هذه المعرفة ضرورية لانك إذا اردت ان تكون "مواطناً" صالحاً ترضي الملك عنك عليك معرفة قانونه أولاً، للالتزام به ثانياً، والالتزام الطوعي خير من الكرهي حتى لو عرف القانون إجمالاً، والطوعي لا تناله إلا بمعرفة روح القانون، لانك إذا عرفته هكذا أنه حسن لا أحسن منه أطعت طواعيةً وحباً لا كرهاً، فالقدَرَ هو الخطة الموضوعة تقديراً وبحساب. اما السنة فهي المستلزمات الأخرى لاستيعاب الخطة وتنفيذ مراحلها.
العلاقة بينهما كالعلاقة بين المصطلحين العلميين - المشروع أو (الفكرة) والتصميم فالفكرة توضع أولاً ويتم اجراء حساباتها ثم يوضع التصميم الملائم للفكرة لكي يتم ايجادها فعلاً، فالتصميم الذي يخرج إلى حيز الوجود هو السنة. فالفكرة لا يمكن ان تلغى أو تبدل أو تحول - إذ إلغاؤها إلغاء لصاحبها - إلا إذا كان لديه خير منها - والذات المقدسة لا يزيد علمه ولا ينقص - لذا لا يمكن إلغاء أو تبديل القدر، إذ هو محال كاستحالة وجود شريك. اما التصميم فيمكن ان يبدل أو يحور ليلائم - (ذوق) - العاملين بالمشروع بعدما ظهرت نتائج تزعجهم خلال العمل، على سبيل المثال. والسنة مثل التصميم، لذا جرى الحديث في القرآن عن تبديل وتحويل السنة ولم يجر الحديث عن تبديل أو تحويل القدَرَ، لأن القدَرَ قانون ايجاد الخلق والسنة النظام الذي وضع فيه الخلق. ] سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً [الإسراء:77]. ] سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الأحزاب:62]. فهو قادر على ايجاد بديل لكنه لخلق آخر بنظام آخر - لنفس المشروع، الخليفة الذي سنوضح لك شيئا منه - لا يمكن التفكيك بين الخلق والنظام الموضوع، فلن تتبدل السنة إلا بتبدل الخلق نفسه لأنهما مرتبطان ربطاً وثيقاً. اما إذا اردت تغيير النظام لنفس هذا الخلق (فلن تجد) - لأن واضع النظام (المصٌمم) هو نفس صاحب المشروع (المقدٌر أو المخطط). وهذا قلما يحدث على مستوى البشر. إذ دائما يتبارى عدد كبير من المصممٌين لتنفيذ فكرة مشروع فيؤخذ بأعلاها في حساب (الجدوى). لكن هنا خالق الخلق نفسه بالفكرة اوجدهم بالفعل - فالسنة التي وضعها الله هي الأحسن لهذا الخلق الذي خلقه الله، وإذا حدث تبديل أو تحويل في السنة اضطرب وضع الخلق اضطراباً شديداَ، فالسنه إذن من الناحية النظرية يمكن تبديلها - لكنك لن تجد بديلاً من الناحية العملية ليلائم هذا الخلق. اما القدر فهو عين الفكرة الأولية وحساباتها فلا حديث حول تبديله أو تحويله على عمومه كمشروع لفكرة. نعم لكن يمكن بالقدْر توقيف أو إلغاء فقرات معينة من القدَرَ، لأن القدْر أمر خاص أعلى قوة من القدَرَ (بالتحريك).
السبب في أن ايجاد بديل أو تحويل للسنة لم يخاطب به سوى الرسول (ص):
وهنا أمر دقيق في غاية الدقة، يبرهن على ما ذكرناه من ان التحويل في السنة أو التبديل يستلزم تغيير الخلق بخلق آخر. أي ان لكل خلق سنته (نظامه). نفى القرآن في خمسة مواضع (ايجاد تحويل أو تبديل) في السنة من قبل النبي (ص) ولكنه لم ينف التحويل والتبديل نفسه من قبل الله. لماذا؟ لأن التحويل ليس محالاً بل يستلزم تبديل الخلق وحسب، وذلك مقدور لله. لذلك لم ينف تبديل الخلق، بل على العكس اثبت امكان التبديل: ] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [إبراهيم:19] [ بينما نفى ايجاد بديل للسنة من قبل الخلق. لأن المخلوق لا يضع سنته بنفسه. لكنك تلاحظ ان المواضع الخمسة لعدم ايجاد تبديل للسنه خوطب بها النبي (ص) وحده:
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الفتح : 23]
لَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً [فاطر : 43]
سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً [الإسراء : 77]
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الأحزاب : 62]
ففيها جميعاً نفى عن النبي (ص) احتمال الايجاد؟ لماذا؟ ذلك لأن التبديل والتحويل يستلزم تغيير الخلق ومن الواضح ان التبديل في الخلق يبدأ من الأسوء أو الادنى صعوداً االى الاعلى. فكأنه يقول لو تبدل الخلق كلهم وبقيت وحدك - فرغم فضلك ومحبتنا لك - وإذننا لك بالبحث عن سنة تلائمك فلن تجد رغم ذلك تبديلاً أو تحويلاً تراه أحسن من سنتنا أو (سنه الله)، وان لم تجد أنت فغيرك أولى بالسكوت. فتغيير الخلق كشرط لتغيير السنة وضع سراً في الخطاب (لن تجد) (لا تجدْ) وبنفس الطريق - لو وجَد النبي (ص) بديلاً للسنة لكان لخلق آخر غير هذا الخلق - خلق لا يستطيع هو اخراجه للوجود - فكأنّه لم يجد بديلاً وذلك لاستحالة التفكيك بين الخلق وسنته - لأن مصدرهما واحد بخلاف ما يفعله كل من سواه. اما السبب لهذا النفي فهو دفع العجلة لدى البعض لرؤية نتيجة (مشروع) الخليفة في الأرض وقد تحقق بسرعة ودفع مطالب آخرين لتغيير (النظام) مع أنهم يرفضون ان يبدلوا بخلق آخر.
الفرق بين التبديل والتحويل وسبب تقديم التبديل على التحويل في آية فاطر:
التبديل والتحويل واضحان فالأول تغيير تمام النظام والآخر تحويل في مساره عموماً أو في خط من خطوطه - أي أجزاء من السنن. فتغيير أجزاء من السنن معناه تحويل في السنة العامة. التبديل الكلي يستلزم تغيير الخلق، وإلاّ يحدث خلل وانحراف في المسار لا يعلم نتيجته إلا هو ومثله مثل رجل جاهل غاية الجهل يبدل تصميم آلة من أرقى الآلات زاعماً انها ستكون بكفاءة أعلى، ولا يبقى من التصميم الأول - الذي وضعه علماء مختصون شيئاً - النتيجة هي لن تكون هنا أية آلة أصلاً لتُحسب كفاءتها. والتحويل معناه اجراء تحوير في بعض الأجزاء على الآلة التي في هذا المثل. لكن لو كان للمصمم علماً إحاطياً، بفكرة الآلة وعملها وغايتها، فلن تجد بطبيعة الحال مجالاً لابداء افكارك حول تحوير جزء منها - فكيف إذا كنت لم تفتح أي جزء للآن بل لا تدرك تماماً كيف يعمل كل جزء؟ لكنك لو فعلت - فلن تحصل إلا على تأخير في العمل وزيادة مشاكل. إذن أي تحويل في سنه الله يؤخر مشروع (الخليفة في الأرض)، واي تبديل يلغي المشروع. لذلك كان التقديم للتبديل، فكأنه يقول لن تجد بديلاً لهذا النظام بل لن تجد حتى تحويلاً لمساره وغايته مع بقاءه. فحينما يتحدث عن جزء من السنن - عن قضيه محددة - ينفي ايجاد تحويل. كما في آية الإسراء. وحينما يتحدث عن القضية الكبرى - أي المشروع كله - ينفي ايجاد تبديل كما في آية الفتح. وحينما يتحدث عن القضية العامة من خلال تفاصيل لها صلة بأجزاء من السنن - أي حينما يجمع بينهما - يجمع في النفي بين التبديل والتحويل كما في فاطر. وحينما يتحدث عن قضية جزئية لكنها من المحال ان تقع إلا عند اكتمال المشروع ينفي بالطبع ايجاد تبديل - في موضع تحسبه موضع نفي التحويل ان لم تكن لديك قواعد أخرى للألفاظ تفك بها مواضع الالتباس كما في آية الأحزاب. فهذه هي مجموعة الاحتمالات، ذكرت في أربع سور بأربع آيات.
في العلاقة بين السنّة وأصل الخلق (الحمأ المسنون):
وذلك للاشتراك بين اللفظين (السنة) و(المسنون) إذ هما من أصل واحد لغةً. ولم يخطئ المفسرون بمعنى (الحمأ المسنون) - إذ زعموا انه الطين الاسود المنتن - خطأً فكرياً وعقائدياً وحسب بل اخطأوا خطأً لا يغتفر من حيث اللغة. إذ المسنون هو الموضوع في سنة وشرعة ومنهج من الأصل. ولا علاقة له بالمنتن إذ المفعول منه (متسنه) كما في قوله تعالى ] ٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة:259][. وهما فعلان منفصلان - سَنِهَ: تبدل وتغير فهو متسٌنه والآخر: سٌنَ يسَنٌُ فهو مسنون. وقد فصلنا القول في الألفاظ الاربعة في صلصال - حمأ - مسنون - فخاٌر في كتاب آخر وبرهنا على خطأ القوم لغةَ وقرآناً وعقلاً من جميع الوجوه فراجعه هناك. فالمخاطبون بعدم القدرة على ايجاد تحويل في السنة أو تبديل - هم انفسهم جزء من تلك السنة. والمنفعل بشيء لا يمكن ان يكون فاعلاً لذلك الشيء. فالآدمي - هو مسنون - فكيف يجد بديلاً للسنّة؟