ظهرت في الآونة الأخيرة مُجازفات خطيرة في الصحافة ممن وَصفوا أنفسهم بالكُتَّاب والمفكِّرين والمحرِّرين .

المجازفات نوعان : مُجازفات عقدية ،ومجازفات إجتماعية .


واليوم في بلاد الحرمين من المؤلم أن تزداد هذه المجازفات في الصحف اليومية ، مما جعل الصحافة تغضُّ الطرف أحياناً عن عظائمها وطاماتها ، والسكوت علامة الرضا ! .


قبل أسابيع قرأتُ في جريدة رسمية لبعض الكُتَّاب :أن بلاد نجد ليس صحيحاً ما يُشاع عنها أنه كانت فيها قِباب وشرك ومشركون وأوثان ! .
وهذا القول الخطير يستلزم أن الدعوة الإصلاحية كذب وهراء ! .
وفي صحيفة رسمية أيضاً قرأتُ كتابات عن تسفيه الدُّعاة والمصلحين ورميهم بتهم ثقيلة على أهل الأدب ! .

وهاتان المجازفتان تُوجبان حكما شرعياً لوجود الوصف فيهما ، وهما واقعتان بدليل الطرد الذي يُعرف عند الأُصوليين بصحة العلة التي يدور معها الحكم .

ولعل السبب – والله أعلم – في هذه الجرأة على ثوابت الدِّين والمجتمع واستسهال قذف المؤمنات وشتم الناس بأقذع الألفاظ ، هو رخص الإيمان في القلوب وصغره في ضمائرهم ووجدانهم . وقد يكون لبريق الشُّهرة دور في ذلك .
فكثير من الناس اليوم أفسدت الحضارة صدورهم ، فلا أثر للإيمان ولا أثر للتقوى ولا للورع في نفوسهم ، إلا من رحم الله تعالى .


قبل أيام توقفتُ متأمِّلًا عند رواية عن الإمامين مالك( ت: 179 هـ) وأحمد ( ت: 241هـ)رحمهما الله تعالى في مسألة حدِّ الخمر ، حيثُ قالا :” يجوز إقامة الحدِّ على من ظهرت منه رائحة الخمر ،وأصبحت عادة معروفة عنه ” .
وبغضِّ النظر عن ضعف هذه الرواية أو قوتها من حيث الدلالة ، إلا أنها تُشير إلى احتراز السلف عن الوقوع في المآثم والموبقات ، ووجوب الأخذ على أيدي العابثين بثوابت الدِّين والمجتمع .


فكيف لو اطَّلع السلف الصالح على صحفنا اليوم وما في بعضها من بلاء وفساد ؟! .
سموم كُتَّاب الصحف التي تلقى رواجاً اليوم سواء على تويتر أو على أعمدة الصحيفة نفسها ، يُراد منها تسويق بضاعة خبيثة بعلم أو بجهل لهدفين :

الأول : جذب جماهير من القُرَّاء لتسويق العدد المنشور
الثاني : التصادم مع الشريحة المؤمنة التي تُنكر المنكر .

هناك مساحة من الحرية يستطيع قلم الكاتب أن يستمتع بها إذا أراد الكتابة بطلاقة . لكن لا يجب نقد المسلَّمات الشرعية التي وردت بها نصوص شرعية محكمة .
بعض الصحفيين لو إغتبت أهله أو لمزت طريقة عيشه غضب وزمجر وأقام الدنيا . لكن عند لمز الدِّين ومُسلَّمات الدِّين تموت الغيرة والنخوة ! . وهذا دليل يُستدلُّ به عليهم ويُسمَّى عند الأصولييِّن بالعلم الضروري .

بعد تفكير عميق في هذا الأمر وجدتُ أن السبب في استطالة هذه المجازفات ، هو ضعف الرقابة على الإعلام ، وربما فساد الوسط الإعلامي نفسه ، وترك الميدان له ليمارس حريته لإرضاء جمعيات حقوق الإنسان .


بعض الصحفيين يتدرَّع بسلاح اللغة عند الكتابة والتحرير ، فلو كتب مثلا لفظة ( دعارة ) ووضعها في سِّياق شتم أو قدح لمجتمع أو فئة ، فإنه يستطيع الإفلات من العقاب الشرعي بزعم أن هذه اللفظة لها معاني عديدة ، وأنه لم يقصد بها المعنى الذي توهَّمه الناس ! .


ومن الطرائف في هذا الباب أن عمر بن الخطاب (ت: 23هـ ) مع علمه بالشعر ونقده له استشار حسان بن ثابت (ت: 40هـ ) لمعرفة ما إذا كان الحُطيئة ( ت: 30هـ ) قد هجا الزُّبرقان (ت: 45هـ ) أم مدحه في الأبيات التي منها: “دع المكارم لا ترحل لبُغيتها ، وأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ! .


ففي أبيات هذه القصيدة القوية يلتبس الشتم بالمدح، إذ يُروى أن الزُّبرقان شكا الحُطيئة إلى عمر بن الخطاب بسبب تلك الأبيات ، فقال عُمر: ما في ذلك هجاء ؟ فقال الزبرقان: يا أمير المؤمنين إنه عرّاني عما ابتنيته من المعالي، فلما حكّم الخليفة الشاعر حسان بن ثابت بينهما قال حسان لابن الخطاب : ما هجاه، ولكنه سلح عليه ! .


ومن نوادر الأصمعي( ت: 211هـ ) قوله في شرح بيت من الشعر: خاط لي زيدٌ قباء ليت عينيه سواء . فقد فسره فقال : كنت أسير في أحد شوارع الكوفة فإذا بأعرابي يحمل قطعة من القماش، فسألني أن أدلًّه على خياطٍ قريب، فأخذته إلى خياط يُدعى زيداً، وكان أعور، فقال الخياط: والله لأخيطنه خياطة لا تدري أقباءٌ هو أم دراج، فقال الأعرابي: والله لأقولن شعراً لا تدري أمدحٌ أم هجاء، فلما أتم الخياط الثوب أخذه الأعرابي ولم يعرف هل يلبسه على أنه قباء أم دراج، فقال في الخياط البيت السابق .


في تقديري أنه يجب على الحاكم وضع لجان مشرفة على الصحافة المحلية وتكون هذه الِّلجان مؤهلة من تربويين في الشريعة والأدب واللغة والقانون لتحكيم المقالات وتغريدات الصحفيين .
يجب تفقيه الصحفييِّن بضرورة تقدير الثوابت الدينية والوعي بأحكام الحدود والردة ، وأن كل شي له حدٌّ يجب الوقوف عنده . فلا نأمل منهم إلا طاعةٌ وقول معروف .


من خوارم المرؤة مخالفة العدالة في الكتابة ، وملاسنة أصحاب الإستقامة ، ولمز الإسلام وأهله بسوء .
نحن لا نطلب من الصحفيين أن يكونوا علماء في الفقه أو الشريعة ، ولا نطلب منهم أن يعفوا لحاهم ويتشبَّهوا بالصالحين ، مع أن هذا شرف لهم ، إنما نطلب منهم أن يكون للإيمان قيمة في ضمائرهم وفي أقلامهم وفي صُحفهم .

من الخطأ أن لا يكون للصحفيين دورات شرعية تربوية قصيرة ، فبعضهم يحبون الخير لكن أعمتهم الصحافة بما فيها من نماذج فاسدة ، وبعضهم درجوا في بيئةٍ لم يجدوا فيها المعين على الفلاح والصلاح .


ومن الخطأ في نظري عدم إحتواء الصحفيين ومشاركتهم في لقاءاتهم وندواتهم ، أو دعوتهم للمحافل الشرعية ، مما زاد الفجوة بينهم وبين أهل العلم والفقه .
وقد تواتر أن الإمام ابن تيمية ( ت: 728هـ ) تعالى كان يلهج ببعض شعر المتنبي ( ت: 354هـ ) الشاعر الذي قاله في ممدوحه ، مع أنه كان يُنكر عليه بعض الغلو في شعره . فقد كان في سجوده يُردِّد قول المتنبي :
يا من ألوذُ به فيما ُأؤمِّله
ومن أعوذُ به مما أُحاذره
لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره
ولا يهيضون عظماً أنت جابره .


والمقصود أن مجازفات الصحفييِّن بلاء وداء ، نحن من تسبَّب فيه ونحن بأيدينا تطهيره وعلاجه وحسمه .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )
مُجازفات كاتب صحفي | مدونة المتوقِّد