يُعدُّ كتاب المغني للإمام ابن قدامة ( ت: 620هـ ) تعالى من الكتب القيِّمة المُغنية للمكتبة الفقهية ، التى لا غِنى لطالب العلم عنها ، بل حتى العلماء والفقهاء والمجتهدون، وغيرهم من أهل الفُتيا والقضاء .


وكتاب المغني شرحٌ لمختصر الخِرقي( ت: 334ه) في الفِقه الحنبلي ، ويُعدُّ من المصنفات التي اعتنت بالدليل والتعليل والخلاف العالي والفقه المقارن .

وأثناء قرآءتي للكتاب – لتقوية الملكة الفقهية والأُصولية – في المرحلة الجامعية وبعدها ، وكذلك عند اشتغالي بالتدريس وجدتُ مواضع ومسائل بحاجة إلى التحرير والضبط والإستدراك ، ولم تكن هِمَّتي تتسنَّم إلى نشرها .


وقد جمعتُ نحو ثلاثين مسألة مما تيسر لي من تهميشات وتعليقات ومُسوَّدات على نسختي على كتاب المغني ، طبعة مكتبة الجمهورية والكليات الأزهرية .
وقد بيَّضتُها في وريقات خاصة ثم نقَّحتُها ورتبتُها . وقد حذفتُ أرقام الصفحات لعلمي بيسر الوصول للفائدة عن طريق فهارس المغني العامة .


وكان المقصد الأصلي منها مذاكرة العلم مع نفسي ومع أحبابي ، وكذلك مدارسة

هذه المسائل لتحريرها وضبطها في أوقات الفراغ . وقد تقرِّر عند الأصولييِّن أن الشريعة لم تُهمل مصلحةً قط. وعليه فليس المقصد الغضَّ من مكانة المغني ولا تخطئة منهجه ولا إنتقاص تحريره ، فهو شامة بين المصنفات الفقهية ومعلم من معالم التحرير ، إنما القصد مذاكرة العلم وتحرير مسائله .

وقد قرأ هذه المسائل بعض الفضلاء من المشتغلين بالعلم فاستحسنوها وطلبوا مني نشرها لإذاعة بركة العلم ، ولتكون دعوة لتجويد العلم وتحريره ، فأجبتُهم لذلك ، والله الهادي إلى سبيل الرشاد .


1- مسألة غسل بشرة الرأس : أورد فيها حديث عليِّ الذي أخرجه أبو داود وابن ماجة ، وقد رفعه إلى الرسول : ” من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها ، فُعل به كذا وكذا من النار ” . قال عليُّ : فمن ثم عاديتُ شعر رأسي وكان يجز شعره . قلت الصحيح وقفه على ” عليِّ ” كما قال ابن حجر تعالى .


2-مسألة مقدار ما يُجزىء في الغسل :
قال ابن قدامة تعالى : ” وقيل لا يُجزىء دون الصاع في الغسل والمُدّ في الوضوء ، والتقدير بهذا يدل على أنه لا يحصل الإجزاء بدونه” .
وقد استدل لها بحديث جابر مرفوعاً : ” يُجزىء من الوضوء المُدُّ ومن الجنابة الصاع ” أخرجه ابن خزيمة بسند صحيح . والصواب أن يُقيَّد ذلك بما قال ابن خريمة تعالى : ” فيه دلالة على أن توقيت المُدّ من الماء للوضوء أن ذلك يُجزىء ، لا أنه لا يجوز النقصان منه ولا الزيادة عليه ”


3-مسألة النية في الوضوء : قال تعالى :” النية من شرائط الطهارة للأحداث كلها ، لا يصح وضوء ولا غسل ولا تيمم إلا بها ” . الصواب أن يُقيَّد ذلك بأن النجاسة من أفعال التروك ، فتصح بغير نية .


4- مسألة التسمية عند الوضوء : أورد فيها حديث : ” لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ” ولم يرفعه للرسول بل قال روي أي بصيغة التمريض ، وقال بعده قال أحمد : ليس يثبت في هذا حديث أو إسناد جيد . قلت : قد أورد الحافط ابن حجر وابن أبي شيبة في نصب الراية والتلخيص الحبير أن للتسمية أصلاً ، ولا بُدَّ أن الرسول قد قالها. فلا يشرع هجرها .


5- مسألة السِّواك في نهار رمضان للصائم : أورد المسألة ولم يُرجِّح الجواز ولا الكراهة . والصواب : جواز استعمال السواك في النهار للصائم ، وهو اختيار ابن تيمية تعالى .


6- مسألة الإستياك عند الوضوء : أورد فيها مسألة الإستياك بالأصبع ولم يستدل لها . ودليلها : ما جاء في مسند أحمد بسند صحيح أن علياً رضي الله عنه دعى بماء فتوضأ ، فأدخل أصبعه في فيه ثم قال هكذا كان وضوء رسول الله .


7- مسألة سؤر الهرة : أورد فيها قول أبي حنيفة تعالى أنه كره الوضوء بسؤر الهرة ولم يتعقبه .
والصواب أنه طاهر ، وقول أبي حنيفة ضعيف بدليل حديث: “إنها ليست بنجس ” . ولم يذكر الشيخ دليل أبي حنيفة على نجاسة الهرة . ودليله القياس لأن لُعابها مُتولِّد من لحمها وهو نجس . وحجته أيضا ًحديث : ” الهرة سبع ” وإسناده ضعيف فلا يصح التعويل عليه .


8- كثير من الأحاديث الضعيفة يستدل بها ابن قدامة تعالى لتقوية قول بعض الحنابلة بها ، وقد يرويها بصيغة التمريض ، وقد يرويها صراحة ولا يُبيِّن ضعفها ، كحديث الحياض المشهور . وهو حديث أبي سعيد الخدري : “أن النبي سئل عن الحِياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحُمر ” قال ابن الجوزي : أجمعوا على ضعفه .
ولذلك أسباب منها : أن ابن قدامة يتورَّع عن الحكم على بعض الأحاديث ، أو أن لها أصلاً عنده ، أو أنه يستدل بها بنية الرجوع للبحث عن أسانيدها ، فلا يُسعفه الوقت لذلك .


9- مسألة رفع اليدين عند الركوع : روى فيها ما أخرجه الترمذي في مسنده عن ابن مسعود : ” ألا أصلي لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلَّى فلم يرفع يديه إلا مرةً واحدة ” . وقد تعقبها ابن قدامة بالردِّ والتضعيف ، لكن يزُاد على تقريره بأن ابن مسعود كان يحكي فِعلاً من الصلوات المنسوخة كالتطبيق في الركوع ، فليُحرَّر .


10-مسألة نصاب الذهب : أورد فيها حديث ابن عمر وعائشة : ” أن رسول الله كان يأخذ من كل عشرين ديناراً فصاعداً نصف دينار ،ومن الأربعين دينار ديناراً ديناراً ” أخرجه ابن ماجة . ولم يُعقِّب على إسناده على غير عادته في الحكم على الأحاديث . والحديث في إسناده مقال لكن له شواهد بعضها ضعيف وبعضها حسن .


11- مسألة تجاوز الميقات بغير إحرام : أورد فيها حديث ابن عباس مرفوعا : ” من نسي من نُسكه شيئاً أو تركه ، فليهرق دما ً ” الحديث في إسناده مقال كما حققه ابن حجر وابن حزم رحمهما الله تعالى .


12- مسألة إفراد يوم السبت بالصيام : اختار تعالى القول بالكراهة لحديث عبد الله بن بسر مرفوعاً . والمسألة خلافية بين المحقِّقين ، ومن أهل العلم من يرى أن الحديث منسوخ . والذي رجَّحه ابن تيمية تعالى الجواز .


13- مسألة تنفيل وتقسيم الغنائم : أورد فيها حديث أبي قتادة مرفوعاً : ” من قتل قتيلاً فله سلبه ” متفق عليه .
تعليقي : في العصر الحاضر ما يغنمه المجاهد من أسلحة أو سيارات أو مُتعلقات شخصية من العدو، فهذه حقٌ لمن غنمها من المجاهدين يقسمها الإمام بينهم بالخمس ، أو بحسب ما يرى المصلحة فيه ، وله أن يعطي من لم يجاهد شيئاً من ذلك لتطيِّيب نفسه ، لفعل رسول الله في كثير من غزواته .
أما ما يغنمه المجاهدون من الأموال العامة للكفار أو الأعداء ، مثل الدبابات والطائرات والسيارات الثقيلة، فلا يجوز التصرف فيها ولا الإستيلاء والتملك لها إلا برضى الإمام أو نائبه ، وتقسيمها يكون على حسب لمصلحة العامة للمسلمين ، كما رجَّحه الماوردي وابن تيمية والشوكاني تعالى .


14- مسألة أكل الضبِّ : أورد فيها قول أبي حنيفة تعالى : ” الضبُّ حرام ” . لكنه لم يُفصِّل سبب تحريمه . وسبب تحريمه أن أبا حنيفة يميل إلى التحريم- كما في سنن أبي داود – لأنه تمسك بأحاديث النهي التي يُفهم منها أن النهي مطلق ، بينما الحُفَّاظ من المحدِّثين جمعوا بين الأحاديث المحرِّمة والمُبيحة والمقرِّرة ،فقالوا بالجواز. وهذا ما قرَّره الحافط ابن حجر تعالى في الفتح .


15- مسألة أكل لحم الثعلب : أورد للإمام أحمد تعالى فيه روايتين ولم يرُجِّح . فالرواية المشهورة التحريم ، والرواية الُأخرى الجواز ، وبها قال الإمام الشافعي تعالى ، وبعض التابعين ،لأن النهي خاص بذوات الناب والسِّباع ، والثعلب ليس من السِّباع ، فيصير حكم أكله دائراً بين الجواز والكراهة . وهذا القول هو الراجح .


16- مسألة بيع العينة : أورد فيها الرواية المشهورة وهي في سنن الدارقطني والبيهقي ومصنف عبد الرزاق عن عائشة : ” بئس ما شريتَ وبئس ما اشتريتَ ” . قلت : عزاه ابن قدامة تعالى لأحمد ، وهو وهم ، فليست هذه الرواية في المسند ، إلا إذا كانت النسخة المطبوعة فيها سقط ، فَيُحتمل ، أما إن كان العزو لغير المسند من المسائل والروايات ، فلا غضاضة .


17- مسألة شركة الأبدان : أورد الخلاف فيها ، وذكر أن الشافعية قالوا ببطلانها وفسادها ، لحصول الغرر والضرر فيها . قلت في العصر الحاضر تُسمى شركة العمل أو التقبُّل ، وتقع بين أصحاب الحرف مثل المهندسين والأطباء ونحوهم. ودليل جوازها إقرار الرسول على صحة فِعل سعد بن أبي وقاص في شراكته مع عمَّار وابن مسعود .


18- مسألة تضمين الصُّناع : أورد فيها أثراً عن عليِّ :” أنه كان يُضمِّن الصباغ والصانع ، ويقول : لا يُصلح الناس إلا ذلك ” . قلت : الأثر ضعيف لأنه مرسل .


19- العنعنة في الآثار : من خلال تتبعي لآثار ابن قدامة تعالى في المغني كله ، لاحظتُ روايته لآثار مُعلَّة بالعنعنة ، مما يكون سبباً لتدليسها وردِّها

منها رواية : ” عقل المرأة مثل عقل الرجل ،حتى يبلغ الثلث من دِّيتها ” وهي في سنن النسائي . ومثلها رواية عن عمر في أن العاجز عن الوطء يؤجَّل سنة . وهو في مصنف ابن أبي شيبة . ومثلها رواية : ” لا نذر في غضبٍ، وكفارته كفارته يمين ” وهو في مسند أحمد .ومثلها رواية : ” إذا سرق السارق فاقطعوا يده ، فإن عاد فاقطعوا رجله ، فإن عاد فاقطعوا يده ،فإن عاد فاقطعوا رجله ” أخرجه الدرارقطني .

والذي تبيَّن لي من خلال الإستقراء أن ابن قدامة اعتنى بالتخريج والنظر في الأحاديث في أول ووسط الكتاب ، لكن في آخره ربما لم يُساعده الوقت والجهد على مزيد من التحقيق ، وهذا ظاهر في أحاديث الدِّيات والكفاَّرات في آخر الكتاب، فليُحرَّر .


20- مسألة الغِناء : يستدل بعض المعاصرين ببعض كلام ابن قدامة تعالى في المغني على جواز الغناء ،بينما يتركون موضع الشاهد الذي يُفيد التحريم والزجر . فقد قال في موضع : “واختلف أصحابنا في الغناء فذهب أبو بكرٍ الخلال وصاحبه أبو بكر عبد العزيز إلى إباحته ” .
لكن تحرير كلامه يكون بنقل ما قبله وهو قوله :
” فصلٌ في الملاهي : وهي على ثلاثة أضرب : محرم وهو ضرب الأوتاد والنايات والمزامير كلها ، والعود والطنبور والمعزفة والرباب ونحوها، فمن أدام استماعها رُدَّت شهادته ” .
فمن ينقل الجزء الأول من كلامه ولا ينقل الجزء الثاني، فقد وقع في التدليس والكذب وخيانة للأمانة .


21- مسائل المغني مليئة بالدلالات والأحكام والمقاصد والقواعد والضوابط الأُصولية : كقوله : ” يقُدَّم النص على الظاهر المحتمل ” ، و” يقدم الخاص على العام ” و” التخصيص بغير دليل تحكُّم لا يُصار إليه ” و” النهي يقتضي الفساد وعدم الإجزاء ” و” ما لم يذكر القرآن له بدلا فلا بدل له “و” السبب يتعقبه حكمه ” و ” الحِيل لا تُحيل الحقوق ” وغيرها كثير تنيف على المئتين ، وقد دوَّنتها في مواضعها من نسختي ولله الحمد . ويُمكن الإفادة منها بالنظر في أمثلتها في ثنايا الكتاب في أوله وآخره .


22- من المسائل التي تُقوِّي الملكة العلمية لطالب العلم استدلال ابن قدامة تعالى عند حديثه عن القِبلة في الصلاة ، حيث قعَّد أنه لا يجوز أن يُكتب أمام المُصلِّي ما يُشغله .
كما في حديث : ” أميطي عنا قِرامك ” أخرجه البخاري . فقد قال: ” تركه صلى الله عليه وسلم لدرء المفسدة الواقعة أو المتوقعة أو لما سيشغله عن الواجب ” هذا مع خشوعه وعصمته .


23- يمكن الإفادة من كتاب المغني في تقوية الملكة العلمية بقراءة المختصرات ، ثم قراءة تحرير ابن قدامة في المغني وتحليل كلامه إلى مسائل بالرسم البياني ، للتقريب وربط الجزئيات ، والوقوف على كيفية الاستدلال والتعليل .


24- التعليل للمسائل في كتاب المغني ظاهر لا يكاد يخفى ، فلا تخلو مسألة من تعليل واستقراء لحكمة الشارع وربطها بالنص والقياس ومصالح الشريعة . وفي كتاب الصلاة تطبيقات كثيرة لهذا التقعيد كما في قوله : ” تُكره الصلاة إلى المتحدِّثين لئلا يشتغل بحديثهم ، واختلف في الصلاة إلى النائم ” وهذا مهم فليُحفظ


25- كتاب المغني مشحون بأقوال المذاهب المتبوعة وغير المتبوعة ، وفي كثيرٍ من المسائل يردُّ ابن قدامة ويناقش ويُفنِّد حجج المذاهب ، وفي بعضها ينتصر لها ، وهو أمين في النقل والتحقيق .


26- ابن قدامة ضليع في حَلِّ المعضلات الاجتماعية والشرعية فقد قال في طهارة البئر : “فإن مات في بئرٍ ذات نفس ، فأمكن معالجة البئر بالأكسية المبلولة تُدار في البئر حتى تجتذب بخاره ثم ينزل من يطلعه ، أو أمكن إخراجه بالكلاليب من غير مُثلة لزم ، لأنه أمكن غسله من غير ضرر فلزم ، كما لو كان على ظهر الأرض ، وإذا شك في زوال بخاره أنزل إليه سراج أو نحوه ، فإن انطفأ فالبخار باقٍ وإن لم ينطفئ فقد زال ، فإنه يُقال : لا تبقى النار إلا فيما يعيش فيه الحيوان ” .


هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )
تعليقاتي على المغني | مدونة المتوقِّد