أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ

القول الأول: استعارة تمثيلية فقط ، وهو أحد الأوجه التي أجازها السيد الشريف وتقريرها على مذهبه أن يقال:

شبهت الهيئة منتزعة من المتقين والهدى وتمسكهم به وتمكنهم منه وثباتهم عليه ومحاولتهم الزيادة به والسير في طريق الخيرات، بالهيئة المنتزعة من الراكب والمركوب واعتلائه والقدرة والتمكن من تصريفه ؛ لأن الاستعلاء أقوى أنواع تمكن شيء من شيء
لكن لم يصرح من الألفاظ التي بإزاء المشبه به إلا بأهم أجزائها فقط وهو كلمة على فإن مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة وما عداه تابع له ملاحظ في ضمن ألفاظ منوية فتكون كلمة « على » هنا بعض المركب الدال على الهيأة المشبه بها على وجه الإيجاز ، فشبهت حالتهم المنتزعة من متعدد بتلك الحالة المنتزعة من متعدد تشبيهاً تمثيليا .
وعلى هذا تكون لفظة (على) التي اقتصر عليها من أجزاء المشبه به حقيقة ، وليست مجازا ، وأما باقي الأجزاء وهي (المعتلي والمعتلى عليه ) فهي منوية مخيلة ينوى في الإرادة بلا ذكر ، ولا يلزم ولا يصح التصريح هنا بها (أي ببقية الأجزاء وهي المعتلي والمعتلى عليه ) في نظم الكلام لفظا ولا تقديرا لأنه يغير نظم الكلام فيما إذا قلنا: :(أولئك الذين على رواحل من ربهم )، وكل واحد من المذكور وهو (على) والمحذوف وهو (المعتلي، والمعتلى عليه) ملحوظ قصدا لتعتبر هيئة مركبة منها، ولا يكفي استلزام معنى الحرف (على) لها .
قال السيد الشريف: يجب أن تكون الاستعارة التمثيلية عدة ألفاظ إما محققة كلها أو أهمها أو عمدتها محقق والباقي مخيل ينوى في الإرادة بلا ذكر ، ومع ذلك يكون المستعار مركبا من تلك الألفاظ المحققة والمخيلة ، وعلى هذا كان ينبغي أن تذكر جميع الألفاظ الدالة على الهيئة الثانية ويراد بها الهيئة الأولى بأن يقال مثلا :(أولئك الذين على رواحل من ربهم ) أو (أولئك على مطية الهدى) فيكون مجموع تلك الألفاظ استعارة تمثيلية كل من طرفيها ولفظها مركب(أي هيئة الأجزاء) ، وفهم المعتلي والمعتلى عليه لا بد أن يكون قصدا لا تبعا ، فكل واحد منهما ملحوظا قصدا لتعتبر هيئة مركبة منها ، فلا بد أن يكونا مقدرين في الإرادة وأما تقديرها في نظم الكلام فغير واجب بل ربما كان موجبا لتغيير نظمه كما إذا قلت : أولئك الذين على رواحل من ربهم ، ، ولا يكفي استلزام معنى الحرف لها إلا أنه اقتصر في الذكر على كلمة (على) لأن الاعتلاء هو العمدة في تلك الهيئة إذ بعد ملاحظته تكون ملاحظة الهيئة ، بخلاف مذهب السعد ـ كما سيأتي ـ فيكفي بلا اعتبار تقدير لفظ .
ووجه جعلنا إياها مؤذنة بتقدير مركوب دون كرسي أو مسطبة[1] مثلاً ، لأن ذلك هو الذي تسبق إليه أفهامهم عند سماع ما يدل على الاستعلاء[2] ، إذ الركوب هو أكثر أنواع استعلائهم فهو الحاضر في أذهانهم ، ولذلك تراهم حين يصرحون بالمشبه به أو يرمزون إليه، لا يذكرون إلا المركوب وعلائقه ، فيقولون: جعل الغَواية مركباً ، وامتطى الجهل ، واقتعد غارب الهوى[3] ، وقالوا في الأمثال : ركب متن عمياء ، تخبط خبط عشواء[4] .
وقال النابغة يهجو عامر بن الطفيل الغنوي :
فإن يكُ عامر قد قال جَهْلا فإن مَطِيَّةَ الجَهْلِ الشبابُ


القول الثاني: استعارة تصريحية تبعية فقط في حرف (على) وهذا اختاره القزويني في « الكشف » والسيد الجرجاني واختاره أبو السعود[5].

أن الاستعارة في الآية استعارة تصريحية تبعية مفردة:
بأن شبه تمسك المتقين بالهدى باستعلاء وتمكن الراكب على مركوبه في التمكن والاستقرار ، فاستعير له الحرف الموضوع للاستعلاء وهو علَى .
وطريقة إجرائها على طريقة القوم المشهورة : شبه مطلق ارتباط بين مهدي وهدى - بمطلق ارتباط بين مستعلٍ ومستعلىً عليه بجامع التمكن في كلٍ، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات ثم استعيرت «على» من جزئي من جزئيات المشبه به، لجزئي من جزئيات المشبه على طريق الاستعارة التصريحية التبعية والقرينة (هدى).
القول الثالث: الجمع بين الوجه الأول والثاني: أي بأن يكون فيها تمثيلية وتبعية في وقت واحد .

اختاره الطيبي و التفتزاني وملا خسرو ، والفاضل اليمني ، وصاحب البسيط والمحققون من شراح المفتاح والعصام في الأطول .
وطريقة إجرائها على هذا أن تقول:
"في الآية استعارة تمثيلية تبعية: حيث شبهت حال أولئك وهي تمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به ، بحال من اعتلى الشيء وركبه ، ثم استعير للحال التي هي المشبه المتروك كلمة الاستعلاء المستعملة في المشبه به[6] ، فلجريانها في الحرف تكون تبعية، ولكون كل من الطرفين (أي الهيئة المشبهة والهيئة المشبهة بها) حالة إضافية منتزعة من أمور متعددة تمثيلية[7] ، وعلى هذا تكون (على) مجازا متجوزا بها ؛ لأنها استعيرت من المشبه به للمشبه، ويكون هذا الحرف(على) مع ما يدل عليه بالالتزام من طرف التشبيه .
فإن قيل ما أوجه الاتفاق والاختلاف بين هذا القول والقول الأول الذي يقتصر على جعلها تمثيلية ؟
قلت : هذان القولان يتفقان في شيئين ويختلفان في ثلاثة أشياء :
فأما الشيئان اللذان يتفقان فيهما :
الشيء الأول: تتفق أنه لا بد أن يكون انتزاع الهيئة من متعدد فهيئة المشبه والمشبه به لا بد أن تنتزع من متعدد بحيث يكون كل من الهيئتين : الهيئة المشبهة والهيئة المشبه بها متعددا .
الشيء الثاني: أن هذا المتعدد لا يجوز ولا يصح التصريح هنا بها (أي ببقية الأجزاء وهي المعتلي والمعتلى عليه ) في نظم الكلام لفظا ولا تقديرا لأنه يغير نظم الكلام فيما إذا قلنا: :(أولئك الذين على رواحل من ربهم )[8].
واما الأمور الثلاثة التي يختلفان فيها فهي :
الشيء الأول: أن هذا القول جمع التمثيلية والتبعية في وقت واحد بخلاف القول الأول.
الشيء الثاني: أن القول الأول الذي أجراها تمثيلية فقط وهو السيد قال لا بد من أن يكون اللفظ المستعار الدال على التعدد مركبا من أكثر من شيء بأن يكون مركبا من عدة ألفاظ إما محققة كلها أو أهمها ، أو عمدتها محقق كـ(على) والباقي كـ(المعتلي، والمعتلى عليه) ) منوي مخيل ينوى في الإرادة بلا ذكر ، ولا يلزم ولا يصح التصريح هنا به (أي ببقية الأجزاء وهي المعتلي والمعتلى عليه ) في نظم الكلام لفظا ولا تقديرا لأنه يغير نظم الكلام فيما إذا قلنا :(أولئك الذين على رواحل من ربهم )، ومع ذلك يكون المستعار مركبا من تلك الألفاظ المحققة والمخيلة ، فكون بعض الألفاظ مخيلا بلا ذكر ولا تقدير لا يمنع من جعلها مركبا ، والمركب هو ما دل جزؤه على جزء معناه كما هنا، فاشترط أمرين التعدد فيما يدل على الهيئة وهذا متفق عليه ، واشترط التركب في أجزاء الطرفين بأن تكون موجودة أو مقدرة منوية وهذا الذي فيه الخلاف ، فقد قال السعد: نعم يشترط الانتزاع من المتعدد في كل من المشبه والمشبه به لكن يكفي أن يكون الدال على هذا المتعدد لفظا مفردا فيه تعدد مثل (على) فهذا اللفظ دل على التعدد من غير حاجة إلى تقدير ألفاظ أخرى ، فدل هذا اللفظ دل على الاستعلاء بالمطابقة ، ودل على الباقي أعني المستعلي المستعلى عليه بالالتزام ، لاستلزام الاعتلاء للراكب والمركوب لأنها نسبة بينهما فلا تتصور إلا بعد تصورهما ، ودلالة الالتزام لا تقتضي التركب ، كما في الحيوان: الذي هو جزء للإنسان فإنه منتزع من أمور متعددة وهي: جسمٌ نامٍ حسَّاسٌ متحركٌ بالإرادة فهو مفرد لكن يدل على متعدد ويقربه للفهم (الثريا) فهي لفظ مفرد لكن يدل على تعدد ، وكذلك (عنقود ملاحية) أي عنب فهو مفرد لكن يدل على تعدد ، فقد بان ان انتزاع كل من طرفيه من أمور عديدة لا يوجب تركبه بل يقتضي تعددا في مأخذه فيجوز أن يكون المدلول الحرفي لكونه أمرا إضافيا كالاستعلاء والظرف ونحوهما حالة منزعة من مور متعددة ولا يلزم كونه مركبا لأن دلالة (على) مثلا على الاستعلاء مطابقية وعلى البواقي التزامية واللفظ لا يكون مركبا باعتبار المدلول الالتزامي الذي دل على اعتباره القرينة الخارجية ، فلجريان الاستعارة في الحرف باعتبار المعنى المطابقي تكون تبعية ولكون كل من الطرفين حالة اضافية منتزعة من أمور عديدة تكون تمثيلية .
الشيء الثالث: أن (على) على قول السيد الشريف تكون حقيقة لا مجاز فهي من أجزاء المشبه به اقتصر عليها وحذف بقية الأجزاء ، وأما على مذهب السعد تكون (على) مجازا متجوزا بها ؛ لأنها استعيرت من المشبه به للمشبه، ويكون هذا الحرف(على) مع ما يدل عليه بالالتزام من طرف التشبيه.والحاصل: أن(على) مستعارة تبعا بالمعنى المطابقي ، وتمثيلا بالاعتبار المعنى الالتزامي لكون ماخذه مركبا فالحيثيتان متغايرتان
قال الخضري في حاشيته على السمرقندية أخذا من الصبان في الرسالة البيانية :
" الانتزاع من المتعدد شرط في كل من المشبه والمشبه به (أي في الهيئة المشبهة والهيئة المشبه بها ) كما أفاده كلامه هنا وكذا في وجه الشبه كما قدمه بقوله " وهو ما وجهه منتزع من متعدد وهذا باتفاق" وأما اللفظ المستعار (أي لفظ المشبه به) فهل يشترط فيه التعدد أيضا بأن يكون مركبا يدل جزؤه على جزء معناه حتى يدل على جميع الأجزاء التي انتزعت منها الهيئة أو لا يشترط ذلك بل يكفي أن يعبر عن تلك الهيئة بعد انتزاعها بلفظ مفرد يدل عليها إجمالا إما بالوضع أو كثرة الاستعمال أو قرينة الحال ذهب إلى الثاني العلامة التفتزاني وفرع عليه جواز اجتماع التبعية والتمثيلية وخالفه السيد فذهب إلى الأول ومنع الاجتماع المذكور والحق هو الثاني فإن الأول مع كونه مخالفا لكلام الأئمة مخالف لاصطلاح العربية فإن أقل مراتب التركيب إمكان اجتماع أجزاء المركب كما يشهد به تتبع كتبهم وهذا لا يمكن فيه اجتماع لتغييره النظم اهـ " قوله (فإن أقل مراتب التركيب إمكان اجتماع أجزاء المركب): أي لا يحكم على اللفظ بأنه مركب حتى تجتمع أجزاؤه بالفعل أو يمكن اجتماعها ، ولكن لو قدرنا هذه الأجزاء فإنه يوجب تغيير النظم بأن نقول : "أولئك الذين على رواحل من ربهم" فإذا أوجب التقدير ذلك التغيير فقد امتنع التركيب بلا نكير.
انتزاع شيء من أمور متعددة يكون على وجوه شتى:
1 ) فقد يكون من مجموع تلك الأمور كالوحدة الاعتبارية.[بأن يلاحظ وحدة مأخوذة من مجموع أمور متعددة مع أنها لا تركيب فيها ، كالوحدة الاعتبارية الملاحظة في جيش مع أنه مركب من أفراد متعددة، وكالوحدة الملاحظة في الحيوان: الذي هو جزء للإنسان فإنه منتزع من أمور متعددة وهي: جسمٌ نامٍ حسَّاسٌ متحركٌ بالإرادة ، وهنا بعد ملاحظة التعدد في التمثيلية يلاحظ بينها وحدة اعتبارية فيكون فيها تعدد لا تركيب بل هو مفرد ]
2) وقد يكون من أمر بالقياس إلى آخر كالإضافات [ الإضافة : فهي نسبة بين شيئين يقتضي وجود أحدهما وجود الآخر كالأبوّة والبنوّة ، فالأبوّة: تعقل بالقياس إلى البنوّة، و البنوّة أيضا نسبة تعقل بالقياس إلى الأبوّة ، وهنا الاستعلاء الذي اجرينا فيه التبعية لا يفهم إلا بمستعل ومستعلى عليه، فهنا تعدد لكن لا يوجد تركب بل هو مفرد ] فكل من التبعية والتثميلية جرت في مفرد وهذا الذي قاله السعد
3) وقد يكون بعضه من أمر وبعضه من آخر [ مثل أن نقدر أجزاء محذوفة في مثالنا مثل تقدير: راكب ومركوب] وعلى هذا يكون مركبا وهذا الذي قاله السيد.
وعلى الأولين لا يقتضي تركيبه بل تعدد مأخذه فاتضح أنه لا منافاة بين كون الاستعارة تبعية وتمثيلية وبهذا يندفع اعتراض السيد أن السعد جمع بين متنافيين ،لأن انتزاع كل من طرفي التشبيه من أمور متعددة يستلزم تركبه من معان متعددة ، ومعلوم أن الاستعارة التبعية في الحرف جرت في مفرد لأن متعلَّق الحرف مفرد كالاستعلاء والظرفية فيحصل التنافي ؛ فالتمثيلية تقتضي التركب والتبعية تقتضي الإفراد.
هذا ملخص الموضوع وإليك بسط شرحه ليفهم حق الفهم :
القائلون باجتماع التبعية والتمثيلية يقولون: يشترط في التمثيلية التعدد كما هو متفق عليه عند جميع العلماء لكن يكفي أن يكون اللفظ الدالة عليها لفظا مفردا مثل (على) اعتبر في مدلوله التعدد ولو بحسب القرينة الخارجية :
فلفظ (على) يدل على الاستعلاء دلالة مطابقية وعلى البواقي (الراكب ، المركوب) دلالة التزامية لاستلزام الاعتلاء للراكب والمركوب لأنها نسبة بينهما فلا تتصور إلا بعد تصورهما، ولا يكون المستعار أي اللفظ الدال على المشبه به وهو (على )حينئذ مركبا يدل جزؤه على جزء معناه، بل هو لفظ مفرد ، لأن اللفظ لا يكون مركبا باعتبار المدلول الالتزامي الذي دل على اعتباره القرينة الخارجية ، و انتزاع كلٍ من طرفيه من عدة أمور لا يوجب تركبه، ونظير
التعدد في المأخذ (أي مكان الأخذ) مع عدم التركب (الحيوان) الذي هو جزء للإنسان فإنه منتزع من أمور متعددة وهي: جسمٌ نامٍ حسَّاسٌ متحركٌ بالإرادة، ومع هذا مفرد بلا خفاء ففيه وحدة اعتبارية ، أي اعتبار هيئة أشياء ثم يؤخذ أمر يلاحظ مفردا مضافا لها كالإضافات مثل الأبوة والبنوة و كمعنى الاستعلاء ، ومثل (جيش) فهو مركب من أفراد متعددة لكن بينها وحدة اعتبارية فيقال: جيش واحد، فالمركب قد يوصف بالوحدة الحقيقية كبدن واحد، وقد يوصف بالوحدة الاعتبارية كجيش واحد وعسكر واحد، فلتكن الهيئة المنتزعة من الأمور المتعددة هنا كذلك .
فالمشبه به في الآية الكريمة منتزع من أمور متعددة وهي: (الراكب والمركوب واعتلائه والقدرة والتمكن من تصريفه) ، وهذا أي الانتزاع من المتعدد (بأن تكون هيئة المشبه والمشبه به منتزعة من متعدد ) شرط في كل من المشبه والمشبه به عند جميع العلماء يستوي فيه السعد ومن أيده ، و السيد الشريف ومن أيده فهو أمر متفق عليه ، لكن اللفظ المستعار أي لفظ المشبه به لا يشترط عند ـ السعد ومن أيده ـ أن يكون مركبا يدل جزؤه على جزء معناه بل يكفي أن يعبر عن تلك الهيئة بعد انتزاعها بلفظ مفرد مثل (على ، وفي ، ونحوها ) يدل عليها إجمالا بأن يدل على بعضه كالاستعلاء دلالة مطابقة وعلى الباقي التزاما بقرينة خارجية ، فـ(على) يفهم الاعتلاء وضعا لأنه وضع للاعتلاء فيهم منه أولا ثم ينتقل للازمية المعتلي والمعتلى عليها فيفهمان منه تبعا له واستلزاما ، واللفظ لا يكون مركبا باعتبار المدلول الالتزامي الذي دل على اعتباره القرينة الخارجية ، فلجريان الاستعارة في الحرف باعتبار المعنى المطابقي تكون تبعية [9]، ولكون كل من الطرفين حالة إضافية منتزعة من أمور عديدة تكون تمثيلية، و قرينة اعتبار الهيئة هنا مدحه لهم بأنهم لكمال تمسكهم وتمكنهم على الهدى بأن حالهم وهيأتهم مشابهة لحال من اعتلى الشيء ـ و اضحة كنار على علم فإذا قامت القرينة على الشيء يجب اعتباره،
، فاجتمع فيها ـ كما قال السعد ـ استعارتان تبعية وتمثيلية معا ؛ لأنه لما شبه كمال تمسكهم بالهدى باعتلاء الراكب فحصلت التبعية ،جاز أن تعتبر هيئة منتزعة من المتقي والهدى وتمسكه به مشبهة بهيئة منتزعة من الراكب والمركوب واعتلائه عليه ، وتلك الهيئة مفهوم بعضها من حرف الاستعلاء وهو الاعتلاء بالمطابقة ومفهوم بعضها الباقي بالالتزام فتحصل التمثيلية بلا تركب في اللفظ المستعار[10]، فالحيثيتان متغايرتان فلا منافاة في جمعهما ،وليس المراد أن الحرف استعارة تمثيلية باعتبار كونها استعارة تبعية إذ لا يتصور ذلك من العاقل فضلا عن شيخ الأفاضل السعد بل المراد ما ذكرناه من اعتبار الحيثيتين، واجتماع المتقابلات بالحيثيات شائع ذائع في المحاورات .
فالحاصل أنه لا بد من أن يوجد التعدد في طرفي التمثيلية أي في كل من المشبه والمشبه به اتفاقا بين العلماء فننتزع الهيئة من المتعدد لكن لا يشترط التركيب في الدال على هذا التعدد فالدال على هذا التعدد وهو لفظ المشبه به ، يكفي عند السعد أن يكون لفظا مفردا اعتبر في مدلوله التعدد كلفظة (على) ، بخلاف السيد الشريف فقد اشترط التركيب بأن يدل جزؤه على جزء معناه فلا بد أن يكون مركبا من عدة ألفاظ إما محققة كلها أو أهمها أو عمدتها محقق والباقي مخيل ينوى في الإرادة بلا ذكر ، ومع ذلك يكون المستعار مركبا من تلك الألفاظ المحققة والمخيلة .
وقد كان السيد الشريف أنكر اجتماع التمثيلية والتبعية
وقد أنكر السيد الشريف قدس سره[11] ، اجتماع التمثيلية والتبعية واستدل على ذلك بثلاثة اعتراضات :
الاعتراض الأول: أن كونها تبعية يقتضي كون كل من الطرفين معنى مفرداً لأن متعلَّق معنى الحرف الذي تجري فيه التبعية من المعاني المفردة كالاستعلاء هنا ، وكونها تمثيلية يستدعي انتزاعهما من أمور متعددة وهو يستلزم تركبه فيجب أن تكون عدة ألفاظ إما محققة كلها أو أهمها أو عمدتها محقق والباقي مخيل ينوى في الإرادة بلا ذكر ولا تقدير ، ومن البيّن أن متعلق معنى كلمة " على " وهو الاستعلاء معنى مفرد، ، فلا يكون مشبها به في تشبيه تركب طرفاه، فرآه جمعاً بين متنافيين ، فمذهب السيد الشريف أنها يمكن أن تكون تمثيلية فقط أو تبعية فقط وهو المختار عنده ، أما اجتماعهما فلا يجوز[12] . فخلاصة كلامه أنه يقول: إذا كان التشبيه منتزعاً من متعدد فقد انتزع كل جزء في المشبَّه من جزئي المشبَّه به وهو معنى التركيب فكيف يعتبر بعض المشبه به مستعاراً لبعض المشبه فينتقض التركيب .
الجواب على هذا الاعتراض: قد تقدم الرد على ماقاله السيد في الدليل الأول، ولكن أنقل بعض أقوال للعلماء توضحه:
.قال الأمير في حاشيته على السمرقندية:" والحق كما أفاده عبد الحكيم أنه لا مانع من اعتبار هيئة أشياء ثم يؤخذ أمر يلاحظ مفردا مضافا لها كالإضافات كمعنى الاستعلاء والاتصاف بالهدى ، فلجريانها في الحرف تكون تبعية، ولكون كل من الطرفين حالة إضافية منتزعة من أمور متعددة تمثيلية"[13] .
قال السيالكوتي ردا عليه : " أن هذه دعوى لا وجه لها ما المانع من انتقال الذهن لتضمن معنى اللفظ لها واستلزامه إياها في الجملة وإن لم تكن مقصودة من اللفظ فهي مقصودة في نفسها مثلا (على) للاستعلاء مفرد في ذاته لكن هو في الواقع بين ذوات ورواحل مثلا على الوجوه المختلفة فيلاحظ ذلك وكذا الاتصاف بالهدى وتقدير ألفاظ أخر في التركيب لا دليل عليه "
قال ملا خسرو:" ويجوز في الآية اعتبار التبعية وحدها واعتبار التمثيلية معا لأنه لما شبه كمال تمسكهم بالهدى باعتلاء الراكب فحصلت التبعية جاز أن تعتبر هيئة منتزعة من المتقي والهدى وتمسكه به مشبهة بهيئة منتزعة من الراكب والمركوب واعتلائه عليه وتلك الهيئة مفهومة من حرف الاستعلاء بعضها وهو الاعتلاء بالمطابقة والباقي بالالتزام فتحصل التمثيلية بلا تركب في اللفظ المستعار".
قال القونوي: يجوز أن تكون على استعارة تبعية بالمعنى المطابقي وتمثيلا باعتبار المعنى الالتزامي لكون مأخذه مركبا فالحيثيتان متغايرتان فلا منافاة في جمعهما وليس المراد أن الحرف استعارة تمثيلية باعتبار كونها استعارة تبعية إذ لا يتصور ذلك من العاقل فضلا عن شيخ الأفاضل بل المراد ما ذكرناه من اعتبار الحيثيتين ، واجتماع المتقابلات بالحيثيات شائع ذائع في المحاورات .
وقال القونوي في الرد على قول السيد :" ومن البيّن أن متعلق معنى كلمة " على " وهو الاستعلاء معنى مفرد، كالضرب ونظائره" قال القونوي: وجعلهم استعارة المصادر كالضرب والقتل استعارة في المفرد وعدم اعتبارهم فيها الهيئة مع أن كل واحد منهما يستلزم فاعلا ومفعولا مع حصول التركيب بهذا الوجه لعدم قيام القرينة على اعتبارهما وحصول التركيب بهما لا لعدم إمكانهما، ولا ندعي تحقق التمثيل في كل استعارة تبعية بل إذا قامت قرينة على اعتبار الهيئة المنتزعة من أمور عديدة ولو بالتبعية كما فيما نحن فيه ـ ـ فلتكن الهيئة المرموز إليها بالقرينة الخارجية تمثيلية كذلك
قال الصبان في الرسالة البيانية : "عند قول العلماء في تعريف الاستعارة التمثيلية : بأنه اللفظ المركب المستعمل في غير المعنى الذي وضع له لعلاقة وقرينة مانعة عن إرادته"
قال العصام في رسالته الفارسية :" ليس المراد بالمركب ها هنا المركب بالمعنى المشهور له أعني ما يدل جزؤه على جزء معناه بل المراد من الاستعارة المركبة : اللفظ المستعار لصورة منتزعة (مأخوذة ومستحضرة) من أمور متعددة لصورة كذلك ، لعلاقة المشابهة بين الصورتين ، ثم ذكر أن الصورة المنتزعة هي: الهيئة الحاصلة من إحضار معاني أجزاء العبارة في الذهن وملاحظة نسب بعضها إلى بعض وتضامها ( انضمام بعضها إلى بعض) ، بحيث تكسى لباس الوحدة فمعنى الانتزاع هو الإحضار والملاحظة المذكوران ، قال مُعَرِّبها (أي معرب الرسالة الفارسية):" وعلى هذا يمكن أن يعبر عن تلك الهيئة المنتزعة بعد انتزاعها بلفظ مفرد يدل عليها إجمالا إما بالوضع أو كثرة الاستعمال أو قرينة الحال ، فلا يجب أن يكون اللفظ المستعار من أحد الطرفين للآخر مركبا بالمعنى المشهور للمركب (وهوما دل جزؤه على جزء معناه)، وهذا ما يدل إلى مذهب العلامة التفتزاني حيث جوز أن يكون اللفظ المستعار في التمثيلية مفردا وفرع على هذا جواز اجتماع التبعية والتمثيلية بخلاف السيد فإنه أوجب أن يكون اللفظ المستعار مركبا بالمعنى المشهور (وهوما دل جزؤه على جزء معناه) ومنع الاجتماع المذكور (أي اجتماع التمثيلية والتبعية).
الاعتراض الثاني للسيد الشريف:
أن كون " على " استعارة تبعية يستلزم كون (على) مستعارا فهو مجاز متجوز بها ؛ لأنها استعيرت من المشبه به للمشبه ، ،وكون (على) استعارة تمثيلية يستلزم أن لا يكون مستعارا بل حقيقة لأنها من أجزاء المشبه به التي اقتصر فيها على أهمها وحذف بقية الأجزاء ، وألفاظ المشبه به باقية على معناها الحقيقي كما إذا صرح بهذه الألفاظ بأن قيل أولئك الذين على رواحل من ربهم ، وعبارة السيد:" إن جعلت تمثيلية ، فلا يكون في " على " استعارة أصلا، بل هي على حالها قبل الاستعارة، كما إذا صرّح بتلك الألفاظ كلها والحاصل أن كون " على " استعارة تبعية يستلزم كون الاستعلاء مشبها به، وأن تركب الطرفين يستلزم أن لا يكون مشبها به، فلا يجتمعان."
أنه إنما يتم هذا لو كان كون أجزاء التمثيل حقيقة ـ واجبا ، وليس كذلك بل قد صرح أرباب البيان بأن الاستعارة التمثيلية أجزاؤها باقية على ما كانت عليه من كونها حقيقة أو مجازا، ولا يشترط أن تكون حقيقة بل قد تكون مجازا أيضا كما هنا ، فلفظة (على) هنا مجاز مستعارة في التمسك بالهدى ، والمرموز إليها من الهيئة المنزعة من أمور عديدة وهي الراكب والمركوب واعتلائه عليه استعارة تمثيلية للهيئة المأخوذة من المتقي والهدى وتمسكه به ، والحاصل: أن(على) مستعارة تبعا بالمعنى المطابقي ، وتمثيلا بالاعتبار المعنى الالتزامي لكون مأخذه مركبا فالحيثيتان متغايرتان ، فلا منافاة في جمعهما ، وليس المراد أن الحرف استعارة تمثيلية باعتبار كونها استعارة تبعية إذ لا يتصور ذلك من العاقل فضلا عن شيخ الأفاضل بل المراد ما ذكرناه من اعتبار الحيثيتين ، واجتماع المتقابلات بالحيثيات شائع ذائع في المحاورات .
ويندفع به اشكال السيد الشريف" [14] مسعدة
الاعتراض الثالث: أن فهم المعتلي والمعتلى عليه من الاعتلاء إنما يكون تبعا لا قصدا وذلك لا يكفي في اعتبار الهيئة بل لا بد من أن يكون كل واحد منهما ملحوظا قصدا كالاعتلاء لتعتبر هيئة مركبة منهما ، وهما من حيث إنهما قصدا مدلولا لفظين آخرين فلا بد أن يكونا مقدرين في الإرادة

الجواب عن الاعتراض الثالث:
قال القونوي: يرِدُ عليه أنه إن أراد بعدم كفاية مفهومهما تبعا في اعتبار الهيئة عدم كفايته في نفسه فمسلم ، لكن لا يضرنا فإن المراد كفايته في اعتبارها بالقرينة .
وإن أراد بعدم كفايته عدم كفايته مطلقا ولو بالقرينة فممنوع ؛ إذ قرينة اعتبار الهيئة هنا حيث مدحهم بأنهم لكمال تمسكهم وتمكنهم على الهدى حالهم وهيئتهم مشابهة لحال من اعتلى الشيء واضحة كنار على علم فإذا قامت القرينة على الشيء يجب اعتباره.
قال الخضري أخذا من كلام ملا خسرو ونقله الصبان في الرسالة البيانية :
فإن قيل فهم المعتلي (الراكب) والمعتلى عليه من الاستعلاء إنما يكون تبعا لا قصدا (لأن (على) وضع للاعتلاء فيفهم منه أولا ثم ينتقل للازمية المعتلى والمعتلى عليه فيهمان منه تبعا له) ، وذلك لا يكفي في الهيئة بل لا بد أن يكون كل منهما (أي المعتلي والمعتلى عليه) ملحوظا قصدا كالاستعلاء ،وهما من حيث إنهما ملحوظان قصداً مدلولا لفظين آخرين ( أي غير الاستعلاء كلفظ (الراكبين)، و(الرواحل))، فلا بد أن يكونا (أي اللفظان الآخران ) مقدرين في الإرادة ،وأما تقديرهما في نظم الكلام فغير واجب بل ربما كان موجبا لتغيير نظمه (مثل أن نقول: :(أولئك الذين على رواحل من ربهم ) ، فيكون المستعار جميع تلك الألفاظ المنوية والمحققة لا لفظ (على) فقط؟
قلنا سلمنا أن فهمهما منه (أي المعتلي والمعتلى عليه) بالتبع لا بالأصالة لكن لا نسلم أنه لا يكفي في اعتبار الهيئة بل لا بد له من دليل [وهذا انتقال من المنع إلى طلب الدليل على الممنوع ] بل اكتفوا بمثله في بعض المواضع .
سلمناه (عدم كفاية فهمهما منه تبعا في اعتبار الهيئة )لكن لا نسلم أن الملاحظة القصدية للمعنى تقتضي كونه مدلولا للفظ منوي بل يجوز أن يكون مستفادا من القرائن الخارجية بلا اعتبار تقدير لفظ في الإرادة .
سلمناه (أي كون ملاحظة المعنى قصدا تقتضي كونه مدلولا للفظ مقدر في الإرادة ) لكن لا نسلم أن مجرد التقدير في الإرادة (أي المجرد عن اجتماع الأجزاء) إذا كان موجبا لتغيير النظم كما فيما نحن فيه يقتضي التركيب، فإن أقل مراتب التركيب إمكان اجتماع الأجزاء (أي لا يحكم على اللفظ بأنه مركب حتى تجتمع أجزاؤه بالفعل أو يمكن اجتماعها) ، فإذا أوجب التقدير ذلك التغيير (أي لنظم الكلام) فقد امتنع التركيب بلا نكير (أي اتفاقا) فثبت أن المستعار لفظ مفرد وهو (على) لا مركب من محقق ومنوي فثبتت التبعية لجريانها في الحرف والتمثيلية لأن الطرفين هيئتان مركبتان " .

وبما سبق نفهم معنى كلام العلماء: الآلوسي والخضري وابن التمجيد وابن عاشور الآتي:
قال الآلوسي : وأجابوا عن شبهة السيد بأن انتزاع شيء من أمور متعددة يكون على وجوه شتى:
1 ) فقد يكون من مجموع تلك الأمور كالوحدة الاعتبارية.
2) وقد يكون من أمر بالقياس إلى آخر كالإضافات .
3) وقد يكون بعضه من أمر وبعضه من آخر .
وعلى الأولين لا يقتضي تركيبه بل تعدد مأخذه
فيجوز حينئذٍ أن يكون المدلول الحرفي لكونه أمراً إضافياً كالاستعلاء حالة منتزعة من أمور متعددة" فلجريانها في الحرف تكون تبعية ولكون كل من الطرفين حالة إضافية منتزعة من أمور متعددة تمثيلية ، ولعل اختيار القوم في تعريف التمثيلية لفظ الانتزاع دون التركيب يرشد المنصف إلى عدم اشتراط التركيب في طرفيه وإلا لكان الأظهر لفظ التركيب ، وقد أشبعنا القول في ذلك وذكرنا ما له وما عليه في كتابنا الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية " انتهى .
وهذا الخلاف بين الشيخين في هذه المسألة مما سارت به الركبان وعقدت له المجالس وصنفت فيه الرسائل ، وأول ما وقع بينهما في مجلس تيمورخان بسمرقند وكان الحكم نعمان الخوارزمي المعتزلي فحكم والظاهر أنه لأمر ما للسيد السند ، فصدره السلطان في محل السعد فقيل له في لذلك فقال نفرض أنهما متساويان في العلم أليس لهذا مزية الشرف فانحر السعد حتى مات ثم إن السلطان فعل مثل ذلك في بالسيد جزاء وفاقا فأجلس ابن الجوزي مكانه وقال ألا أولي رجلا إذا توقف الناس في السنة راجع المصطفى جهارا رحم الله الجميع فمن الفضلاء بعدهم من انتصر للسيد ومنهم من مال للسعد ومنهم من لم يتكلم في الترجيح أصلا تأدبا في حقهما وأكثر المحققين على مذهب السعد وأطنب العصام في أطوله لتأييده ورد مذهب السيد وللمولى الشهير بطاش كبري زاده رسالتان انتصر فيهما للعلامة التفتزاني واستوفى الكلام على ما جرى بينهما في المناظرة ".


قال ابن التمجيد: " لا يقال الاستعارة التبعية الجارية في الحرف لا تكون تمثيلية لأن كلا من المستعار منه والمستعار له في الاستعارة التمثيلية يجب أن يكون مركبا من متعدد ومتعلق الحرف لا يكون إلا مفردا لأنا نقول لا يجب أن يكون طرفا التمثيل مركبين بل التمثيل مبني على تشبيه حالة بحالة بل على تشبيه وصف صورة منتزعة من عدة أمور بوصف صورة أخرى مثلها وهذا لا يوجب إلا اعتبار التعدد في المأخذ لا فيه نفسه والحاصل أن كلا من المشبه والمشبه به وصف وحداني يمكن أن يعبر عبه بلفظ مفرد وغن كان ذلك الوصف الوحداني مأخوذا من أشياء متعددة وأيضا لا ينافي التمثيل كون الاستعارة في متعلق الحرف وسيمر عليك مرارا في تفسير الكلام المجيد في مواضع كثيرة جريان الاستعارة التمثيلية في الحروف وإن شئت فعليك مطالعة كلام صاحب المفتاح في استعارة لعل وتمام التحقيق في الاستعارة التبعية الحرفية التمثيلية أن معنى الحرف فيها لما كان كالعنوان والأصل لسائر المعاني المأخوذة والحاكم في تسمية الكلام استعارة إذ لولا وجود الحرف فيه لا يتسمى باسم الاستعارة كان لكونه آلة ملاحظة لجميع المعاني المأخوذة من كل واحد من الطرفين قد جمع وصبر تلك الأمور في كل من الطرفين أمرا واجدا مشبها ومشبها به ومراد التمثيل على جميع الأمور التركب ومن أمعن النظر فيما حققناه أيقن أن دفع من منع جريان التمثيل في الاستعارة التبعية الحرفية دفع مدفوع "
قال ابن عاشور: ونحن ندخل في الحكومة بين هذين العلمين بأنه لا نزاع بين الجميع أن في الآية تشبيه أشياء بأشياء على الجملة حاصلة من ثبوت الهدى للمتقين ومن ثبوت الاستعلاء على المركوب غير أن اختلاف الفريقين هو في تعيين الطريقة الحاصل بها هذا التشبيه
فالأكثرون يجعلونها طريقة التمثيلية بأن يكون تشبيه تلك الأشياء حاصلاً بالانتزاع والتركيب لهيئة .
والسيد يجعلها طريقة التبعية بأن يكون المشبه والمشبه به هما فردان من تلك الأشياء ويحصل العلم ببقية تلك الأشياء بواسطة تقييد المفردين المشبه والمشبه به ، ويجوز طريقة التمثيل وطريقة المكنية لكن لا يجيز الجمع بين التمثيلية والتبعية .
فينصرف النظر هنا إلى أي الطريقتين أرجح اعتباراً وأوفى في البلاغة مقداراً .
وإلى أن الجمع بين طريقتي التمثيلية والتبعية هل يعد متناقضاً في اعتبار القواعد البيانية كما زعمه السيد ؟
تقرر في علم البيان أن أهله أشد حرصاً على اعتبار تشبيه الهيئة فلا يعدلون عنه إلى المفرد مهما استقام اعتباره [15]
ونحن نجد اعتبار التمثيلية في الآية أرجح لأنها أوضح وأبلغ وأشهر وأسعد بكلام « الكشاف » ، أما كونها أوضح: فلأن تشبيه التمثيل منزع واضح لا كلفة فيه فيفيد تشبيه مجموع هيئة المتقين في اتصافهم بالهدى بهيئة الراكب إلخ .
بخلاف طريقة التبعية فإنها لا تفيد إلا تشبيه التمكن بالاستعلاء ثم يستفاد ما عدا ذلك بالتقييد وأما كونها أبلغ: فلأن المقام لما سمح بكلا الاعتبارين باتفاق الفريقين لا جرم كان أولاهما بالاعتبار ما فيه خصوصيات أقوى وأعز .
وأما كونها أشهر: فلأن التمثيلية متفق عليها بخلاف التبعية .
وأما كونه أسعد بكلام « الكشاف »: فلأن ظاهر قوله : « مَثَل » أنه أراد التمثيل ، لأن كلام مثله من أهل هذه الصناعة لا تخرج فيه اللفظة الاصطلاحية عن متعارف أهلها إلى أصل المعنى اللغوي .
الجمع بين التمثيلية والتبعية :
فإذا صح أن التمثيلية أرجح فلننقل الكلام إلى تصحيح الجمع بينها وبين التبعية وهو المجال الثاني للخلاف بين العلامتين ، فالسعد والطيبي يجوزان اعتبار التبعية مع التمثيلية في الآية ، والسيد يمنع ذلك كما علمت، ويقول إذا كان التشبيه منتزعاً من متعدد فقد انتزع كل جزء في المشبَّه من جزئي المشبَّه به وهو معنى التركيب فكيف يعتبر بعض المشبه به مستعاراً لبعض المشبه فينتقض التركيب .
وهذا الدليل ناظر إلى قول أئمة البلاغة إن أصل مفردات المركب التمثيلي أن تكون مستعملة في معانيها الحقيقية ، وإنما المجاز في جملة المركب أي في إطلاقه على الهيئة المشبهة ، فكلام السيد وقوف عندها .
ولكن التفتزاني لم ير مانعاً من اعتبار المجاز في بعض مفردات المركب التمثيلي إذا لم يكن فيه تكلف ، ولعله يرى ذلك زيادة في خصوصيات إعجاز هذه الآية [16]، ومن شأن البليغ أن لا يفيت ما يقتضيه الحال من الخصوصيات ، وبهذا تفاوتت البلغاء كما تقرر في مبحث تعريف البلاغة وحد الإعجاز هو الطرف الأعلى للبلاغة الجامع لأقصى الخصوصيات كما بيناه في موضعه وهو المختار فلما وجد في الهيئة المشبهة والهيئة المشبه بها شيئان يصلحان لأن يشبه أحدهما بالآخر تشبيهاً مستقلاً غير داخل في تشبيه الهيئة كان حق هذا المقام تشبيه التمكن بالاستعلاء وهو تشبيه بديع وأشير إليه بكلمة على ، وأما غير هذين من أجزاء الهيأتين فلما لم يحسن تشبيه شيء منها بآخر أُلْغي التشبيه المفرد فيها إذ لا يحسن تشبيه المتقي بخصوص الراكب ولا الهُدى بالمركوب فتكون « على » على هذا الوجه بعضاً من المجاز المركب دليلاً عليه باعتبار ومجازاً مفرداً باعتبار آخر هكذا قرر ابن عاشور المقام .
القول الرابع :

جوز السيد الشريف أن يكون هنا استعارة مكنية مفردة: بأن يشبه الهدى بالمركوب على طريق الاستعارة المكنية، وتجعل كلمة على قرينة على ذلك عكس الوجه الأول ، والفرق بين هذا الوجه .
قال عبد الحكيم السيالكوتي: "ولا يناسب حمل الآية على المكنية إذ الاستعارة مبنية على المبالغة في المشبه بادعاء كونه فردا من أراد المشبه به وليس المقصود المبالغة في الهدى بكونه فردا ادعائيا من أفراد المركوب" .
القول الخامس:

واختار ابن عاشور: أنه استعارة تمثيلية مكنية شبهت الحالة بالحالة وحذف لفظ المشبه به وهو المركب الدال على الركوب كأن يقال رَاكِبِين مطية الهدى وأبقى ما يدل على المشبه وهو أولئك وهدى ، ورمز للمركب الدال على المشبه به بشيء من لوازمه وهو لفظ ( على ) الدال على الركوب عرفاً


:[1] المسطبة : مكانٌ مُمهَّد مرتفع قليلاً يقعد عليه "جلس الرجلُ على المسطبة".

[2] قال الكشاف: " وقد صرحوا بذلك في قولهم : جعل الغواية مركبا ، وامتطى الجهل واقتعد غارب الهوى قال الطيبي : صرحوا بإرادتهم معنى الاستعلاء والركوب فيما يشبه الآية وقولِهم " هو على الحق وعلى الباطل" من قولهم " جعل الغواية مركبا" أي كالمركب فهو من التشبيه وقالوا "امتطى الجهل " .

[3] قوله: (واقتعد غارب الهوى):الغارب من الْبَعِير مَا بَين السنام والعنق وَهُوَ الَّذِي يلقى عَلَيْهِ خطام الْبَعِير إِذا أرسل ليرعى حَيْثُ شَاءَ وَيُقَال للْإنْسَان حبلك على غاربك اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت وَهُوَ من كنايات الطَّلَاق أَيْضا، .وفي " الهوى " استعارة مكنية، وفي " غارب " استعارة تخييلية حيث أثبت الغارب للهوى ، وفي اقتعد ترشيح واقتعد بمعنى ركب فإنه افتعال من القعود استعمل هنا في الركوب فإنه من أفراد القعود فيكون ترشيحا للمكنية ، شبه الهوى بالمطية على طريقة الاستعارة المكنية، وخيل بإثبات الغارب، ورشح بذكر الاقتعاد ، وكذلك يقال في (امتطى الجهل) أي ركبه واتخذه مطية شبه الجهل بالمطية وأثبت لازم المشبه به وهو الامتطاء للمشبه ، ويجوز أن يكون (امتطى) من الاستعارة التصريحية التبعية حيث شبه الاتصاف بالجهل والاستقرار عليه بامتطاء المطية فذكر المشبه به وأريد المشبه ثم اعتبر ذلك في الفعل الذي هو امتطى تبعا للمصدر و الجهل قرينة ، وقيل امتطى الجهل من باب التشبيه البليغ لأن معناه اتخذ الجهل مطية وهو في حكم الجهل مطية في أنه من باب التشبيه نحو زيد أسد وهذا ليس بصحيح .

[4] الخبط: الضرب باليد، والفعل خبط يخبط. العشواء: تأنيث الأعشى، وجمعها عُشْو، والياء في عشِيَ منقلبة عن الواو كما كانت في رضي منقلبة عنها، والعشواء: الناقة التي لا تبصر ليلًا، ويقال في المثل: هو خابط خبط عشواء، أي قد ركب رأسه في الضلالة كالناقة التي لا تبصر ليلًا فتخبط بيديها على عمى، فربما تردَّت في مهواة وربما وطئت سبعًا أو حية أو غير ذلك.

[5] في المناظرة التي حصلت بينه وبين الحافظ التاشكندي حيث قال الحافظ إني أظن أن الحق في جانب التفتزاني في تجويز اجتماع الاستعارة التبعية والتمثيلية وأني حققته في حواشي على المطول على ما هو ظني وقد صرح بجواز اجتماعهما الفاضل اليمني أشار إليه القاضي البيضاوي في مواضع عديدة وحكم به غير واحد من الفضلا ء لما أحسن أبو السعود إنكار ما حققه في تفسيره وترجيحه جانب النحرير قال هذا مبني على الغفول عن تحقيق المقام فإن مبنى الاستعارة التبعية تشبيه المفرد بالمفرد ومبني التمثيلية تشبيه المركب بالمركب فيتنافيان فقال الحافظ فما تفول في الحيوان الذي هو جزء للإنسان فإنه منتزع من أمور متعددة وهي جسم نام حساس متحرك بالإرادة ومع هذا مفرد بلا خفاء فلتكن الهيئة المنتزعة من الأمور المتعددة كذلك فقال أبو السعود وهذا بحث فلسفي لا يناسب المقام لأن أهل المنطق يترددون بين الحدود والقضايا وأرباب البلاغة يخوضون في الخواص والمزيا وشتان ما بينهما فلما آل إلى التناحر بينهما أقيم لصلاة العصر فانفصلا على ذلك كذا قاله محمد الأمين ابن صدر الدين الشيرازي ، فمبنى جواب أبي السعود مبني على التعصب والمكابرة .قال القونوي: كلام أبي السعود خارج عن الإنصاف وتمسك بالاعتساف فإن أهل البلاغة يستمدون أيضا من المنطق لا سيما في الحدود والقضايا فكيف ينكرون كون أجزاء الحد مع كونه مفردا منتزعا من عدة أمور متعددة

[6] قال الطيبي: ويدل على أنها تمثيلية قول الكشاف "شبهت حالهم" ــ ـ ثم قال الطيبي: ويدلك على أن الاستعارة تبعية تمثيلية الاستقراء، وبه يشعر قول صاحب " المفتاح " في استعارة " لعلّ " فتشبه حالُ المكلف - وكيت، وكيت - بحال المرتجي المُخَيَّر. إلى آخره ، وليكن هذا المعنى على ذُكر منك لينبهك على أن أحد وجهي المجاز في ختم الله من الاستعارة والتمثيل على هذا

[7] قال البيضاوي:" ومعنى الاستعلاء في عَلى هُدىً تمثيل تمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه بحال من اعتلى الشيء وركبه" قال القونوي: (معنى الاستعلاء في على هدى) قال ومعنى الاستعلاء دون معنى على للتنبيه على أن الاستعارة في الحروف إنما تكون بتبعية متعلقاته وهي ما يعبر بها عند التعبير عنها فمتعلق لفظة من الابتداء وإلى الانتهاء وعلى الاستعلاء وهو معنى كلي شامل لجميع أفراد الابتداء والانتهاء وغيرهما وهو معنى مستقل بالمفهومية يصلح أن يكون مشبها ومشبها به وأما الاستعلاء المستفاد من لفظة على فمعنى جزئي غير مستقل بالمفهومية قال القونوي: وحاصل كلامه أن في هذا الكلام استعارة تبعية تمثيلية أما التبعية فلجريانها أولا في متعلق معنى الحروف وتبعيتها في الحرف وأما التمثيل فلكون كل من طرفي التشبيه حالة منتزعة من أمور عديدة كما ينادي عليه تعبير الشيخين حيث قال صاحب الكشاف " ومعنى الاستعلاء في قوله: (عَلى هُدىً) مثل لتمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه، وتمسكهم به. شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه "فكلام الكشاف "مثل لتمكنهم"وقول البيضاوي:" تمثيل تمكنهم" كالصريح في أنهما حملا الكلام على الاستعارة التمثيلية ومعلوم أن (على) ليس على ظاهرها بل محمول على الاستعارة وهذا مختار المحقق التفتزاني حيث ذهب إلى جوازه متمسكا بما صرح به العلامة في مواضع من كشافه كما صرح به هنا يريد بذلك ما قلنا من أن التعبير بتشبيه حال بحال يناسب الاستعارة التمثيلية بل من خواصة

[8] كما صرح بذلك الشهاب في (ج 1/247)وغيره.

[9] لجريانها أولا في متعلق معنى الحروف وتبعيتها في الحرف

[10] وتمام التحقيق في الاستعارة التبعية الحرفية التمثيلية أن معنى الحرف فيها لما كان كالعنوان والأصل لسائر المعاني المأخوذة والحاكم في تسمية الكلام استعارة إذ لولا وجود الحرف فيه لا يسمى باسم الاستعارة كان لكونه آلة ملاحظة لجميع المعاني المأخوذة من كل واحد من الطرفين قد جمع وصير تلك الأمور في كل من الطرفين أمرا واحدا ، وأما التمثيل فلكون كل من طرفي التشبيه حالة منتزعة من أمور عديدة

[11] وعبارة السيد الشريف:" وقال الشريف: يريد أن كلمة " على " هذه استعارة تبعية، شبه تمسك المتقين بالهدى باستعلاء الراكب على مركوبه في التمكن والاستقرار، فاستعير له الحرف الموضوع للاستعلاء، كما شبه استعلاء المصلوب على الجذع باستقرار المظروف في الظرف بجامع الثبات، فاستعير له الحرف الموضوع للظرفية.وإنما قال: " معنى الاستعلاء " دون معنى " على "؛ لأن الاستعارة في الحرف تقع أولاً في متعلق معناه كالاستعلاء والظرفية والابتداء مثلا، ثم تسري إليه بتبعية. وقوله: " تمثيل " أي تصوير فإن المقصود من الاستعارة تصوير المشبه بصورة المشبه به إبرازا لوجه الشبه فيه بصورته في المشبه به، فإذا قلت: رأيت أسدا يرمي فقد صورته في شجاعته بصورة الأسد وجراءته.ومن الناس من زعم أن الاستعارة في " على " تبعية تمثيلية.قال: أما كونها تبعية فلجريانها أولا في متعلق معنى الحرف، وتبعيتها في الحرف.وأما كونها تمثيلية فلكون كل من طرفي التشبيه حالة منتزعة من عدة أمور.فورد عليه أن انتزاع كل من طرفيه من أمور عدة يستلزم تركبه من معان متعدة، ومن البيّن أن متعلق معنى كلمة " على " وهو الاستعلاء معنى مفرد، كالضرب ونظائره، فلا يكون مشبها به في تشبيه تزكب طرفاه، وإن ضم إليه معنى آخر، وجعل المجموع مشبها به لم يكن معنى الاستعلاء مشبها به في هذا التشبيه، فكيف يسري التشبيه والاستعارة منه إلى معنى الحرف! والحاصل أن كون " على " استعارة تبعية يستلزم كون الاستعلاء مشبها به، وأن تركب الطرفين يستلزم أن لا يكون مشبها به، فلا يجتمعان.وأجيب عنه بأن انتزاع كل من طرفيه من عدة أمور لا يوجب تركبه، بل يقتضي تعددا في مأخذه، وهو مردود بأن المشبه مثلا إذا كان منتزعا من أشياء متعددة فإما أن ينتزع بتمامه من كل واحد منها، وهو باطل، فإذا أخذ كذلك من واحد منها كان أخذه مرة ثانية من واحد آخر لغوا، بل تحصيلا للحاصل.وإما أن ينتزع من كل واحد منها بعض منه، فيكون مركبا بالضرورة.وإما أن لا يكون هناك لا هذا ولا ذاك، وهو أيضاً باطل، إذ لا معنى لانتزاعه حينئذ من تلك الأمور المتعددة.
على أن هذا الزاعم قد صرّح في تفسير قوله تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) بأنه لا معنى لتشبيه المركب بالمركب إلا أن تنتزع كيفية من أمور عدة، فتشبه بكيفية أخرى مثلها، فيقع في كل واحد من الطرفين أمور متعددة، وأنت خبير بأن أمثال ذلك مما لا يشتبه على ذي مسكة، إلا أن جماعة قد غفلوا في هذا المقام عن رعاية القواعد، فزلت بهم أقدامهم.
وإن شئت مزيد تحقيق فاعلم أن قوله (على هدى) يحتمل وجوها ثلاثة:
الأول: ما مر من تشبيه تمسكهم بالهدى باعتلاء الراكب.الثاني: أن تشبيه هيئة منتزعة من المتقي والهدى وتمسكه به بالهيئة المنتزعة من الراكب والمركوب، واعتلائه عليه، فيكون هناك استعارة تمثيلية، تركب كل من طرفيها، لكنه لم يصرح من الألفاظ التي هي بإزاء المشبه به إلا بكلمة " على " فإن مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة، وما عداه تبع له، يلاحظ معه في ضمن ألفاظ منوية، وإن لم تكن مقدرة في نظم الكلام، وستعرف الفرق بينهما، فلا يكون في " على " استعارة أصلا، بل هي على حالها قبل الاستعارة، كما إذا صرّح بتلك الألفاظ كلها.الثالث: أن يشبه الهدى بالمركوب على طريقة الاستعارة بالكناية، وتجعل كلمة " على " قرينة لها، على عكس الوجه الأول، فمن اعتبر هنا تلك الهيئة، وحكم بأن الاستعارة تبعية فقد اشتبه عليه الفرق بين الوجه الأول والثاني.
وما يتوهم من أن عبارة " المفتاح " في استعارة " لعلّ " بينة في اجتماع التبعية والتمثيلية، فهو مضمحل بما لخصناه في شرحه عليه، على وجه لا مزيد عليه (1). انتهى

[12] بخلاف السعد فلا يرى لا اعتبار تقدير لفظ و لا يشترط ما سبق بل يكفي أن يعبر عن تلك الهيئة بعد انتزاعها بلفظ مفرد يدل عليها إجمالا ، فـ(على ) في مثالنا يدل على الاستعلاء دلالة مطابقية وعلى البواقي التزامية، فيمعتبر هيئة أشياء ثم يؤخذ أمر يلاحظ مفردا مضافا لها كالإضافات كمعنى الاستعلاء .

[13] ورده السيد : بأن المشبه مثلا إذا كان منتزعا من أشياء متعددة :فإما أن ينتزع بتمامه من كل واحد منها، وهو باطل، فإذا أخذ كذلك من واحد منها كان أخذه مرة ثانية من واحد آخر لغوا، بل تحصيلا للحاصل.وإما أن ينتزع من كل واحد منها بعض منه، فيكون مركبا بالضرورة.وإما أن لا يكون هناك لا هذا ولا ذاك، وهو أيضاً باطل، إذ لا معنى لانتزاعه حينئذ من تلك الأمور المتعددة[13].


[14] هذا الجواب والذي بعده من كلام القونوي

[15] ولهذا قال الشيخ في « دلائل الإعجاز » عند ذكر بيت بشار :
كَأَنَّ مُثَار النَّقْع فوق رُؤوسنا وأسيافَنَا ليل تَهاوَى كواكبُه
« قصد تشبيه النقع والسيوف فيه بالليل المتهاوية كواكبه ، لا تشبيه النقع بالليل من جانب والسيوف بالكواكب من جانب ، ولذلك وجب الحكم بأن أسيافنا في حكم الصلة للمصدر ( أي مثار ) لئلا يقع في تشبيهه تفرق ، فإن نصب الأسياف على أن الواو بمعنى مع لا على العطف » . إذا تقرر هذا تبين لديك أن للتشبيه التمثيلي الحظ الأوْفى عند أهل البلاغة ووجهه أن من أهم أغراض البلغاء وأولها باب التشبيه وهو أقدم فنونها ، ولا شك أن التمثيل أخص أنواع التشبيه لأنه تشبيه هيئة بهيئة فهو أوقع في النفوس وأجلى للمعاني .

[16] قال القونوي: فالصواب أن النكات مبنية على الاعتبارات والإرادات فإذا أريد في الاستعارة التبعية التمثيل بالوجه الذي ذكرناه يكون في غاية من الحسن والبهاء وأوفق للمحاورات للمحاورات والفحوى، وإذا لم يعتبر التمثيل يكون استعارة تبعية فقط ، وإذا لم تعتبر الاستعارة التبعية يكون تمثيلا فقط وإذا أريد به التشبيه المضمر يكون استعارة مكنية وتخييلية فالاحتمالات هنا وفي أمثاله أربعة فتأمل وكن على بصيرة.