: الذينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3):

معنى الإقامة: 1) إما تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها2) أو الدوام عليها والمحافظة عليها ، كما قال عز وعلا : الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ [ المعارج : 23 ] ، والذين هُمْ على صلواتهم يحافظون 3) أو التجلد والتشمر لأدائها وأن لا يكون في مؤدّيها فتور عنها ولا توان .
وبيان ذلك: ان الأصل في مادة (ق، و،م) انتصاب الشيء إلى أعلى ثابتا ومنه قيام الإنسان نحو الذين يذكرون الله قياما وقعودا جدارا يريد أن ينقض فأقامه ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها .
فالقيام في اللغة هو الانتصاب المضاد للجلوس والاضطجاع ، وإنما يقوم القائم لقصد عمل صعب لا يتأتى من قعود ، فيقوم الخطيب ويقوم العامل ويقوم الصانع ويقوم الماشي فكان للقيام لوازم عرفية مأخوذة من عوارضه اللازمة ولذلك أطلق مجازاً على النشاط في قولهم قام بالأمر، والإقامة :جعل الشيء قائما على طوله غير ساقط على عرضه فإن القيام هو الانتصاب ، والإقامة إفعال منه ، والهمزة للتعدية ثم نقل لفظ الإقامة في العرف:
1) تارة إلى تقويم العود فقيل: أقام العود إذا قومه ،أي: سواه وأزال اعوجاجه فصار شيئا مستقيما يشبه القائم ضد القاعد فكانت حقيقية عرفية [1]أو مجازا مشهورا [2] في تسوية الأجسام ، ثم استعير منها لتسوية المعاني و الأفعال كتعديل أركان الصلاة على ما هو حقها [3]،[ فالحاصل أن الإقامة بمعنى التسوية حقيقة في الأعيان والأجسام مجاز في المعاني والأفعال[4] ] .
2) وتارة لجعل السوق قائمة وترويجها وكذلك قامت الحرب، فقيل: قامت السوق، أي: نفَقت[5] وراجت و رغب فيها ، ونفاق السوق رواج ما فيها من الأمتعة وكثرة عمليات البيع والشراء وكثرة طلابها ،وأقمتها أي جعلتها رائجة بالبيع والشراء وهذا نصب لها أي إقامة ، فوجه اطلاق الإقامة على ترويج السوق أن رواج السوق كانتصاب الشخص: في حسن الحال والظهور التام ، فاستعمل لفظ القيام في رواجها ولفظ الإقامة في ترويجها فكانت الإقامة[6] حقيقية عرفية[7] أو مجاز مشهور[8] ثم استعيرت منه للمداومة على الشيء تشبيها لها به في أن كلا منهما مبني على الرغبة والاهتمام بشأن متعلقه .
3) وتارة يطلق القيام على التجلد والتشمر لأدائها بلا فترة عنها ولا توان أي يتشمرون لأدائها بلا فترة عنها ويشمرون ، لأن القيام بالأمر يدل على الاعتناء بشأنه ويلزمه التشمر والتجلد والاعتناء بشـأنه ، فإن قام به وأقامه في أصل اللغة بمعنى نصبه وجعله قائما منتصبا بعد سقوطه وهذا يكون مسببا عن الجد والتجلد والاجتهاد فإقامة الصلاة بمعنى التشمر لأدائها بالجد والاجتهاد مجاز مرسل كما سيأتي .
فتحصل أن في قوله تعالى يقيمون الصلاة ثلاثة أوجه الوجه الأول والثاني استعارة تصريحية تبعية وفي الوجه الثالث مجاز مرسل, وإليك بيانها:
1. الوجه الأول: رجحه الزمخشري وأبو السعود والبيضاوي

· معنى يقيمون الصلاة:يعدلون أركانها ويفعلونها سالمة عن الاعوجاج والميل عن الحالة التي شرعت عليها بأن يوقعوها مستجمعة للفرائض والواجبات مع الآداب والسنن ، يقال أقمت الشيء إقامة إذا وفيت حقه قال تعالى : لَسْتُمْ على شيء حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل أي توفوا حقهما بالعلم والعمل .
· من أقام العود إذا قومه وسواه وأزال اعوجاجه بحيث لم يبق فيه اعوجاج أصلا ، وصار شيئا مستقيما يشبه القائم ثم استعير منها لتسوية الأفعال والمعنى كتعديل أركان الصلاة على ما هو حقها ، ففيه استعارة تصريحية تبعية. .
و إ جراء الاستعارة أن يقال: شبه تعديل الأركان وتسويتها بتقويم العود وتسويته بإزالة اعوجاجه ، ثم استعير الإقامة من تسوية الأجسام لتسوية المعاني أي لتعديل أركان الصلاة على ما هو حقها، ثم اشتق من الإقامة بمعنى التعديل والتسوية للأركان يقيمون بمعنى يعدلون أركانها ويفعلونها سالمة عن الاعوجاج والميل عن الحالة التي شرعت عليها، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية .
2. الوجه الثاني:

معنى يقيمون الصلاة : يواظبون عليها ويداومون من قامت السوق إذا نفَقَت و رُغِب فيها وراج ما فيها من الأمتعة وكثرة طلابها [9] وحينئذ يهتم التجار بها ويرغبون فيها ويدامون ويواظبون عليها ويتنافسون فيها ، وأقمتها إذا جعلتها نافقة رائجة، ، ففيه استعارة تصريحية تبعية .
شبهت المحافظة والمواظبة والمداومة على الصلاة بإقامة السوق وترويجها بجامع الاهتمام بشأن متعلَّقه والرغبة فيه والتوجه إليه فإن كلاً من الإنفاق والمداومة يجعل متعلَّقه مرغوباً متنافساً فيه متوجهاً لأن الصلاة إذا حوفظ عليها، كانت كالشيء الرائج الذي تتوجه إليه الرغبات ويتنافس فيه المحصلون لأنها بالمحافظة التامة عليها تكون كالبضاعة الرائجة التي تتجه إليها الأنظار ويتنافس فيها التجار، وإذا عطلت وأضيعت ، كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه ثم استعيرت لفظة الإقامة للمواظبة والمحافظة والمداومة ثم حذف المشبه وترك المشبه به على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية ، واشتق من الإقامة بمعنى المحافظة والمداومة والمواظبة يقيمون بمعنى يحافظون يداومون ويواظبون على سبيل الاستعارة التبعية [10]، كما قال تعالى والذين هم على صلاتهم دائمون والذين هم على صلاتهم يحافظون [11]
3. الوجه الثالث: معنى يقيمون الصلاة يشمرون لأدائها بلا فترة عنها ، فالإقامة بمعنى التجلد و التشمر لأدائها بلا فترة عنها ولا توان من قولهم قام بالأمر وأقامه إذا جدّ فيه وتجلد واجتهد في تحصيله بلا توان ففي لفظ الإقامة مجاز مرسل من قبيل ذكر المسبب وإرادة السبب [12]ويجوز أن يكون من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم [13].وبيانه : أن القيام بالأمر يكون مسببا عن الاعتناء بشأنه والتشمر والتجلد فأطلق القيام على سببه فهو مجاز مرسل بعلاقة المسببية أو نقول: بأن القيام بالأمر يدل على الاعتناء بشأنه ويلزمه التشمر ، فأطلق القيام على لازمه فهو مجاز مرسل علاقته الملزومية وفي ضدّه : قعد عن الأمر ، وتقاعد عنه إذا تقاعس وتثبط أو أداؤها .

وصيغة يؤمنون و يقيمون تقتضي الدوام
الوجه الرابع:

والأوجه الثلاثة السابقة هي التي ذكرها الزمخشري والبيضاوي والآلوسي وهناك وجه رابع يكون فيه يقيمون استعارة تصريحية تبعية أيضا وهو مبني على المعنى الأصلي للقيام وهذا الأرجح عندي ومال له جمع من المحققين:
شبهت المواظبة على الصلوات والعناية بها وإيفاءها حقها والإتيان بها على أحسن احوالها ، وعدم تضييعها بجعل الشيء قائماً منتصبا مستقيما في أحسن أحواله ، لأن إقامة الشيء تستلزم لوازم عدة منها الاهتمام به ، وجعله على أحسن أحواله وأقدرها ، وجعله مستقيما غير معوج قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ومنه ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ومنه إقامة الشهادة وإقامة الجدار وإقامة الحدود ، فمعنى َيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ : يأتون بالصلوات الخمس في أحسن أحوالها وصورها قائمة معتدلة مستوية مقومة معدلة، كالإتيان بالشيء منتصبا معتدلا في أحسن أحواله لأنّ الشيء المضاع يكون مُلْقى ، ولذلك يقال له : شَيْء لَقًى ، ولأنّ الإنسان يكون في حال قيامه أقْدَر على الأشياء، وكذلك الأشياء عندما تقام تكون على أحسن أحوالها ، وذلك يكون بإتمام أركانها ، وواجباتها ، وشروطها وفى وقتها. وإقامتها باطنا بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها واستحضار عظمة الله تعالى في كل لفظ يذكره ويعبد الله بهذه العبادة ، كأنه يرى الله ، وتدبر ما يقوله ويفعله وخشوع وإتمام ، ولا يأتون بها معوجة بأن تكون بلا طهر، أو بلا خشوع ، أو بنقر أو التفات، أوفي غير وقتها ، أو بتهاون بها
.. والدليل على أن ذلك هو المراد بالإِقامة قوله تعالى : يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ [ المائدة : 68 ] أي حتى توفوهما حقهما من العلم والعمل ، وقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم [ المائدة : 66 ]


[1] كما رجحه شيخ زادة قال ابن عاشور: وشاع فيها حتى ساوى الحقيقة فصارت كالحقائق ولذلك صح بناء المجاز الثاني والاستعارة عليها.

[2] كما رجحه القونوي واجاز الشهاب الوجهين فقد جعل القونوي في الكلام استعارتين فالإقامة بالمعنى اللغوي جعل الشيء قائما أي منتصبا وهذا من خواص الأجسام ثم قيل اقام العود إذا قومه وأزال اعوجاجه فصار قويما يشبه القائم ثم استعير من تسوية الأجسام لتسوية المعاني أي كتعديل الأركان لزيادة المناسبة بين الحقيقي والمجازي ولو جعلت الاستعارة من تحصيل القيام في الأجسام لم تتحقق المناسبة بهذه المرتبة ـ ـ ولو جعل حقيقة عرفية فلا مناقشة لكن كلامه آب عنه

[3] قال زاده: "ولو كانت مجازا في تسوية لما جاز أن يستعار منها لتسوية الأفعال إذ لا وجه للمجاز من المجاز" قال القونوي ردا : ولقد أغرب من قال:" إنه لا يجوز تفرع المجاز عن مجاز آخر"

[4] وقيل الإقامة بمعنى التسوية حقيقة في الأعيان والمعاني فلا حاجة إلى الاستعارة لكن الراجح أنها حقيقة في الأجسام مجاز في المعاني

[5] قال نفقت السلعة نفاقا بالفتح كثر طلابها.

[6] فمعنى النفاق مجاز للقيام فالقيام مستعار فيه والإقامة استعملت في إنفاقها أي جعلها نافقة استعارة ثم استعيرت منه للمداومة وإنما لم تجعل الإقامة أولا للمداومة مع أنها المقصودة لعدم المناسبة بينهما فيحتاج إلى طول المسافة

[7] كما رجحه شيخ زادة

[8] كما رجحه القونوي واجاز الشهاب الوجهين ، فقد جعل القونوي في الكلام استعارتين فالإقامة بالمعنى اللغوي جعل الشيء قائما أي منتصبا وهذا من خواص الأجسام ثم قيل اقام العود إذا قومه وأزال اعوجاجه فصار قويما يشبه القائم ثم استعير من تسوية الأجسام لتسوية المعاني أي كتعديل الأركان لزيادة المناسبة بين الحقيقي والمجازي ولو جعلت الاستعارة من تحصيل القيام في الأجسام لم تتحقق المناسبة بهذه المرتبة ـ ـ ولو جعل حقيقة عرفية فلا مناقشة لكن كلامه آب عنه

[9] و نفقت السلعة نفاقا بالفتح: كثر طلابها ،ومقابله نامت السوق.

[10] ذكر الإمام الرازي: وجها مركبا من الأول والثاني.

[11] قال الآلوسي: وهذا معنى لطيف لا يقف عليه إلا الخواص إلا أن فيه تجوزاً من المجاز ، وكأنه لهذا مال الطيبي إلى أن في هذا الوجه كناية تلويحية حيث عبر عن الدوام بالإقامة فإن إقامة الصلاة بالمعنى الأول مشعرة بكونها مرغوباً فيها وإضاعتها تدل على ابتذالها كالسوق إذا شوهدت قائمة دلت على نفاق سلعتها ونفاقها على توجه الرغبات إليها وهو يستدعي الاستدامة بخلافها إذا لم تكن قائمة" انتهى والتلويح: كناية كثرت فيها الوسائط بين اللازم, والملزوم كما سبق في نحو: فلان كثير الرماد وهي : ما ينتقل الذهن منها إلى المقصود بواسطة, كما في قولنا: "زيد كثير الرماد" كناية عن أنه جواد سمح, فالمطلوب بهذه الكناية صفة هي "الجود" وبين كثرة الرماد وصفة الجود وسائط عدة لا بد من مراعاتها للوصول إلى هذه الصفة؛ فينتقل أولًا من كثرة الرماد إلى كثرة الإحراق، ومنها إلى كثرة الطبخ، ومنها إلى كثرة الأكلة، ثم إلى كثرة الضيفان، ومنها إلى "الجود" وقد تسمى تلويحًا3. وسميت الكناية تلويحا؛ لأن التلويح -في الأصل- أن تشير إلى غيرك من بعد, وكثيرة الوسائط بعيدة الإدراك غالبا.

[12] كما قال شيخ زاده

[13] كما قال الآلوسي: وعبارته:" ففيه مجاز مرسل من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم"