قال تعالى في سورة الأنفال :مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67)
قال الشوكاني :
تُرِيدُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيا أَيْ: نَفْعَهَا وَمَتَاعَهَا بِمَا قَبَضْتُمْ مِنَ الْفِدَاءِ وَسُمِّيَ عَرَضًا: لِأَنَّهُ سَرِيعُ الزَّوَالِ كَمَا تَزُولُ الْأَعْرَاضُ الَّتِي هِيَ مُقَابِلُ الْجَوَاهِرِ وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ أَيْ: يُرِيدُ لَكُمُ الدَّارَ الْآخِرَةَ بِمَا يَحْصُلُ لَكُمْ مِنَ الثَّوَابِ فِي الْإِثْخَانِ بِالْقَتْلِ، وَقُرِئَ يُرِيدُ الْآخِرَةِ بِالْجَرِّ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ وَهُوَ الْمَذْكُورُ قَبْلَهُ، أَيْ: وَاللَّهُ يُرِيدُ عَرَضَ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ لَا يُغَالَبُ حَكِيمٌ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ.
قال في التحرير والتنوير :
وَيَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ، وَالْمَعْنَى: لَعَلَّكُمْ تُحِبُّونَ عَرَضَ الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ لَكُمُ الثَّوَابَ وَقُوَّةَ الدِّينِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَنْظُورُ إِلَيْهِ هُوَ النَّفْعَ الدُّنْيَوِيَّ لَكَانَ حِفْظُ أَنْفُسِ النَّاسِ مُقَدَّمًا عَلَى إسعافهم بِالْمَالِ، فَلَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ بَذْلُ نُفُوسِهِمْ فِي الْجِهَادِ. فَالْمَعْنَى: يُوشِكُ أَنْ تَكُونَ حَالُكُمْ كَحَالِ مَنْ لَا يُحِبُّ إِلَّا عَرَضَ الدُّنْيَا، تَحْذِيرًا لَهُمْ مِنَ التَّوَغُّلِ فِي إِيثَارِ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ.
وَجُمْلَةُ: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ عَطْفًا يُؤْذِنُ بِأَنَّ لِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ أَثَرًا فِي أَنَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، فَيَكُونُ كَالتَّعْلِيلِ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ حَظَّ الْآخِرَةِ هُوَ الْحَظُّ الْحَقُّ، وَلِذَلِكَ يُرِيدُهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
قال في الظلال:
والمسلمون عليهم أن يريدوا ما يريد اللّه ، فهو خير وأبقى. والآخرة تقتضي التجرد من إرادة عرض الدنيا!
قال السعدي :
يقول تعالى: تُرِيدُونَ بأخذكم الفداء وإبقائهم عَرَضَ الدُّنْيَا أي: لا لمصلحة تعود إلى دينكم.
وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ بإعزاز دينه، ونصر أوليائه، وجعل كلمتهم عالية فوق غيرهم، فيأمركم بما يوصل إلى ذلك.