سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) (سورة الإسراء 1)

"سُبحان": "مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ: "أُسَبِّحُ اللَّهَ سُبْحَانًا"; أَيْ: "تَسْبِيحًا". وَالتَّسْبِيحُ: الْإِبْعَادُ عَنِ السُّوءِ. وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرْعِ: التَّنْزِيهُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ وَكَمَالِهِ." [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن]
فالتسبيح: تنزيه الله ومحاشاته عن كلّ ما لا يليق به سبحانه وبكماله، أي: تنزيه الله تعالى عن كلّ ما هو عيب وعجز في حقّه ومحاشاته عن كلّ ما هو نقص وسوءٌ في حقّه؛ في أسمائه وصفاته وفي أفعاله وتصريفاته.
فعُدل عن "من كل عيب" إلى "عن كلّ ما هو عيب في حقّه" لأجل أنّ ما هو عيب في حقّ البعض يمكن أنّ يكون حُسنا في حقّ آخر، كفعل المكر مثلا عيب من الأفعال في حقّ الناس، حُسنٌ في حقّ الله، لأنّ مكر النّاس قد يكون فيه تحقيق باطلٍ ومكر الله فيه تحقيق عدلٍ؛ وكالتكبُّر من الأوصاف فهو نقصٌ في حق الخلق لعدم وُجود الاستحقاق الذاتي، وكمالٌ في حقِ الخالقِ لوُجود الاستحقاق الذاتي؛ ومثال ما هو عيب في حق الله حمد في حق غيره: الافتقار إلى الغير، فهو بالنسبة لله عيبٌ ولغيره مرهون بالمُفتقر إليه، فإن كان الافتقار إلى الخالق كان حمدا وإلا كان عيبا، لأجل مساواة الخلق في ذلك، ومثال ما هو نقص في حق الله كمال في بعض خلقه: الولادة، فهي في حقّ الله نقص، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) [الإخلاص: ٣ - ٤]، وهي في حقّ النّاس كمال لأجل استمرار وجودهم.
ومثال ما ليس عيب في خلقٍ دون آخرين، ما كان قيامه مرهون ببعض الخاصة لأجل خاصّة فيهم، كالإفتاء، فهو مرهون بأهل العلم بالدين دون غيرهم، لأجل اختصاصهم بالعلم بالدين دون البقّية، فهو في حقّهم حمد وفي حق غيرهم عيب.
- سبب الافتتاح بالتسبيح هو استباق الردّ على المُكذّب قبل تكذيبه، ومُشاركة المؤمن في التسبيح قبل ذهوله، إضافةً إلى بيان عِظم ما يأتي بعدها، فوضع فعل للدلالة على عظيم في موضع تعظيم دليل على عِظم ذاك الفعل.
- أصل التسبيح من السبْح وهو الذهاب والإبعاد، فتسبيح الله إبعاده عن النقائص والعيوب، وتسبُّح الله هو ابتعاده عن العيوب والنقائص.
- التسبيح لا يكون إلا لله تعالى لأنّه يُعبّر عن غاية التنزيه لبيان غاية الكمال، ولذلك لا يجوز صرف التسبيح لغير الله.[تفسير العز بن عبد السلام: (ص: 584)]
- ينزل "سُبحان" منزلة الفعل فيسدّ مسدّه، ويُلغى تأثير الزمن فيه.
- بدءُ الكلام بالتسبيح تنبيه على أمرٍ عظيمٍ لا يقدر عليه غير الله عزّ وجلّ، وذلك أنّ الإسراء والمعراج آيتان عظيمتان في نفسيهما ما أخذت وقتًا عاديًا، فكيف ووقوعهما قد جرى في بعض ليل، فأعظم الآيات فيها إذا هو تحكمُ الله في الوقت مما لا قُدرة لغيره بذلك.
- التنزيه قسيم الثناء والتمجيد وحاصلهما التعظيم، فالتعظيم لا يكون إلا لمستحق الثناء والمنّزه عن العيوب والنقائص.
- عدل بـ"سُبْحان الذي" عن "تسبّح الذي" لألّا يُتوَهّم أنّ تنزّهه سبحانه عن النقص والعيب محدث أو عارض؛ ولجعل الفعل المقدر غير مُعيّن الزمن، فيكون التسبيح جاريًا ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً، أي: سبّحت وأسبّح وسأسبّح الله، بمعنى: أنّ في هذه الصيغة إطلاق للزمن، فإنّ أحقيّة الله بالتنزيه عن كلّ ما لا يليق به أحقيّة أزليّة.
- وفي الإتيان بهذه الصيغة أيضا إطلاقٌ للفاعل، بمعنى أنّ الله منزّه عن كل ما لا يليق به قبل وجود أي مخلوق وبعد وجود المخلوقات وبعد فنائهم.
- وللإتيان بلفظ "سُبحان" أثران:
1- بيان تنزيه: ومبدأه من المُسبِّح، وهو تنزيهك لله عن كلّ ما لا يليق به.
2- بيان تنزّه: ومبدأه من المُسبَّح، وهو تنَزُّه الله عن كلّ ما لا يليق به.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة [مجموع الفتاوى (16/125-126)]: "وَالْأَمْرُ بِتَسْبِيحِهِ يَقْتَضِي أَيْضًا تَنْزِيهَهُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَسُوءٍ وَإِثْبَاتَ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ. فَإِنَّ التَّسْبِيحَ يَقْتَضِي التَّنْزِيهَ وَالتَّعْظِيمَ وَالتَّعْظِيمَ يَسْتَلْزِمُ إثْبَاتَ الْمَحَامِدِ الَّتِي يُحْمَدُ عَلَيْهَا. فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَنْزِيهَهُ وَتَحْمِيدَهُ وَتَكْبِيرَهُ وَتَوْحِيدَهُ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي ثَنَا ابْنُ نفيل الْحَرَّانِي ثَنَا النَّضْرُ ابْنُ عَرَبِيٍّ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ مَيْمُونَ بْنَ مهران عَنْ " سُبْحَانَ اللَّهِ ". فَقَالَ: "اسْمٌ يُعَظَّمُ اللَّهُ بِهِ وَيُحَاشَى بِهِ مِنْ السُّوءِ". وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَة عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ "سُبْحَانَ" قَالَ: تَنْزِيهُ اللَّهِ نَفْسِهِ مِنْ السُّوءِ. وَعَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ قَالَ: عَجَبٌ. وَعَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: "سُبْحَانَ" اسْمٌ لَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ أَنْ يَنْتَحِلُوهُ؛ وَقَدْ جَاءَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "إنَّهُ تَنْزِيهُ نَفْسِهِ مِنْ السُّوءِ." وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ وَهُوَ يَقْتَضِي تَنْزِيهَ نَفْسِهِ مِنْ فِعْلِ السَّيِّئَاتِ كَمَا يَقْتَضِي تَنْزِيهَهُ عَنْ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ. وَنَفْيُ النَّقَائِصِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَفِيهَا التَّعْظِيمُ كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مهران "اسْمٌ يُعَظَّمُ اللَّهُ بِهِ وَيُحَاشَى بِهِ مِنْ السُّوءِ "." اهـ

والله أعلم
إعتماد محكم التنزيل
لتفسير آيات
إفسادَي بني إسرائيل