قال في محاسن التأويل :
احتج من جوز المعصية على الأنبياء - وهم الكرامية والباقلاني - بما جرى من إخوة يوسف وبيعهم أخاهم وكذبهم لأبيهم ، وبما وقع من يوسف نفسه من أخذه أخاه وإيحاشه أباه .

قال الإمام أبو محمد بن حزم في " الملل والنحل " :
ما احتجوا به لا حجة فيه ؛ لأن إخوة يوسف ، ، لم يكونوا أنبياء ، ولا جاء قط - في أنهم أنبياء - نص لا من قرآن ، ولا من سنة صحيحة ، ولا من إجماع ، ولا من قول أحد من الصحابة ! فأما يوسف فرسول الله بنص القرآن ، قال : وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ إلى قوله : مِنْ بَعْدِهِ ، وأما إخوته فأفعالهم تشهد بأنهم لم يكونوا متورعين عن العظائم ، فكيف أن يكونوا أنبياء ؟ ! ولكن الرسولين - أباهم وأخاهم - قد استغفرا لهم وأسقطا التثريب عنهم !
وبرهان ما ذكرنا - من كذب من يزعم أنهم كانوا أنبياء - قول الله تعالى حاكياً عن الرسول أخيهم أنه قال لهم : أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً ، ولا يجوز البتة أن يقوله لنبي من الأنبياء ، نعم ، ولا لقوم صالحين ! ؛ إذ توقير الأنبياء فرض على جميع الناس ؛ لأن الصالحين ليسوا شراً مكاناً ، وقد عق ابن نوح أباه بأكثر مما عق به إخوة يوسف أباهم ، إلا أن إخوة يوسف لم يكفروا . ولا يحل لمسلم أن يُدخل في الأنبياء من لم يأت نص ولا إجماع أو نقل كافٍ بصحة نبوته ! ولا فرق بين التصديق بنبوة من ليس نبياً ، وبين التكذيب بنبوة من صحت نبوته منهم ! فإن ذكروا في ذلك ما روي عن بعض الصحابة وهو زيد بن أرقم : ( إنما مات إبراهيم ابن رسول الله ؛ لأنه لا نبي بعد رسول الله وأولاد الأنبياء أنبياء ! فهذه غفلة شديدة وزلة عالم ، من وجوه :
أولها : أنه دعوى لا دليل على صحتها ! .
وثانيها : أنه لو كان ما ذكر لأمكن أن ينبأ إبراهيم في المهد كما نبئ عيسى ، وكما أوتي يحيى الحكم صبياً ؛ فعلى هذا القول لعل إبراهيم كان نبياً ، وقد عاش عامين غير شهرين ، وحاشا لله من هذا . . ! .
وثالثها : أن ولد نوح كان كافراً بنص القرآن : عمل عملاً غير صالح . فلو كان أولاد الأنبياء أنبياء لكان هذا الكافر المسخوط عليه نبياً . وحاشا لله من هذا . . ! .
ورابعها : لو كان ذلك ، لوجب ولا بد أن تكون اليهود كلهم أنبياء إلى اليوم ، بل جميع أهل الأرض أنبياء ؛ لأنه يلزم أن يكون الكل من ولد آدم لصلبه أنبياء ؛ لأن أباهم نبي ، وأولاد أولادهم أنبياء ؛ لأن آباءهم أنبياء وهم أولاد أنبياء ، وهكذا . . . أبداً حتى يبلغ الأمر إلينا ! وفي هذا من الكفر لمن قامت عليه الحجة وثبت عليه ما لا خفاء به . وبالله تعالى التوفيق . . !
ثم قال ابن حزم :
وذكروا - يعني الكرامية ومن وافقهم - أيضاً أخذ يوسف أخاه ، وإيحاشه أباه منه ، وأنه أقام مدة يقدر فيها على أن يعرف أباه خبره وهو يعلم ما يقاسي به من الوجد عليه فلم يفعل ، وليس بينه وبينه إلا عشر ليال ! وبإدخاله صواع الملك في وعاء أخيه ، ولم يعلم بذلك سائر إخوته ، ثم أمر من هتف : أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ، وهم لم يسرقوا شيئاً ، ويقول الله تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ ، وبخدمته لفرعون ، وبقوله للذي كان معه في السجن : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك .
قال ابن حزم : وكل هذا لا حجة لهم في شيء منه ، ونحن نبين ذلك بحول الله تعالى وقوته ، فنقول وبالله تعالى نتأيد : أما أخذه أخاه وإيحاشه أباه منه فلا شك في أن ذلك ليرفق بأخيه وليعود إخوته إليه ، ولعلهم لو مضوا بأخيه لم يعودوا إليه وهم في مملكة أخرى ، وحيث لا طاعة ليوسف ولا لملك مصر هنالك ، وليكون ذلك سبباً لاجتماعه وجمع شمل جميعهم ! ولا سبب إلى أن يظن برسول الله يوسف الذي أوتي العلم والمعرفة بالتأويل - إلا أحسن الوجوه . وليس مع من خالفنا نص بخلاف ما ذكرنا . ولا يحل أن يظن بمسلم فاضل عقوق أبيه ، فكيف برسول الله صلوات الله عليه ؟ ! وأما ظنهم - أنه أقام مدة يقدر فيها على تعريف أبيه خبره ولم يفعل - فهذا جهل شديد ممن ظن هذا ؛ لأن يعقوب في أرض كنعان من عمل فلسطين ، في قوم رحالين خصاصين في لسان آخر وطاعة أخرى ودين آخر وأمة أخرى ! فلم يكن عند يوسف علم بعد فراقه أباه بما فعل ، ولا حي هو أو ميت ؛ أكثر من وعد الله تعالى بأن ينبئهم بفعلهم به ، ولا وجد أحداً يثق به ، فيرسل إليه ؛ للاختلاف الذي ذكرنا . وإنما يستسهل هذا اليوم من يرى أرض الشام ومصر لأمير واحد وملة واحدة ، ولساناً واحداً وأمة واحدة ، والطريق سابل ، والتجار ذاهبون وراجعون ، والرفاق سائرة ومقبلة ، والبُرُد ناهضة وراجعة ، فظن كل بيضاء شحمة ولم يكن الأمر حينئذ كذلك ، ولكن كما قدمنا ، ودليل ذلك أنه حين أمكنه لم يؤخره ، واستجلب أباه وأهله أجمعين عند ضرورة الناس إليه ، وانقيادهم له للجوع الذي كان عمَّ الأرض ، وامتيازهم عنده ، فانتظر وعد ربه تعالى الذي وعده حين ألقوه في الجب ، فأتوه ضارعين راغبين كما وعده تعالى في رؤياه قبل أن يأتوه . وأما قول يوسف لإخوته : إِنَّكُم لَسَارقُونَ وهم لم يسرقوا الصواع ، بل هو الذي كان قد أدخله في وعاء أخيه دونهم ؛ فقد صدق ؛ لأنهم سرقوه من أبيه وباعوه ، ولم يقل : إنكم سرقتم الصواع ، وإنما قال : نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِك ، وهو في ذلك صادق ؛ لأنه كان غير واجد له ، فكان فاقداً له بلا شك ! وأما خدمته لفرعون فإنما خدمه تقية ، وفي حق لاستنقاذ الله تعالى بحسن تدبيره ، ولعل الملك أو بعض خواصه ، قد آمن به إلا أن خدمته له على كل حال حسنة وفعل خير ، وتوصل إلى الاجتماع بأبيه وإلى العدل وإلى حياة النفوس ؛ إذ لم يقدر على المغالبة ولا أمكنه غير ذلك ، ولا مرية في أن ذلك كان مباحاً في شريعة يوسف بخلاف شريعتنا ، قال الله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً . وأما سجود أبويه فلم يكن ذلك محظوراً في شريعتهما بل كان فعلاً حسناً ، وتحقيق رؤياه الصادق من الله تعالى . ولعل ذلك السجود كان تحية كسجود الملائكة لآدم . إلا أن الذي لا شك فيه أنه لم يكن سجود عبادة ولا تذلل ، وإنما كان سجود كرامة فقط بلا شك . وأما قوله للذي كان معه في السجن : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ، فما علمنا الرغبة في الانطلاق من السجن محظورة على أحد ، وليس في قوله ذلك دليل على أنه أغفل الدعاء إلى الله ، لكنه رغَّب هذا الذي كان معه في السجن في فعل الخير وحضه عليه ! وهذا فرض من وجهين : أحدهما : وجوب السعي في كف الظلم عنه . والثاني : دعاؤه إلى الخير والحسنات . وأما قوله تعالى : فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ، فالضمير الذي في ( أنساه ) وهو الهاء راجع إلى الفتى الذي كان معه في السجن ، أي : أن الشيطان أنساه أن يُذكر ربه أمر يوسف . ويحتمل أيضاً أن يكون أنساه الشيطان ذكر الله تعالى ، ولو ذكر الله لذكر حاجة يوسف ، وبرهان ذلك قول الله : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ فصح يقيناً أن المذكر بعد أمة هو الذي أنساه الشيطان ذكر ربه حتى تذكر . وحتى لو صح أن الضمير من أنساه راجع إلى يوسف ؛ لما كان في ذلك نقص ولا ذنب ؛ إذ ما كان بالنسيان فلا يبعد عن الأنبياء ! وأما قوله : هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ ، فليس كما ظن من لم يمعن النظر حتى قال من المتأخرين من قال : ( إنه قعد منها مقعد الرجل من المرأة ) ومعاذ الله من هذا أن يظن برجل من صالحي المسلمين أو مستوريهم ! فكيف برسول الله ! ! فإن قيل : إن هذا قد روي عن ابن عباس من طريق جيدة الإسناد ، قلنا : نعم ! ولا حجة في قول أحد إلا فيما صح عن رسول الله فقط ! والوهم في تلك الرواية إنما هي بلا شك عمن دون ابن عباس ، أو لعل ابن عباس لم يقطع بذلك ، إذ إنما أخذه عمن لا يدرى من هو ، ولا شك في أنه شيء سمعه فذكره ؛ لأنه لم يحضر ذلك ولا ذكره عن رسول الله ، ومحال أن يقطع ابن عباس بما لا علم له به ! لكن معنى الآية لا يعدو أحد وجهين : إما أنه همَّ بالإيقاع بها وضربها ، كما قال تعالى : وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ، وكما يقول القائل : لقد هممت بك ، لكنه امتنع من ذلك ببرهان أراه الله إياه استغنى به عن ضربها ، وعلم أن الفرار أجدى عليه وأظهر لبراءته ، على ما ظهر بعد ذلك من حكم الشاهد بأمر قدِّ القميص . والوجه الثاني : أن الكلام تم عند قوله : ولَقَدْ همَّتْ بهِ ثم ابتدأ تعالى خبراً آخر فقال : وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ وهذا ظاهر الآية بلا تكلف تأويل ، وبهذا نقول . وبرهان ربه ها هنا : هو النبوة وعصمة الله إياه ، ولولا البرهان لكان يهم بالفاحشة ، وهذا لا شك فيه ! ولعل من ينسب هذا إلى النبي المقدس يوسف ؛ ينزه نفسه الرذلة عن مثل هذا المقام فيهلك . وقد خشي النبي الهلاك على من ظن به ذلك الظن ؛ إذ قال للأنصاريين حين لقيهما : هذه صفية ومن الباطل الممتنع أن يظن ظان أن يوسف همَّ بالزنى وهو يسمع قول الله تعالى : كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ فنسأل من خالفنا عن الهمِّ بالزنى : سوء هو أم غير سوء ؟ فلا بد أنه سوء ، ولو قال : إنه ليس بسوء لعاند الإجماع ، فإذ هو سوء ، وقد صرف عنه السوء ، فقد صرف عنه الهم بيقين ! وأيضاً فإنها قالت : مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً وأنكر هو ذلك فشهد الصادق المصدق : إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، فصح أنها كذبت بنص القرآن ، وإذ كذبت بنص القرآن فما أراد بها قط سوءاً ، فما همَّ بالزنى قط . ولو أراد بها الزنى لكانت من الصادقين ، وهذا بيِّنٌ جداً ، وكذلك قوله تعالى عنه أنه قال : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ [ يوسف : من الآية 33 ] فصح عنه أنه قط لم يصْبُ إليها .انتهى كلام ابن حزم عليه الرحمة والرضوان .