عِلم أصول الفقه من أهمِّ عُلوم الآلة . وقد صدق الإمام ابن دقيق العيد(ت: 702هـ ) تعالى حين قال : “هو العلم الذي يَقضِي ولا يُقضى عليه"

وكان المحقِّقون قديماً يُلقِّبونه بالعلم الذي نَضج ولم يحترق ، كنايةً على ضرورة سَبر أغواره وتحقيق مسائله .

ومن المؤسف هجر بعض طلبة العلم لهذا العلم النافع اليوم ، واستبدالهم له بفنِّ التغريد في مواقع التواصل الإجتماعي: تويتر والفيس بوك ، ونحوها من الفنون الدنيوية المرذولة ، حتى ضاعت الأوقات وماتت الهمم ! .


وإذا تمكَّن طالب العلم من إتقان هذا الفن فإنه يسهل عليه الإجتهاد والإفتاء وتأصيل المسائل والحكم على النوازل .

لكن يجب تلقِّي هذا العلم على متقنٍ لمسائله ومباحثه .

وقد قال أبو عليّ الثّقفي(ت: 328هـ) تعالى:” لو أنّ رجلاً جمع العلوم كلّها وصحب طوائف النّاس ، لا يبلغ مبلغ الرّجال إلاّ بالرّياضة من شيخٍ أو إمامٍ أو مؤدّبٍ ناصحٍ ، ومن لم يأخذ أدبه من آمرٍ له وناهٍ ، يُريه عيوب أعماله ورعونات نفسه ،لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات” .

وقد كانت لي تعليقات مُختصرة على كتاب ” تلخيص روضة الناضر ” للإمام البعلي (ت: 709هـ ) تعالى، حتى ضاق بها الكتاب ، فأفردتُها في دفترٍ خاصٍ إنتفعتُ به كثيراً مع مرور الأيام والليالي . وكنتُ كلما استوعبتُ فصلاً أو مسألةٍ في كتب أصول الفقه الأخرى ، أعودُ إلى دفتري القديم ، فأُنقِّح وأُلخِّص وأُهذِّب حتى استوى ونضج بعون الله وتوفيقه .

وقد سمَّيتُه ” مُتعة الساهر في التعليق على تلخيص روضة الناظر “. اسأل الله أن ينفع بها وأن يبارك في حروفها.

وقد حذفتُ منه هنا التعليقات والمباحث المطوَّلة ، وهي حوالي عشر ورقات ، واكتفيتُ بالتعليقات المقتضبة ، لأنها للقارىء الخالي الذهن أنفع .

ولي مقالة كتبتها قديماً وفيها تأصيل مهم لمسائل أصول الفقه بعنوان ، تصحيحات أصولية ، فليراجعها من أحبَّ في مدونتي .

وهناك تنبيه مهم هنا وهو أن مسائل أصول الفقه يجب شرحها شرحاً تطبيقياً بالدليل ، وإلا فإنها فلسفة لا تُسمنُ ولا تُغني من جوع.


1- قال الإمام البعلي : ” مدارك العقول منحصرةٌ في الحدِّ والبُرهان” .
تعليقي : ذَكر مدارك العقول ولم يذكر مدارك العلوم ، وهي ثلاثة : الحِس والخبر والنظر . وفي حاشية الدرة المضية للسفاريني شرح للقسمين كما قال الناظم :
مدارك العلوم في العِيان .. محصورةٌ في الحدِّ والبرهان . وقال قوم عند أصحاب النظر .. حس وإخبار صحيح النظر وشرحها كلها مستوفى عند الغزالي في المستصفى ، والشيرازي في الُّلمع ، والرازي في المحصول، وفي كتب المنطق والجدل القديمة والحديثة .
وبعض طلبة العلم يُزهِّد في المقدمة المنطقية ، وهذا خطأ ظاهر وغلط جائر . وأذكر أنني حضرتُ مرة من المرات مجلساً من مجالس العلم فقال أحد الطلبة : إن علم المنطق شوَّه جمال أصول الفقه ! ، فقلتُ عندي سؤال ، فقال تفضل ، قلت : محمد رسول الله ، هل هذا من العلم الضروري أم من النظري ؟ ، فلم يعرف الإجابة ! .
فقلت : العلم قِسمان ضروري مثل : الكعبة قبلة المسلمين ،ومحمد رسول الله ، ونظري مثل : الدم طاهر ، وعرق الآدمي طاهر.
فمثل هذه الأدوات تساعد على فهم الكلام ومعانيه .
ومن أراد تسهيل المقدِّمة المنطقية فليقرأها من تلخيص روضة الناظر ، ثم يطبقها على مفردات قصة موسى مع فرعون ، وكذلك أحكام النبي صلى الله عليه وسلم وأقضيته التي قضى بها بين الناس فسيجد انشراحاً لمعانيها ومفرداتها .
فمثلا مدارك اليقين خمسة عند المناطقة والأصوليين : الأوليات والمشاهدات والمحسوسات والتجريبيات والمتواترات . وهي موجودة في قصة يوسف مع امرأة العزيز ومع إخوته . وقِس على هذا بقية المسائل المنطقية الأخرى .
لكن يجب التنبيه إلى أن الفرق المنحرفة عن منهج السلف كالأشاعرة والمعتزلة ،كيَّفوا بعض هذه المصطلحات المنطقية عن حقيقتها الأصلية لنصرة مذهبهم .
فمصدر التلقي عندهم هو العقل، كما صرَّح أئمتهم : الجويني والرازي والبغدادي والغزالي والآمدي والإيجي وابن فورك والسنوسي وشراح الجوهرة وغيرهم من المعاصرين ، بتقديم العقل على النقل عند التعارض، ، ومن أولئك القدامى من حقَّق بأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة أصل من أصول الجهل .
وقد صرَّح أئمتهم أن نصوص الكتاب والسنة ظنية الدلالة، ولا تفيد اليقين إلا إذا سَلمت من عشرة عوارض.
منها: الإضمار والتخصيص والنقل والاشتراك والمجاز. إلخ، وسلمت بعد هذا من المعارض العقلي.
والأشاعرة ينكرون الربط العادي بإطلاق، وأن يكون شيءٌ يؤثِّر في شيء، وأنكروا كل “باء سببية” في القرآن، وكفروا وضلَّلوا من خالفهم .
وحجتهم فيها هو مأخذهم في القَدر، فمثلاً عندهم من قال: إن النار تحرق بطبعها أو هي علة الإحراق ، فهو كافر مشرك؛ لأنه لا فاعل عندهم إلا الله مطلقاً، بدليل أن أحد علماء النحو في الأندلس من دولة الموحدين الأشاعرة سفَّه نظرية العامل عند النحاة ، زاعماً أن الفاعل هو الله .
والأشاعرة ينكرون أن يكون لشيء من أفعال الله تعالى علة مشتملة على حكمة تقضي إيجاد ذلك الفعل أو عدمه، وهو معارضة لقول المعتزلة بالوجوب على الله؛ حتى أنكر الأشاعرة كل لام تعليل في القرآن، وقالوا: إن كونه يفعل شيئاً لعلة ، ينافي كونه مختاراً مريداً.
وجوَّزوا بذلك أن يُدخل الملائكة والنبييِّن النار ، وأن يُدخل إبليس والمجرمين الجنة ، وهذا لازم قولهم ، إلا النادر منهم.
2-ذكر الإمام البعلي أن من أقسام البرهان السبر والتقسيم ومثَّل لها بقوله ” العالم إما حادث وإما قديم “ولم يُدلِّل على حدوث العالم ولم يحتج له . ودليله قول الله تعالى: “أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ”( الطور: 35) وقوله تعالى : “صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ”(النمل: 88 ) .
3- قال الإمام البعلي ” وإذا إستدللتَ بالعلة على المعلول فهو برهان علة ، وإن إستدللت بالمعلول على العلة فهو برهان دلالة “. المقصود من هذا تقسيم أنواع البرهان لمعرفة طريقة الردِّ به على الفرق والجماعات المنحرفة . وفي أغلب كتب ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى إستعمال كثير لهذه المصطلحات المنطقية لتفنيد شُبه الفلاسفة وأهل الضلال .
ومن الواجب هنا التنبيه على المقولات العشر وهي المصطلحات التي يستدل بها الفلاسفة وبعض الفرق للرود على إثبات الصفات وغيرها ، وهي: الجوهر والعرض واللون والنسبة والمكان والزمان والحال والملكية والفعل والإنفعال. وهي مجموعة في بيتين:
زَيْدٌ الطوِيلُ الأَزْرَقُ ابْنُ مَالِكِ فِي بَيْتِهِ بِالأَمْسِ كَانَ مُتَّكِي
بِيَدِهِ غُصنٌ لَوَاهُ فَالْتَوَى فَهَذِهِ عَشرُ مَقُولاَتٍ سُوَى
4- قال الإمام البعلي في الفرق بين الواجب والفرض : “وعن أحمد أن الفرض آكد من الواجب ” قلت الصحيح عند الجمهور أنه لا يصح التفريق بينهما. فمعناهما واحد . والدليل حديث أبي محيريز أن رجلاً من بني كنانة يُدعى المخدجي سمع رجلاً بالشام يُدعى أبا محمد يقول : إن الوتر واجب ، قال المخدجي : فرحتُ إلى عبادة ابن الصامت فأخبرته فقال عبادة : كذب . يعني أخطأ ، سمعت رسول الله يقول : ” خمس صلوات كتبهن الله على العباد .. ” أخرجه أبو داود بإسناد صحيح .
وكان الإمام أحمد يفرق بين الفرض والواجب تورعاً كما نقل عنه الإمام ابن رجب .
5- قال الإمام البعلي : ” أنكر الحنفية التوسيع ” . المقصود أنهم أنكروا الواجب الموسَّع ، وهذا غير دقيق ، فالأحناف يوافقون الجمهور في أن الواجب يُؤدَّى في جميع الوقت . ولعله يقصد بعض المتأخرين من الأحناف. ولم يردّ الشيخ عليهم . ويرد عليهم بالحديث المرفوع : ” الوقت فيما بين هذين الوقتين ” أخرجه ابن ماجة .
6- قول الإمام البعلي : ” لو ذهل عن العزم لم يكن عاصيًا” . يقصد من عزم على فعل واجبٍ موسعٍ ثم نسي أو مات ، فليس بعاصٍ، لأن نيته الأداء . ولم يستدل على هذا التقرير ، والراجح أنه يأثم إن فرط في تأخير الأداء أو تشاغل بما لا يجوز . لقول الله تعالى : ” فاستبقوا الخيرات ( البقرة : 148 ) .
7-قول الإمام البعلي : ” الغافل لا يُكلَّف ” المقصود بالغفلة النوم والنسيان والجنون والإغماء . فيمتنع التكليف لإرتفاع الأهلية الشرعية .
8- يستدرك على الإمام البعلي في مسألة الواجب ما يلي :
بعض الواجبات قد تكون عقوبة كقول الله تعالى : ” ويضع عنهم إصرهم والأغلالَ التي كانت عليهم ” ( الأعراف : 157) . وإذا تزاحم واجبان قُدِّم آكدهما . والزيادة على الواجب من جنسه مندوبة ، ولها تفصيل ذكره ابن بدران في كتابه المدخل .
9- مسألة الإشتباه بين واجب وغيره أشار إليها الإمام البعلي لكن لم يُحرِّرها في نظري . فإشتباه الميتة بمذكاة الصحيح أنه يجب ترك الجميع ، لأن الأصل في الذبائح التحريم . وإختلاط الأخت بالأجنبية ، يجب ترك الإثنتين لأن الأصل في الأبضاع التحريم . واشتباه الماء الطهور بنجس يُحرِّم إستعمالهما . هذا هو الراجح في مسألة الإشتباه .
10- قول الإمام البعلي : ” المباح ما أذن الله في فعله ” يستدل بعض الناس على إباحة التعدد بآيات الإباحة المطلقة . لكن علماء الأصول قيدوا جواز الإنتفاع بعدم الضرر ، فإن تحقق وقوع الضرر وجب الكفُّ عن الإسترسال في المباح حتى لا ينقلب محرماً . ومن القواعد هنا أن المسكوت عنه في الشرع لسنا مأمورين بفعله ، ولا إجتنابه إلا إذا ترجحت المفسدة .
11- قول الإمام البعلي : ” أنكر المعتزلة المباح ” لم يُحرِّر الرد عليهم . فيقال ثبوت دليل الشرع حجة عليكم .فإن كان عندكم نص ناقل للحكم فبيِّنوه . وإعتقاد إباحته عبادة يجب العمل بها ، فهذا تكليف تعبدي لا يجوز ردُّه .
وبعض أهل العلم يقول إن الكعبي المعتزلي أراد المباح الذي يتوصل به الى واجب ، فيكون الخلاف لفظياً .
12-الإجماع :يستدرك على تلخيص البعلي لمسائله جملة مسائل: الإجماع لا يكون بالعقل ، بل بالنص أو بالمشافهة والمشاهدة . وقول العامي لا يُعتدُّ به في الإجماع ، لأنه لا يعرف الأدلة ولا طرقها.
13- مراسيل الصحابة : يُستدرك على تلخيص البعلي هنا ما يلي: صفة مراسيل الصحابة أنهم يروون روايات لم يسمعوها شِفاها عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بل من صحابي آخر . وهي عديدة عند ابن عمر وابن عباس .
14- رواية الحديث بالمعنى : يستدرك على تلخيص البعلي لهذه المسألة أن لفظ الأذان لا تجوز روايته بالمعنى لأن الله تعبَّدنا به . ومثله التكبير والتشهد .
15- مسألة الرواية : يستدرك على البعلي في تلخيصه مسألة إذا عمل الراوي بخلاف الحديث الذي رواه .
فيجب عليه العمل بالحديث الذي رواه ويترك عمل الراوي مطلقاً ، لأن الراوي قد توفرت فيه شروط الرواية . وقول الرسول حجة وقول الراوي وعمله ليس بحجة.
16-القياس : أن تحقيق المناط وتنقيح المناط تُقرُّ به الظاهرية النافين للقياس . أما تخريج المناط فتنكره الظاهرية ويُقرُّ به جماهير العلماء .
17- قياس الشبه : يستدرك على البعلي أنه الوصف المُتردِّد بين المناسبة وعدمها ، وهو من أصعب مسالك العلة وأدقها فهماً . مثاله : العبد إذا قُتل هل تلزم فيه القيمة أم الدِّية ؟ .
18- العلة : يُستدرك على البعلي أن قوادح العلة أنواع :
أ- عدم الاصابة في تحديد علة الحكم
ب-إضافة أوصاف للعلة لا علاقة لها بالعلة
ج- حذف أوصاف للعلة .
19- ويُستدرك على البعلي أيضاً ، أنه يقُدَح في الحكم بعدة إعتبارات شرعية : أن يثبت الحكم بالقياس وليس بالنص . أن يتخلَّف الحكم مع وجود العلة . أن يكون الحكم شاملاً حكم الفرع . وأن يكون الحكم منسوخاً .
20- يُستدرك على البعلي في مسألة التفريق بين الفاسد والباطل . أن الفاسد هو الباطل عند جمهور العلماء خلافاً للأحناف . فالأحناف قالوا الباطل ما كان النهي عنه لذاته مثل بيع الخنزير . والفاسد ما كان النهي عنه لوصف كبيع الريال بالريالين . وتعريفهم هذا مثل تعريف الفرض والنافلة ، يعني على قاعدته . فلا يُسلَّم لهم هذا . كما قال ابن تيمية في ردِّه عليهم .
21- يُستدرك على البعلي في مسألة السبر والتقسيم : أن من الشروط التي يجب أن تتوفر في السبر والتقسيم : أن يكون الأصلُ مُعلَّلاً ، وأن يمكن حصر جميع ما يُعلَّل به الأصل ، وإثبات أن الأوصاف المُلغاة لا تصلح للتعليل ، وأن يستثنى الوصف الطردي الذي لا قيمة له .
22- يُستدرك على البعلي في مسألة الطرد والعكس . أن الطرد والعكس والدوران هي مرادفات للدوران الوجودي وهو تعلُّق الحكم وجوداً وعدماً بالوصف .
23- يستدرك على البعلي في مسألة العلة . أن العلة هل هي الوصف الظاهر في الحكم ؟ . هذه المسألة ردَّ فيها ابن تيمية على الأحناف في قولهم إن العلة هي الوصف المشتمل على الحكمة .
24- يستدرك على البعلي في القياس . أن سبع مسائل اختلف في جريان القياس فيها : الحدود والكفارات والتقادير والرخص والأسباب والشروط والموانع.
25- يستدرك على البعلي أيضاً أن القياس في الأعلام والصفات لا يجوز بإتفاق أهل العلم .
26- يُستدرك على البعلي في مسألة الشرط . أن الشرط لا يقتضي الحكم ، ولكن هو لبيان زمن تنفيذ الحكم . والعلة مناط الحكم فيوجد الحكم بوجودها وينعدم بعدمها . فيكون إثبات الحكم متوقفاً على وجود العلة .
27- يستدرك على البعلي في مسألة الجمع . أن أقل الجمع الصحيح فيها أنه ثلاثة . ومن استدل بقول الله تعالى: ” هذان خصمان اختصموا في ربِّهم ” ( الحج : 19 ) .فمردود لأن هذه الآية نزلت في ستة نفر كما قال ابن كثير وغيره.
28- يستدرك على البعلي في مسألة العموم . أن الأحناف يعتقدون أن عموم القرآن وخبر الآحاد قطعي الدلالة ، خلافاً لمالك وأحمد والشافعي . رحم الله الجميع .
والأحناف قالوا إن عام القرآن تُخصِّصه السنة الآحادية ، والمالكية قالوا إن عام القرآن لا يُخصَّص بأخبار الآحاد إلا إذا جاء معه عمل أهل المدينة . وبهذا تسبَّبوا في ردِّ الأحاديث الصحيحة ، لأن السنة عندهم تُخصِّص أخبار الآحاد .
29- يستدرك على البعلي في مسألة المنطوق . أن مفهوم الموافقة هو الحكم المسكوت عنه ، وهو نوعان إما أن يكون موافقاً لحكم المنطوق ، وإما أن يكون أولى من المنطوق ، فالأول يُسمَّى لحن الخطاب والثاني يسمى فحوى الخطاب .
30- يستدرك على البعلي في مسألة العموم . أن العام والمطلق يوجدان في الأذهان والِّلسان والبنان ، أما في الأعيان فلا يوجد إلا الخاص والمقيد .
31- يُستدرك على البعلي في مسألة المصطلحات . أن هناك ألفاظاً أصولية ترد عند الأصوليين وغيرهم يجب التنبُّه لمعناها والقصد من إيرادها مثل القياس . فمنه المشروع ومنه الممنوع . والتحسين والتقبيح .وفيه مسألة مهمة وهي حكم الأشياء المنتفع بها قبل ورود الشرع ، وقد حرَّرها ابن تيمية في مجموع الفتاوى . ومن المصطلحات تكليف ما لا يطاق . والأسباب ، والجكمة وإثباتها .وتعليل أفعال الله. والنسخ إلى بدل .
وهناك ملاحظة مهمة على عزو بعض آراء المتكلمين لغير أصحابها ، فقد وهم في عزوها صاحب الروضة ، وقد أحسن الملخِّص البعلي فلم يُكرِّر وهم ابن قدامة ، وهي يسيرة جدا .
مثل نسبة القول إلى الأحناف بأن الأمر يقتضي الفور، وهو لبعضهم وليس للمذهب عامة . وكذلك مسألة عزوه للقاضي أبي يعلى أنه ققال إن الزيادة على الواجب واجبة ، وهذا لم يثبت عن القاضي . والله أعلم . ويبدو أن هذا الوهم سببه الإملاء من الشيخ ، أو من النُّساخ .
32- يستدرك على البعلي في مسألة النسخ . أن نسخ الأمر قبل التمكن من الفعل جواز الوقوع . وهذا مذهب السلف وهو رأي للأشاعرة . والمعتزلة منعوا ذلك .
33- أورد البعلي ما نقله عن ابن قدامة أن الإمام مالك رحم الله الجميع قال : ” يجوز قتل الثلث لإستصلاح الثلثين ” ! . وهذا القول لا يصح سندًا عن الإمام مالك كما حقَّقه العلامة محمد بن الحسن البنَّاني (ت: 1194هـ) تعالى كما في حاشيته على شرح الزرقاني على مختصر خليل .
34-من دِّقة الإمام البعلي تعالى في علم الأصول ، تفطُّنه لوهم ابن قدامة لما نسب للإمام الشافعي تعالى أنه منع من نسخ القرآن بالسنة المتواترة ، والصحيح خِلاف ذلك . فقد حذف عبارة المنع من التلخيص وهي موجودة في الأصل .
35- في مسائل النسخ اضطرب رأي ابن قدامة والبعلي رحمهما الله تعالى في مسألة الذبيح هل هو إسماعيل إم إسحاق ؟! ، فلم يُرجِّحا ، وهو غريب منهما ، وقد صح عن معاوية أنه حكى خبراً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الذبيح إسماعيل . نصِّ عليه ابن كثير في تفسيره .
36- وهم ابن قدامة والبعلي رحمهما الله تعالى في رفع حديث موضوع إلى النبي وهو : “القرآن ينسخ حديثي ، وحديثي لا ينسخ القرآن ” وقد نبَّه الإمام الذهبي تعالى على وضعه .
37- في الكتاب بعض الفوائد الطبية المتعلِّقة بالشرع ، مثل هل العقل في القلب أم في الرأس ؟! فقد نقل قول الإمام أحمد تعالى أن العقل في الرأس ، بينما ابن قدامة وجمهور العلماء يرون أن العقل في القلب .
38- كثير من الدارسين يقولون إن ابن قدامة في كتابه روضة الناضر ينقل ويختصر من كتاب المستصفى للغزالي ، وهذا ليس على إطلاقه جملة . لكن الذي تبيَّن لي أن ابن قدامة تأثر كثيراً بنقولات وتحقيقات القاضي أبي يعلى ( ت: 458هـ) وأبي الخطاب الكلوذاني ( ت: 510هـ) وابن عقيل الحنبلي ( ت: 513ه) رحم الله الجميع . وهما من أعيان الأصولييِّن الحنابلة .
39- قيمة تلخيص البعلي العلمية أنه حذف المكرَّر من كتاب ابن قدامة ” الروضة ” ، واكتفى بالمهم وما له ثمرة وقيمة في الأحكام والمناظرة ومعرفة مناط الأدلة .
40- هذا التلخيص مهم لمن أراد تربية الملكة الأصولية ، ففيه ظهرت محاولة نقد وربط رأي المذهب الحنبلي بالمذاهب المتبوعة الأخرى ، وترجيح الصواب على حسب الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس أو قول الصحابي أوحتى من أشعار العرب .
وقد رأيتُ في هذا التلخيص وفي كتاب الروضة نَفَساً أُصولياً حديثياً في الردِّ على الرازي وأضرابه الذين يقولون إنَّ الدليل الشرعي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة : عصمة الرواة ، وإعرابها وتصريفها ، وعدم الإشتراك والمجاز ، والنقل والتخصيص بالأشخاص والأزمنة ، وعدم الإضمار ، والتقديم والتأخير والنسخ ، وعدم المعارض العقلي .
وفي الختام فإنِّني أُوصي بالعناية بهذا الملخَّص ولأصله الذي لُخِّص منه ، فإنهما من أنفع الكتب وأكثرهما علماً وتدقيقا وتحقيقا ًلهذا الفن .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

( منقول )

د/ أحمد بن مسفر العتيبي
تعليقاتي على الرَّوضة | مدونة المتوقِّد