها أصل في القرآن واتفقوا عليها فالهجرة وغزوة بدر وأحد والحديبية والخندق وبيعة الرضوان وفتح مكة وحنين وغزوة العسرة وغزوة بني النضير وبني قريظة وغيرها مذكورة في القرآن بالإشارة أو ذكر بعض أحداثها مع كيد المنافقين وغيرها من الأمور وبعضها فرغت له معظم سورة كمباهلة وفد نجران في سورة آل عمران


وهذا كله باتفاق المفسرين من كل النحل فظهر أن كل العلوم أصلها القرآن المقطوع به وأن السنة شارحة


وقد شرحت في مقالي ( قاعدة في أن معظم الأحكام الشرعية ثابتة بطريقة قطعية ) طريقة المحدثين في تصحيح الأخبار وأنها منتهى في الاحتياط وأنه لم يبنَ حكم في الغالب إلا على خبر احتفت به قرائن ترفعه إلى درجة القطعية حتى على مذهب المتكلمين المتشككين


والآن سأشرح شيئاً من تاريخ تدوين السنة الذي يجهله كثير ممن يتكلم في هذه الأمور حتى من المدافعين عن السنة


فيقال تقدم معنا ذكر كتب النبي وهذه المرحلة الأولى


وهناك المرحلة الثانية وهي مرحلة الصحف كصحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة وصحيفة أبي الزبير عن جابر وهذه صحف مشهورة ومؤلفوها سمعوا من الصحابة مباشرة


والمرحلة الثالثة مرحلة التدوين الراتب دون تصنيف وهي التي دعا إليها عمر بن عبد العزيز وأعانه الزهري وكلاهما تابعي تتلمذ على الصحابة وكبار التابعين


والمرحلة الرابعة مرحلة أصحاب الثنائيات وهذه التي يجهلها كثيرون مع أهميتها العظيمة


وأصحاب الثنائيات هم من عندهم أسانيد يصلون فيها إلى النبي باثنين فقط ولهم كتب مصنفة


فعلى رأسهم الإمام مالك صاحب الموطأ الذي تواتر عنه فمالك يروي عن حميد عن أنس


وعن نافع عن ابن عمر


وعن أبي حازم عن سهل بن سعد


وعن نعيم المجمر عن أبي هريرة


وعن الزهري عن أنس وعن سهل وغيرهم من الصحابة الذين أدركهم الزهري


وعن ابن المنكدر عن جابر


وعن أبي الزبير عن جابر


فهو قريب جداً من النبي وله أسانيد أخرى ثلاثية وربما ثنائية فاتتني وهذه للتنبيه وقد اتفقت الأمة على تعديل مالك ولا يشارك الثقات في حديثه إلا ويظهر فضله وتثبته وموافقته لهم


ولا يكاد يوجد حديث مرفوع انفرد به واحد عن مالك بل لو انفرد فإنه يكون منكراً فمالك حديثه منتشر ومحفوظ في الموطأ


واليوم المرء منا لو أراد أن يحكي قصة عن محمد بن عبد الوهاب فلن يستطيع أن يصل إليه باثنين فقط فمالك أقرب إلى النبي منا إلى محمد بن عبد الوهاب


ومن أصحاب الثنائيات ابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج والذي له جزء مطبوع


وهو يروي عن عطاء بن أبي رباح وعطاء أدرك ابن عباس وابن عمر وجابراً وغيرهم من الصحابة


ويروي عن نافع عن ابن عمر


ويروي عن مجاهد ومجاهد سمع ابن عباس وابن عمر وغيرهم من الصحابة بل له تفسير معروف عن مجاهد


ويروي عن ابن أبي مليكة وابن أبي مليكة سمع عائشة وابن عباس وابن عمر وغيرهم


ولابن جريج شيوخ أخر وثلاثيات وإنما أذكر هذا لأقرب لك شدة قرب إسناده من النبي وابن جريج كان يعيش في مكة


وابن جريج حاله كحال مالك في اتفاق الأمة على تعديله بالجملة وموافقة الثقات له إذا رووا ما روى واشتهاره بالعلم وتعذر التفرد عنه بالمرفوع المتصل


ومن أصحاب الثنائيات الإمام الكوفي سفيان الثوري


فهو يروي عن حميد عن أنس


وعن ابن المنكدر عن جابر


وعن أبي الزبير عن جابر


وعن أبي حازم عن سهل


وعن أبي إسحاق عن البراء


وعن عمرو بن دينار عن ابن عباس


وعن محارب بن دثار عن ابن عمر وجابر


وسمع من سماك بن حرب أحسن السماع وسماك سمع من النعمان بن بشير وجابر بن سمرة وكلاهما صحابي


وسفيان له كتاب في التفسير وله جامع فقد ولكن أحاديثه تملأ الكتب والتفرد عنه بمرفوع متصل شبه مستحيل بل مستحيل حقاً إلا على جهة الغلط من الراوي والأئمة يعدونه منكراً


ومن أصحاب الثنائيات من المصنفين أبو إسحاق الفزاري وهذا له كتاب في السير مطبوع وهو يروي عن حميد عن أنس ولا أعلم ثنائياً غير هذا


ومن أصحاب الثنائيات موسى بن عقبة صاحب المغازي المشهورة والتي إن فقد عين الكتاب إلا أنه مبثوت في عشرات الكتب الحديثية


وهذا يروي عن الزهري عن شيوخه من الصحابة الذين تقدم ذكر بعضهم


ويروي عن نافع عن ابن عمر وكتابه في المغازي معروف في زمن السلف بل إنه حج مع ابن عمر وسمع أم خالد الصحابية


ويروي عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ( وعبد الله سمعه مالك وسفيان أيضاً )


وله ثنائيات أخرى


ومن أصحاب الثنائيات معمر بن راشد


فهو يروي عن قتادة عن أنس ويروي عن ثابت عن أنس ويروي عن أبي إسحاق عن البراء وغيره من الصحابة الذين سمعهم أبو إسحاق ويروي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ويروي عن همام بن منبه عن أبي هريرة ويروي عن الزهري عن شيوخه من الصحابة


ومعمر له كتاب الجامع وله تفسير عن قتادة


ومن أصحاب الثنائيات سعيد بن أبي عروبة وله كتاب المناسك يروي عن قتادة عن أنس ويروي عن النضر بن أنس عن أبيه ويروي عن أبي رجاء العطاردي التابعي الكبير الذي يروي عن سمرة وابن عباس ويروي عن أبي نضرة العبدي عن أبي سعيد


ومن أصحاب الثنائيات الإمام الليث بن سعد الإمام المصري قرين مالك وهو يروي عن عطاء بن أبي رباح الذي سمع جمعاً من الصحابة وهو من كبار فقهاء التابعين ويروي عن قتادة الذي سمع أنساً وهو من كبار فقهاء التابعين ويروي عن نافع عن ابن عمر ويروي عن الزهري عن شيوخه من الصحابة وغيرهم ويروي عن أبي الزبير عن جابر ويروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس وغيرها


والليث مصنف بل له مذهب فقهي


ومن أصحاب الثنائيات ابن أبي نجيح تلميذ مجاهد وله تفسير يثنون عليه


ومن أصحاب الثنائيات الأوزاعي الإمام الشامي وهو سمع الزهري وقتادة ويروي عن شداد أبي عمار عن واثلة وله غيرها فيما أظن


وله كتاب السير ولأبي يوسف صاحب الرأي رد عليه


ومن أصحاب الثنائيات الإمام حماد بن سلمة فهو سمع ثابتا الراوي عن أنس وسمع حميداً وسمع قتادة وغيرهم ممن يصل للصحابة بواحد فيما أظن وحماد بن سلمة وقد ذكروا أن حماد بن سلمة له مصنف وهو وإن فقد إلا أن أحاديث حماد بن سلمة فاشية في الكتب وهو على سمت من ذكرنا لا يكاد أحد يستطيع الانفراد عنه بحديث مرفوع متصل وهو بصري


ومن أصحاب الثنائيات محمد بن إسحاق صاحب السيرة وسيرته معتمدة وقد تتملذ على الزهري وقد أثنى الزهري عليه في السيرة ويروي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة وعن مكحول الشامي الذي سمع بعض الصحابة وغيرهم ممن يثني الراوي عنهم


ومن أصحاب الثنائيات المصنفين سفيان بن عيينة وهذا سمع من الزهري وسمع من عبد الله بن دينار وسمع عمرو بن دينار ومن محارب بن دثار وكلهم سمعوا الصحابة وسفيان هذا أكثر المذكورين تلاميذا لأنه طال به العمر حتى أنك لا تجد حديثاً مرفوعاً يروى متصلاً من طريقه إلا ويرويه جمع من الأئمة فقد تتلمذ عليه أحمد والشافعي وإسحاق والحميدي وابن المديني وغيرهم


ومن أصحاب الثنائيات شعبة بن الحجاج وقد جمع حديثه في أجزاء وله من جمعه هو وهو قرين سفيان يشركه في كثير من الثنائيات التي ذكرناها عن سفيان الثوري وينفرد عنه بأمور


ومن أصحاب الثنائيات عبد الله بن المبارك تتلمذ على حميد وداود بن قيس الفراء وعبد الله بن محمد بن عقيل وسليمان التيمي وعاصم الأحول وعكرمة بن عمار ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم ممن سمع بعض الصحابة وابن المبارك له مسند وكتاب في الجهاد وكتاب في الزهد وكتاب في الصلة كلها مطبوعة وموجودة


ومن أصحاب الثنائيات إبراهيم بن طهمان الذي أدرك فتنة الجهمية وكتب عليهم فقد سمع من سماك بن حرب وسماك سمع جابر بن سمرة والنعمان بن بشير


وهنا وقفة : عامة أصحاب الثنائيات أئمة معروفين وتواترت عنهم الرواية بل منهم أئمة في الفقه لهم مذاهب وهم مالك وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي أو على الأقل أئمة مشاهير وهناك أصحاب ثنائيات صنفوا كيزيد بن هارون وأضرابه ما ذكرتهم اختصاراً


والحسن بن صالح كان من أصحاب الثنائيات ولكن قلت الرواية عنه بسبب بدعته ومع ذلك له مذهب وشهرة


ويلاحظ أن معظمهم اتفق الناس على تعديلهم ولا يشركهم غيرهم في الرواية إلا ويوافقهم وأنهم ممتدون على أمصار مختلفة فمنهم المصري ومنهم المكي ومنهم المدني ومنهم الكوفي ومنهم البصري ومنهم الواسطي ومنهم الشامي فالتواطؤ غاية في البعد وجمعوا الأخبار ودونوها وانتشرت كتبهم بين الناس فلو أن البخاري نظر في كتب هؤلاء فقط واستخرج عليها بمعنى روى أخبارهم بأسانيده لتحصل له بسهولة جزء كبير من الصحيح خصوصاً وأن اخبارهم على تقتصر على الثنائيات بل لهم ثلاثيات ورباعيات ولهم روايات لفتاوى الصحابة والتابعين التي تعضد الأخبار ، وحتى أهل الرأي أبي حنيفة وأصحابه مع شدة خلافهم مع أهل الحديث ما كانوا يطعنون عليهم في الرواية والفرق الأخرى التي ظهرت لاحقاً كالزيدية والرافضة ليس عندهم منهج حديثي دقيق ولا رواية على وزن رواية أهل السنة أو الوقت المبكر لتدوينها ومع ذلك معظم أحاديثهم يأخذونها من كتب أهل السنة ويذكرونها بأسانيدهم التي يخترعونها ويقحمون أئمتهم بها حتى إنك لتجد المعتزلي القح كالزمخسري يصنف في التفسير فإذا جاء للمأثور ذكر أخبار أهل السنة ولا يسند من طريق أصحابه المعتزلة إذ لا معرفة لهم بالحديث ولا عناية لهم بطلبه


فكيف إذا علمت أنه قد جاء مصنفون جمعوا حديث هؤلاء وزادوا عليه في مصنفات كبيرة


فمنهم عبد الرزاق فقد تتلمذ على مالك والثوري وابن عيينة ومعمر وابن جريج وغيرهم وجمع حديثهم في مصنفه المشهور


ومنهم تلاميذ ابن عيينة كالحميدي وأحمد وإسحاق وغيرهم


ومنهم من تتلمذ على مالك وابن عيينة ونظرائهم كالشافعي


ومنهم من تتملذ على مالك وشعبة وسفيان وغيرهم كعلي بن الجعد ( وهو شيخ مباشر للبخاري )


وكثر التصنيف في هذه الطبقة جداً بما لم يمكن حصره بسهولة


وكان يكفي البخاري النظر في مسند شيخه أحمد وشيخه إسحاق وشيخه الحميدي ليجمع عامة مادة الصحيح فكيف وهو له رحلته وله اطلاعه الواسع على كتب غيرهم وله معرفته بالعلل التي أخذها عن ابن المديني


وقد حفظ البخاري كتب ابن المبارك وهو صغير وكل من نظر في تصانيف البخاري علم أن الصحيح لا يمثل إلا جزءاً من محفوظاته الواسعة وأنه الابداع كان في الترتيب والانتقاء وإلا فعامة المسانيد التي صنفها شيوخه والمصنفات التي صنفها شيوخه وشيوخ شيوخه أكبر من كتابه الصحيح بكثير


وليعلم أن الكتاب المقدس مع هذا يحلف عليه أعضاء الكونغرس وغيرهم ومع ذلك يخالفونه كما يحلف الزنادقة عندنا على الحفاظ على الدستور يحلفون بالله على مخالفة شرعه


فالكتاب المقدس فيه رجم اللوطي وتحريم الزنا والجهاد وحد الردة وحرمة الخنزير وغيرها من الأمور التي ينكرونها على المسلمين فحسب ! وعلى تراثهم فحسب وهم يحلفون في المحاكم على كتاب فيه هذا ! أو يحلفون بإله كتابه الذين بين أيديهم فيه هذا فهم باختصار لا يريدون للإله أن يحكم في الحياة التي منحهم إياها !، واعجب ممن يصدق أن الطيور أصلها ديناصورات نبت ريش بعد الحراشف وأن كلنا كنا أسماكاً وأننا أبناء عمومة مع الشمبانزي وأن الحوت أصله دب والعجيب كل ذلك قاعدته الطفرات التي هي شيء نادر والأصل فيها أنها ضارة وليست نافعة ثم يكذب بالأحاديث الثابتة التي صححها الأئمة وقبلوها وأفتوا بها كأحاديث الرجم والردة وغيرها وكلها لا تخريجات علمية وعقلية معروفة وهي من المشتركات بين عامة الأديان فسبحان الله


هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه أبو جعفر الخليفي



- See more at: مدونة أبي جعفر عبد الله بن فهد الخليفي