• الواقع ان الروح لا علاقة له بالحياة (بالمعنى المتعارف) لكن اثبات ذلك يحتاج إلى مقدمات ومجموعة فصول ومحاولة لمعرفة أو تحديد معنى في الأقل للروح. وسنكتفي بدليل واحد، وهو: ان الموت نسب للنفس في القرآن، ولم يذكر شيء عن الروح قريباً من ذكر الموت. والنفس جُمعت في القرآن على (انفس) و(نفوس) بينما لم يجُمع الروح. فيُفهم من ذلك ان النفس ذات منفصلٌ متعدد والروح واحد متصل بالذات المقدسة لأن الموارد تنسب الروح إلى الذات المقدسة إلا مورد السؤال وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:85] ويُفهم من الاجابة أيضاً ]قل الروح من أمر ربي[ والموارد الأخرى ]روحنا[، ]روحاً من أمرنا[ ايدناه (بروح القدس) -]نزل بالروح الآمين[- والاختلاف بالتسمية منشأهُ ليس التعدد بل المقامات والتفاضل في القوة والقدرة مثل الماء القليل والكثير ومنبعه واحد. وهذا الاستنتاج مغاير بل معاكس لما اتفقوا عليه (وسمعته سماعاً من مختص) من ان الروح متعدد والنفس جنس واحد. ولا يستثنى من الموارد القرآنية إلا مورد الواقعة: ] تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الواقعة:87] [ إذ قالوا بعودة الضمير على الروح - وقد يعارض بقولنا: ان الضمير يعود إلى النفس لا الروح وفي القرآن ما يؤيده حيث الروح مذكر والنفس مؤنث. إذن فقد فصمت عرى العلاقة المشهورة بين الروح وحياة البدن. وتأكدت العلاقة بين النفس وحياة البدن. فلا حياة للبدن بغير نفس. ويؤكد ذلك: تقسيم المعصوم (ع) للنفوس، إذ عدٌ للحيوان نفساً، وللنبات نفساً، فربط بين النفس والحياة من جميع الجهات / أنظر النهج. فكون المجموعة من (الإنسان) التي أنتخب منها آدم كائنات حية لكن بلا روح هو أمر معقول بل مقبول. وقبوله في الربط ثالثاً بين الروح وحياة النفس: إذ عَدَّ القرآن الكافر ميتاً ] أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل:21] [، ] أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام:122][. فصار مقبولاً الآن ان يقال: الإنسان سبق آدم و (الإنسان كفور)، إذن فهو ميت - لكنه كائن حي - وموته هو في كونه نفسٌ ببدن حي لكن من غير روح فهو نفس (ميته) وبدن حي- ولكي تحيا النفس (كما برهناه من ان الموت والحياة للنفس في القرآن)- فلكي تحيا تلك النفس الميته في البدن الحي لابد من حصولها على الروح، ونقصد باحياءها الاحياء الابدي وحصولها على الروح حياة لها ولو مع فقدِ البدن أو موته. إذن نفخ الروح في الإنسان الأول المصطفى من مجموعة هو لاحياء نفسه لا لاحياء بدنه لأن بدنه حي. إذ قد سواه قبل النفخ. فلما صار حي النفس استحق السجود. الآن سقط عن الاعتبار ذلك التساؤل: كيف تعذب الروح في النار وهي من نفخ الذات المقدسة. لأن هذا التفسير يُنكر ان يكون للكافر روحاً حتى يسأل السائل عن عذابها؟! وقد يسأل عمنٌ يعذب قليلاً أو كثيراً على المعاصي ثم ينجو - فهو مؤمن وله روح؟: فيقال: قد تعذٌب النفس والبدن - برزخياً أو في الرجوع إلى الدنيا - كما برهناه حتى تكون قادرة على احتواء الروح بصورة دائمة - فإذا بلغ ذلك نجا - وإذا لم تبلغ ذلك بقيا ما بقي على ذلك الحال. فمن أجل ذلك اختلفوا في فترات العذاب. ثم انظر إلى ذكورة الروح وانوثة النفس. لأن النفس مزدوجة من الأصل ] وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:7-8] [ - واذن فعودة الضمير في (ترجعونها) في الواقعة إلى النفس هو المقبول لأن ذكورة الروح ظاهرة في قوله ]فتمثل لها[ ولم يقل فتمثلت. والمقصود كما هو معلوم (روحنا) فقولنا: ان الإنسان حي البدن ميت النفس لأنه كفار وكفور يؤيده لو تذكرت قوله: ] يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ [الإنفطار:6-8] [ فهذه التفاصيل تحكي بدناً حياً سوياً. ولم يذكر انه نفخ فيك من روحه - لأنه لا زال إنساناً - لم يصل مرحلة البشرية، بل هو مغرور بربه - يا أيها الإنسان ما غرك بربك - فهو هنا يدعوه ليرتقي كي ينفخ فيه الروح كما فعل بآدم. وأما المرويات فلدينا نص للأمام علي (ع) يؤكد ذلك إذ افاد وجود خمسة انواع للروح هي روح البدن وروح القوة وروح الشهوة وروح الإيمان وروح القدس. وحينما شرح النص طبيعة هذه الأرواح افاد ان الثلاثة الأولى عامة وهي قوى ارضية المنشأ لكل الخلق - بينما روح الإيمان خاصة بالمؤمنين وروح القدس خاصة بالرسل والأولياء - فنفهم من ذلك ان نفخ الروح في آدم يراد بها روح الإيمان فقط.

    والله أعلم