وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا
وَالضَّرْبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْتِقَاءِ ظَاهِرِ جِسْمٍ بِظَاهِرِ جِسْمٍ آخَرَ بِشِدَّةٍ، يُقَالُ ضَرَبَ بِعَصًا وَبِيَدِهِ وَبِالسَّيْفِ وَضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ إِذَا أَلْصَقَهَا بِهَا، وَتَفَرَّعَتْ عَنْ هَذَا مَعَانٍ مَجَازِيَّةٌ تَرْجِعُ إِلَى شِدَّةِ اللُّصُوقِ وَضَرَبَ قُبَّةً وَبَيْتًا فِي مَوْضِعِ كَذَا بِمَعْنَى شَدَّهَا وَوَثَّقَهَا مِنَ الْأَرْضِ.
[ ضربت عليهم الذلة اينما ثقفوا ] : وهذه استعارة مكنية
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة أي جعل ذلك محيطاً بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه ففي الكلام استعارة بالكناية حيث شبه ذلك بالقبة و( ضربت ) استعارة تبعية تحقيقية [عند الزمخشري] لمعنى الإحاطة والشمول[1] ، أو ألصق بهم من ضرب الطين على الحائط[2] ففي الكلام استعارة بالكناية حيث شبه بالطين ، و( ضربت ) استعارة تبعية تحقيقية لمعنى اللزوم واللصوق بهم [3]، وعلى الوجهين فالكلام كناية [عن نسبة] عن كونهم أذلاء متصاغرين ، وهذا الضرب مجازاة لهم على كفران تلك النعمة ، وبهذا ارتبطت الآية بما قبلها انتهى
· فقد شبّه الله تعالى الذلة والمسكنة بالقبة التي أحاطت أهلها فلازموها ملازمة شديدة ولم يغادروها فكانت الذلة والمسكنة بيتهم الذي لايغادرونه ولا يحولون عنه . وأحاطت بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه فهي محيطة بهم من جميع جوانبهم
شمول الذلة لهم ، وإحاطة المسكنة بهم ، كالخباء أو البيت المضروب أو القبة المضروبة على أهله مشتملة عليهم وعملت لهم لِيَلْزَمَوها فهم ماكثون تحته بحيث تحوطهم من كل جانب وتظلّهم.
· أي لزمهم الذل والهوان اينما وجدوا لزوما قويا وقضي عليهم به قضاء مستمراً لا يفارقهم ، ولا ينفصل عنهم لأنه يخبر عن الإلزام بالضرب؛ لأن للضرب تأثيرا ليس إلا إلزاما؛ فلما أراد أنهم ألزموا ذلة تبقى أثرها كبقاء أثر الضرب، عدل عن ذكر الإلزام إلى ذكر الضرب
قال ابن عاشور:
فقوله : وضربت عليهم الذلة والمسكنة استعارة مكنية إذ شبهت الذلة والمسكنة في الإحاطة بهم واللزوم بالبيت أو القبة يضربها الساكن ليلزمها وذكر الضرب تخييل لأنه ليس له شبيه في علائق المشبه .
ويجوز: أن يكون ضربت استعارة تبعية وليس ثمة مكنية بأن شبه لزوم الذلة لهم ولصوقها بلصوق الطين بالحائط ، ومعنى التبعية أن المنظور إليه في التشبيه هو الحدث والوصف لا الذات بمعنى أن جريان الاستعارة في الفعل ليس بعنوان كونه تابعاً لفاعل كما في التخييلية بل بعنوان كونه حدثاً وهو معنى قولهم أجريت في الفعل تبعاً لجريانها في المصدر وبه يظهر الفرق بين جعل ضربت تخييلاً وجعله تبعية وهي طريقة في الآية سلكها الطيبي في شرح الكشاف وخالفه التفتزاني وجعل الضرب استعارة تبعية بمعنى الإحاطة والشمول سواء كان المشبه به القبة أو الطين ، وهما احتمالان مقصودان في هذا المقام يشعر بهما البلغاء .
ثم إن قوله تعالى : وضربت عليهم الذلة ليس هو من باب قول زياد الأعجم :
إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج
لأن القبة في الآية مشبه بها وليست بموجودة والقبة في البيت يمكن أن تكون حقيقة فالآية استعارة وتصريح والبيت حقيقة وكناية كما نبه عليه الطيبي وجعل التفتزاني الآية على الاحتمالين في الاستعارة كناية عن كون اليهود أذلاء متصاغرين وهي نكت لا تتزاحم . قال الراغب : قال : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ التحفتهم الذّلّة التحاف الخيمة بمن ضُرِبَتْ عليه ، وعلى هذا : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ [آل عمران / 112] ، ومنه استعير : فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً


[1] الذين رجحوا هذا القول : الصابوني والخازن والسامرائي والرضي والشوكاني والراغب والصابوني وكذا الكشاف وأبو السعود في آل عمران وقدموه [أي الكشاف وأبو السعود والبيضاوي هنا ]

[2] رجحه ابن كثيرو زاد المسير و الطبري ومكي و أبو حيان و التسهيل والعسكري

· [3] ألصِقتا بهم وجعلتا ضربةَ لازبٍ لا تنفكان عنهم مجازاةً لهم على كُفرانهم وأثبتت بشدة والتزام مؤكد
· مِنْ ضَرْبِ الطينِ على الحائط بطريق الاستعارة بالكناية أي وضعت عليهم وألزموها قدرًا وقضي عليهم بذلك فلا يزالون عليها
· والعرب تخبرعن الإلزام بالضرب؛ لأن للضرب تأثيرا ليس إلا إلزاما؛ فلما أراد أنهم ألزموا ذلة تبقى أثرها كبقاء أثر الضرب، عدل عن ذكر الإلزام إلى ذكر الضرب أي : ألزموها ،