في هذا الموضوع أضع بين أيديكم وجها محتملا للفرق بين الآيات المحكمات والآيات الأخر المتشابهات المذكورة في سورة آل عمران ، منبها على أن ما ذهبت إليه هو قول في المسألة يُضم إلى آراء العلماء السابقة وأن أفضل تفيسير هو ما يجمع بين الآراء ويوفق بينها .

ما من تشريع شرعة الله ولا أمر أمرنا به ولا نهى نهانا عنه إلا لحكمة وغاية نافعة قال تعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ، وبعض هذه التشريعات قد بين الله حكمتها وغايتها وعلتها حين فرضها على الناس وبعضها لم يبين ما هي الحكمة أو الغاية منها ، مثال ذلك أننا نعلم علة تحريم الخمر وهي أنها تذهب العقل وتوقع العداوة والبغضاء بين الناس ، بينما لما حرم الله لحم الخنزير لم يذكر لنا الغاية من هذا التحريم.

وهذه مقارنة بسيطة بين التشريعات التي نعلم غايتها وحكمتها وبين التشريعات التي لا نعلم غايتها أو حكمتها.
1- إن التشريعات والأحكام التي نعلم غايتها وحكمتها هي أقل عرضة للنقد والطعن من قبل أعداء الإسلام أما التشريعات والأحكام التي نجهل غايتها وحكمتها فهي مصدر إشكال يمكن أن يثيره من يريد تشكيك الناس في دينهم .
2- إن التشريعات التي نعلم حكمتها وغايتها يمكن أن نقيس عليها أحكاما أخرى لم تذكر صراحة بينما التشريعات التي لا نعلم حكمتها وغايتها لا يمكن أن ينقاس عليها حكم فقهي آخر ، ذلك أن هذا القياس يستلزم معرفة الغاية التشريعة ، فمثلا إذا كنا نعلم أن الله حرم الخمر لأنها تذهب العقل فيلزم ذلك أن يكون الهيروين والأفيون الخ حرام لأن هذه الأشياء أيضا تذهب العقل ، بينما لا يمكننا أن نحرم لحم كائن حي آخر قياسا على تحريم لحم الخنزير لأننا لا نعلم ما الحكمة من تحريم لحم الخنزير.

وهنا نعلم العلة من ذكر الغاية التشريعية أحيانا وعدم ذكرها أحيانا ، إن ما ذكر غايته التشريعية يعد أصلا لأحكام أخرى تنقاس عليه ، بينما ما سكت عنه القرآن ولم يذكر غايته التشريعية فلا ينقاس عليه حكم آخر.

إن التطابق بين هذه الصورة السابقة وبين ما حكاه القرآن في سورة آل عمران عن الآيات المحكمات والآيات المتشابهات هو تطابق تام ، دعونا نبين ذلك :قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَبينا سابقا أن الكتاب إنما يطلق ويراد به ما في التنزيل من أحكام وتشريع ، أنظر(http://vb.tafsir.net/tafsir46599/#.VyIaONR97EY) ،

مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ ، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ لما كانت بعض التشريعات معلومة الغاية والحكمة فهي محكمة لا تكون مصدر اشتباه على الناس كما في التشريعات مجهولة الغاية والحكمة.

مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ إن التشريعات التي نعلم غايتها وحكمتها يمكن أن ينقاس عليها أحكام أخري فهي أصل ومرجع (أم) لتشريعات أخرى . بينما التشريعات التي لا نعلم غايتها ولا حكمتها ليست أمًّا لأحكام أخرى.

أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ - ما هو التأويل ؟ نذكر أن الرجل الصالح لما قال لموسى سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا - نذكر أنه أخبره بالحكمة والغاية من أفعاله التي فعلها ، فتأويل الحكم هو ذكر غايته وحكمته وهدفه ومآله . (راجع الآيات في سورة الكهف)

ونذكّر مرة أخرى أن هذا مجرد وجه من الوجوه وأن أفضل تفسير هو ما يجمع بين الوجوه ويوفق بينها.
والله أعلم