قال تعالى في سورة البقرة :حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238)
قال في تفسير المنار :
إِنَّ إِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ هُمَا أَعْظَمُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ ، فَالصَّلَاةُ هِيَ الرُّكْنُ الرَّكِينُ لِصَلَاحِ النُّفُوسِ ، وَالزَّكَاةُ هِيَ الرُّكْنُ الرَّكِينُ لِصَلَاحِ الِاجْتِمَاعِ ، فَإِذَا هُدِمَا فَلَا إِسْلَامَ فِي الدَّوْلَةِ .
مَاذَا كَانَ مِنْ أَثَرِ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالتَّهَاوُنِ بِالدِّينِ فِي الْمُدُنِ وَالْقُرَى وَالْمَزَارِعِ ؟ كَانَ مِنْ أَثَرِهِ فِي الْمُدُنِ فُشُوُّ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ ، تَجِدُ حَانَاتِ الْخَمْرِ وَمَوَاخِيرَ الْفُجُورِ وَالرَّقْصِ وَبُيُوتَ الْقِمَارِ غَاصَّةً بِخَاصَّةِ النَّاسِ وَعَامَّتِهِمْ حَتَّى فِي لَيَالِي رَمَضَانَ ، لَيَالِي الذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ ، وَعَبَدَ النَّاسُ الْمَالَ ، لَا يُبَالُونَ أَجَاءَ مِنْ حَرَامٍ أَمْ مِنْ حَلَالٍ ، وَانْقَبَضَتِ الْأَيْدِي عَنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ ، وَانْبَسَطَتْ فِي أَفْعَالِ الشَّرِّ ، وَزَالَ التَّعَاطُفُ وَالتَّرَاحُمُ ، وَقَلَّتِ الثِّقَةُ مِنْ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ، فَلَا يَكَادُ يَثِقُ الْمُسْلِمُ إِلَّا بِالْأَجْنَبِيِّ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ الْأَخْلَاقِ وَقُبْحِ الْفِعَالِ فِي الْأَفْرَادِ ، وَأَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ انْحِلَالُ الرَّوَابِطِ الْمِلِّيَّةِ ، بَلْ تَقَطُّعُ أَكْثَرِهَا ، حَتَّى كَادَتِ الْأُمَّةُ تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا أُمَّةً حَقِيقِيَّةً مُتَكَافِلَةً بِالْمَصَالِحِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي تَحْفَظُ وَحْدَتَهَا .
الْمُحَافِظُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ الْفُضْلَى يَنْتَهِي عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ، فَلَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بُيُوتِ الْقِمَارِ وَمَعَاهِدِ اللهْوِ وَالْفِسْقِ .
الْمُحَافِظَ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ لَا يَمْنَعُ الْمَاعُونَ ، بَلْ يَبْذُلُ مَعُونَتَهُ وَرِفْدَهُ لِمَنْ يَرَاهُ مُسْتَحِقًّا لَهُمَا .
الْمُحَافِظُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ لَا يُخْلِفُ وَلَا يَلْوِي فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا فَرَضَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، أَوِ الْتَزَمَهُ بِرًّا بِغَيْرِهِ ، كَالِاشْتِرَاكِ فِي الْجَمْعِيَّاتِ الْخَيْرِيَّةِ .
الْمُحَافِظُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ لَا يُضِيعُ حُقُوقَ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ ، وَلَا حُقُوقَ أَقَارِبِهِ وَجِيرَانِهِ ، وَلَا حُقُوقَ مُعَامِلِيهِ وَإِخْوَانِهِ .
الْمُحَافِظُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ يُعَظِّمُ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ ، وَيَحْتَقِرُ الْبَاطِلَ وَجُنْدَهُ ، فَلَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ وَلَا لِأُمَّتِهِ بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ ، وَلَا يَغْتَرُّ بِأَهْلِ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ .
الْمُحَافِظُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ لَا تُجْزِعُهُ النَّوَائِبُ ، وَلَا تَفُلُّ غِرَارَ عَزْمِهِ الْمَصَائِبُ ، وَلَا تُبْطِرُهُ النِّعَمُ ، وَلَا تَقْطَعُ رَجَاءَهُ النِّقَمُ ، وَلَا تَعْبَثُ بِهِ الْخُرَافَاتُ وَالْأَوْهَامُ ، وَلَا تَطِيرُ بِهِ رِيَاحُ الْأَمَانِيِّ وَالْأَحْلَامِ ، فَهُوَ الْإِنْسَانُ الْكَامِلُ الَّذِي يُؤْمَنُ شَرُّهُ ، وَيُرْجَى فِي النَّاسِ خَيْرُهُ ، وَلَوْ أَنَّ فِينَا طَائِفَةً مِنَ الْمُصَلِّينَ الْخَاشِعِينَ لَأَقَمْنَا بِهِمُ الْحُجَّةَ عَلَى الْمَارِقِينَ وَالْمُرْتَابِينَ . وَلَكِنَّ الْمُحَافِظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى مَعَ الْقُنُوتِ وَالْخُشُوعِ قَدْ صَارَ أَنْدَرَ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ ، وَمَنْ عَرَفَهُ لَا يُصَدِّقُ أَنَّ لِلصَّلَاةِ يَدًا فِي آدَابِهِ الْعَالِيَةِ ، وَاسْتِقَامَتِهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ .