الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد:


فقد انتشر بين النّاس الحديث في بعض المسائل المسمات بمسائل ما وراء الطبيعة، ومن هذه المسائل مسألة: هل يوجد كائنات فضائيّة عاقلة؟

وهذه محالة للإجابة على هذا السؤال:

قال تعالى: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) [الشورى: 5] أي: يستغفرون للمؤمنين من البشر والجنّ ممن هو ممكن حصول المعصيّة والخطأ منهم لعدم عصمتهم، فينتفي بهذا وجود مؤمن عاقل غير معصوم يعيش خارج الأرض لأنّ الملائكة ممنوعة من الإستغفار لغير المؤمنين، فخُص إستغفارهم لأهل الأرض ميّتهم وحيّهم دون غيرهم لأنّ المغفرة لا تكون لغيرهم إمّا لعدم إستحقاق كالكفّار أو لعدم الحاجة إليها كالملائكة.
فإن قيل فماذا لو كانوا ولكن على الكفر، ولذلك لا تستغفر لهم الملائكة؟
لو كان وجود عاقل كافر من غير الأرض لجاز حصول الفتنة به ولأمرنا الله عزّ وجل بالتعوّذ منه ولما حصر الأمم التي تدخل النار في الإنس والجن، قال تعالى: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) [الأعراف: 38] فحصر الداخلين للنار بالجن والإنس ولو كان غيرهم وجاز حصول الكفر منهم لذكرهم سبحانه في الداخلين لإستحقاقهم العذاب.
وفي تحدّي الله للإنس والجنّ بأنّ يأتوا بمثل هذا القرآن لبيان عجز غير الله عن الإتيان بمثله دون ذكر غيرهما ممن يصلح منهم التحدّي بيان لعدم وجود غيرهما ولو كان موجودا لتحداه الله مع من تحداهم، وإلا عُدّ التحدّي ناقصًا فلا يأتي بمُراده فيُقال بوجود من هو أهل لذلك، ولم يذكر سبحانه الملائكة لأنّ الملائكة لا يصلح منها تحدٍ لأنّها لا تفعل شيءًا إلا بأمر الله وخُلقت ليستحيل منها وقوع العداوة لله.
قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) [الإسراء:88]

وحصر الله عزّ وجل أعداء الأنبياء في الإنس والجنّ لأنّه لا يُتصوّر عداوة من غيرهما إمّا لإيمانه كالملائكة أو لكونه غير عاقل كالحيوان والجماد، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) [الأنعام: 112]

وهذا كافٍ لنعلم إنتفاء وجود مخلوق عاقل ساكن للسماوات من غير الملائكة، فكيف إذا علمنا مقدار المباينة بين مدّة خلق الله للأرض وتجهيزها وبين مدّة خلقه سبحانه للسماوات، قال جلّ في عُلاه: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) [فصلت 9 -12] إضافة إلى تمييز الله للأرض عن السماء وجودا وكيانًا بل وميّز السماء الدّنيا (ما يلى الأرض مُحيطًا بها) عن غيرها من السماوات بالزينة والحفظ.
والله عزّ وجلّ قد خصّ في ملك الناس بما هو في الأرض دون السماء : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)
[البقرة 29] أي أنّ ما في الأرض خُلق جميعه لكم لا غيره.

بل وجعل الله الأرض مستقرا ومتاعا للإنس والجن دون غيرها كما في قوله عزّ وجلّ: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) [البقرة 36] ولو صح وجود مكان غيرها يصلح أن يكون مستقرا ومتاعا للإنس والجن لذكره الله عزّ وجلّ، وبخاصة الجن الذين علمنا ذهابهم في السماء عميقا واتخذوا مقاعد للسمع فيها، فإن لم يصلح للجن مستقرٌ غير الأرض مع مالهم من قدرات لن يصلح لمن هو دونهم قوّة. ويؤكد ذلك أيضا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) [البقرة 168] فأمر بالأكل مما في الأرض دون غيرها.

بل إنّ التمييز بين السماوات والأرض عند التكوين دليل إخصاص الأرض بأوصاف قد خلت في السماوات، أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) [الأنبياء 30] وذكر الماء والحياة هنا صفة تمييزيّة للأرض دون السماء، ودليل التميّز هو شمول الكلام لكل حيّ، فإن قلت لكل حيّ في السماوات والأرض لزم دخول الملائكة في هذا الشمول، وقد علمنا عدم حاجة الملائكة للماء والغذاء، فلزم التخصيص هنا فيصبح معنى الكلام هو "كلّ شيء حيّ في الأرض".
وقد منّ الله عزّ وجلّ النّاس بأن جعل لهم الأرض فراشا وجعل السماء بناءً الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) [البقرة 22] فالسماء بالنسبة للناس متاع مكمّل لمتاع الأرض لا يصلح الاستمتاع به اكتفاءً.
وحصر الله التكليف بالعبادة في الثقلين دون غيرهما: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)[الذاريات 56]
وأرسل سُبحانه خير خلقه عليه الصلاة والسلام ليكون رحمة للعالمين، فنال من رحمته الإنس والجن دون غيرهما ممن يَحسُن منه تفكير، فلم يُعلم عنه عليه الصلاة والسلام دعوة لغير هذين الجنسين.

فإذا إتضح أنّ في الأمر مُباينة في التكوين والخلق بين المواطن، وحصر للاستقرار والاستمتاع والدعوة والإنذار وحصرٌ للغاية من الخلق والتكليف، وحصر لموطن الإستغفار والرسالة، تبيّن عدم وجود ما يسمى بالمخلوقات الفضائية العاقلة.

أما استدلال البعض بما جاء عن ابن عباس أنه قال: اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطَّلَاق 12]. قال: "سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى." فلا حجّة فيه، فمن صحّح اسناده حكم بشذوذ متنه، وإن كان الأرجح ضعف الإسناد، قال العلامة المعلمي اليماني: "ليس سنده صحيحا، لأنه من طريق شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس، وشريك يخطئ كثيراً ويدلس، وعطاء بن السائب اختلط قبل موته بمدة، وسماع شريك منه بعد الاختلاط". (الأنوار الكاشفة ص 127).
بل هو مخالف لظاهر القرآن، قال عزّ وجلّ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28) [سبأ 28] فكيف يكون النبيّ صلى الله عليه وسلّم مرسلا لكافة النّاس ويوجد غيرهم في غير هذه الأرض؟

وأما استدلالهم بوجود سبعة أراضين، فلا يعني أيضا وجود كائنات عاقلة في باقي الأراضين، على أنّ القول بأنّ الأراضين السبع مشابهة لأرضنا فيه خلاف، والظاهر والله أعلم أنّه ليس المقصود بـ"وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ" وجود سبع أراض مثل الأرض عامة، بل وجود سبع أراض تنتمي إلى الأرض، فـ "من" هي للتبعيض لا غير، ولذلك لم يقل "وسبع أراضين"، فغاير الأسلوب للدلالة على مغايرة المقصود، فالأولى سبع في العدد والثانية سبع في القسائم، فكل أرض قسيمة ستة أخرى لتشكلّ في مجموعها أرضنا.
أما الاستشهاد بورود آلاف المشاهدات والشهادات فلا دليل فيه، فقد خلت الأزمان من غير زماننا من مثل هذه المشاهدات، وكمثال على ذلك فمع عظم تراثنا الإسلامي فلا أعلم أحدا أثبت رؤيةً أوشهادةً كتلك.

والقول بوجود هذه الكائنات تأصيل ماسوني، لما يسمى بأسطورة الأنوناكي، ونظريّة التطوّر، ولعلي أتحدّث عن هذا في غير هذا

الموضع.

والله أعلم.