أيّها الماهِرُ بِالقُرآنِ كُنْ حيًّا حِينَ تَمُوتُ!!

تنتابني موجة من القشعريرة حين أسمع الآيات تنساب بصوته الندي عبر الأثير, وقفاته ونغماته.. طلوعه في المقامات ونزوله, واستفهاماته وجواباته, بل وأنفاسه كلها = تأتيك حيّة مع الآيات, وكأنها بثٌ مباشرٌ له!, وكأنه يتلوها في هذه اللحظة!!.
ومنذ يومين وبعد انتهاء تلاوته في إذاعة القرآن الكريم؛ إذْ بالمذيعِ ينوّه إلى أن صاحب هذه التلاوة توفي فجر اليوم وانتقل من عالمنا إلى عالم الأموات, حتى أنه لم يدفن بعد!!
أي موطن ستخترقه فيك سهام خبر كهذا بعد استماعك واستمتاعك بتلاوته منذ لحظات؟؟
هذا الحي الذي سمعته؛ قد مات منذ قليل!!
أنا لستُ أتحدث عن الموت الذي يباغتُ الأحياء فينا فيصدمنا بخطفهم.. كلا, ففي حياة كلٍ منا عزيز اختطفه الموت وأوجعه فيه حد الانهاك, لكني أتحدث عن ميّتٍ وفي أثناء غسله وتكفينه والصلاة عليه كانت وسائل التواصل الاجتماعي تصدح بصوته هو.. وبتلاوته هو, واستمر ذلك أثناء دفنه, بل وفي ذلك الوقت الذي آتاه فيه الملكان للسؤال!!.
فهل التقطتَ هذا الشعور العجيب الذي شعرتُ به حين سَرَت الركبان لدفن الشيخ محمد أيوب (غرِّيدُ المسجد النبوي الشريف) بينما العالم كله في ذات اللحظة يستمع إلى صوته؟!
هل سرتْ في جسدك ذات القشعريرة التي تصيبني كلما تخيلتُ الهوة السحيقة التي فصلتْ بين الصوت وصاحبه؟؟
عالمان متباعدان.. عالم للأحياء فوق الأرض, وعالم لأحياءَ سجناء تحت الأرض, نعم أحياء سجناء تحت الأرض!.. أليست الحياة هناك تبدو هكذا؟!
لازال صوت الشيخ محمد أيوب بالمقام الحجازي المحبب إلى قلبي ينساب إلى مسامع الدنيا ولا يتوقف..
ما معنى الموت إذن إن كان الرجل يحيا بيننا ويصدح بخير كلام على وجه البسيطة؟
ليس هناك منصة تبث القرآن على وجه الأرض ـ تقليدية كانت أو حديثة ـ إلا وتضم صوته البديع ضمن أصوات قرائها, وبالتالي لا يتصور أن صوته الندي لم يدخل إلى السواد الأعظم من بيوت المسلمين الحرصين على أن تصدح بيوتهم بأصوات قراء القرآن الكريم في كل وقت وحين.
فقل لي بربك هل مفهوم الحي والميت لازال هو هو في نظرك؟
نعم هناك قراء كُثُر ماتوا وخلفوا لنا أصواتهم الجميلة تتلو القرآن, وهناك مشايخ خلفوا دروسا ومحاضرات؛ لكن موت الشيخ محمد أيوب وقربنا من الحدث وتفاصيله, ونقل صور الجنازة والعزاء والدفن عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي نقلت أيضا مشاعر الناس من مشارق الأرض ومغاربها بكثافة؛ كل ذلك جعل استشعارنا وتأثرنا بوفاته قد ترك أعمق الأثر في نفوسنا.
إن تعابيري عاجزة حقا عن وصف شعوري, لكني توصلت إلى قناعة, وبها أنادي كل قارئ متقن للقرآن, وكل شاب ماهر حافظ لكتاب الله, أنادي إخوتي ومعارفي ممن يتحقق فيهم الاتقان.. أن سجلوا أصواتكم بآيات القرآن حتى وإن بدت لكم أصواتكم متواضعة وليست جميلة, فليس شرطا أن يكون صوتك رائعا كي تسجله, استمع لأصوات المشايخ في إذاعات القرآن الكريم المختلفة؛ هل كل الأصوات جميلة لافتة؟؟ هل كل تلاوة أثرت في مسامعك وتسللت إلى قلبك وأوصلت لك الآيات ومعانيها؛ كانت بصوت بديع متمكن؟؟!
إلى متى ننشد الكمال الشكلي حتى نعجز عن ما هو أهم؟؟!
فدعك من الصوت وبساطته وسجل القرآن مستحضرا قلبك, عش معانيه واستشعرها, فوالله ما تتلوه وأنت تستشعر معانيه وهداياته؛ لابد وأن ينتقل إلى السامع فيرقق قلبه ويدفعه للتدبر دفعا.
فسجل ـ أيها الماهر بالقرآن ـ آياته بنية احياء صوتك به, فإن كنتَ تدرك أنه لن يصل إلى مستوى أن يبث في الإذاعات؛ فانشره بين أهلك وصحبك وأحبتك, فإن استحييت أن تفعل؛ فدعه وصية بعد مماتك, وقل لورثتك أن ينشروه ويوزعوه في أقاصي الأرض, ولا تعجز عن تحقيق هذا الهدف بالكلية, فكل السبل صارت ميسرة للتسجيل في زماننا هذا, فقط اعزم وتوكل على الله, فلعل الله أن يبارك لك في القليل, وها أنت ترى بنفسك كيف أن الشيخ مات وصوته باق, وقبله من القراء ماتوا وأصواتهم لازالت حية, فماذا تنتظر أيها الماهر بتلاوة كتاب الله؟ ماذا تنتظر يا حافظ القرآن؟ اترك بيدك صدقة جارية عن نفسك, فلعل الله أن يرحمك بها.. ولعل الله أن يتجاوز عن سيئاتك وتقصيرك بآية منها.
فرحم الله شيخنا وقارئنا وغِرِّيدُ مسجد رسولنا , ورزقنا الله وإياكم حسن الخاتمة, وجمعنا وأحبابتنا في مستقر رحمته.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

حفصة اسكندراني