قال تعالى في سورة الإسراء : وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)
قال القرطبي :
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً) هَذِهِ الْآيَةُ رَادَّةٌ عَلَى الْيَهُودِ والنصارى والعرب في قولهم أفذاذا: عزيز وَعِيسَى وَالْمَلَائِكَةُ ذُرِّيَّةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ أَقْوَالِهِمْ! (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) لِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَلَا فِي عِبَادَتِهِ. (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ) قَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَعْنَى لَمْ يُحَالِفْ أَحَدًا وَلَا ابْتَغَى نَصْرَ أَحَدٍ، أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَاصِرٌ يُجِيرُهُ مِنَ الذُّلِّ فَيَكُونُ مُدَافِعًا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، لِأَنَّهُمْ أَذَلُّ النَّاسِ، رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ:" وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ" يَعْنِي لَمْ يَذِلَّ فَيَحْتَاجُ إِلَى وَلِيٍّ وَلَا نَاصِرٍ لِعِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ. (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) أَيْ عَظِّمْهُ عَظَمَةً تَامَّةً. وَيُقَالُ: أَبْلَغُ لَفْظَةٍ لِلْعَرَبِ فِي مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أي صفة بأنه أكبر من كل شي.
قال ابن كثير :
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا قَالَ: لَا تُصَلِّ مُرَاءَاةَ النَّاسِ، وَلَا تَدَعَهَا مَخَافَةَ النَّاسِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا قَالَ: لَا تُحْسِنْ عَلَانِيَتَهَا وَتُسِيءَ سَرِيرَتَهَا. وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الْحَسَنِ، بِهِ. وهُشَيْم، عَنْ عَوْفٍ، عَنْهُ بِهِ. وَسَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْهُ كَذَلِكَ.
قَوْلٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا قَالَ: أَهْلُ الْكِتَابِ يُخَافِتُونَ، ثُمَّ يَجْهَرُ أَحَدُهُمْ بِالْحَرْفِ فَيَصِيحُ بِهِ، وَيَصِيحُونَ هُمْ بِهِ وَرَاءَهُ، فَنَهَاهُ أَنْ يَصِيحَ كَمَا يَصِيحُ هَؤُلَاءِ، وَأَنْ يُخَافِتَ كَمَا يُخَافِتُ الْقَوْمُ، ثُمَّ كَانَ السَّبِيلُ الَّذِي بَيْنَ ذَلِكَ، الَّذِي سَنَّ لَهُ جِبْرِيلُ مِنَ الصَّلَاةِ.
وَقَوْلُهُ: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا لَمَّا أَثْبَتَ تَعَالَى لِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى، نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ النَّقَائِصِ فَقَالَ: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ أَيْ: لَيْسَ بِذَلِيلٍ فَيَحْتَاجَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلِيٌّ أَوْ وَزِيرٌ أَوْ مُشِيرٌ، بَلْ هُوَ تَعَالَى شَأْنُهُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَمُقَدِّرُهَا وَمُدَبِّرُهَا بِمَشِيئَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ لَمْ يُحَالِفْ أَحَدًا وَلَا يَبْتَغِي نَصْرَ أَحَدٍ.وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا أَيْ: عظِّمه وأَجِلَّه عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ الْمُعْتَدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
قال في اللباب :
واعلم أنه تعالى، لمَّا أمر بأن لا يذكر، ولا ينادى، إلا بأسمائه الحسنى، علَّم كيفيَّة التمجيد؛ فقال:
وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ الذل .
فذكر ثلاثة أنواع من صفات التنزيه والجلال:
الأول: أنه لم يتخذ ولداً، والسَّببُ فيه وجوهٌ:
أولها: أنَّ الولد هو الشيء المتولِّد من أجزاء ذلك الشيء، فكلُّ من له ولدٌ، فهو مركبٌ من الأجزاء، والمركَّب محدثٌ، والمحدث محتاجٌ؛ لا يقدر على كمال الإنعامِ؛ فلا يستحقُّ كمال الحمدِ.
وثانيها: أنَّ كل من له ولدٌ، فهو يمسك جميع النِّعم لولده، فإذا لم يكن له ولدٌ، أفاض كلَّ النِّعم على عبيده.
وثالثها: أن الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه، فلو كان له ولد، لكان منقضياً فانياً، ومن كان كذلك، لم يقدر على كمال الإنعام في جميع الأوقات؛ فوجب ألاَّ يستحقَّ الحمد على الإطلاق.
وهذه الآية ردٌّ على اليهود في قولهم عُزَيْرٌ ابن الله [التوبة: 30] ، وردٌّ على النصارى في قولهم المسيح ابن الله [التوبة: 30] وعلى مشركي العرب في قولهم: «المَلائِكةُ بنَاتُ الله» .
والنوع الثاني من الصفات السلبية قوله: وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك .
والسَّببُ في اعتبار هذه الصفة: أنَّه لو كان له شريكٌ، فلا يعرف كونه مستحقًّا للحمد والشُّكر.
والنوع الثالث: قوله: وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ الذل .
والسببُ في اعتباره: أنه لو جاز عليه وليٌّ من الذلِّ، لم يجب شكره؛ لتجويز أن يكون غيره حمله على ذلك الإنعام.أما إذا كان منزَّهاً عن الولد، وعن الشَّريك، وعن أن يكون له وليٌّ يلي أمرهُ، كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد والشُّكر.ومعنى قوله: وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ، أي: أنَّ التمجيد يكون مقروناً بالتكبير، والمعنى: عظِّمه عن أن يكون له شريكٌ، أو وليٌّ.
قال أبو السعود :
وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا كما يزعم اليهودُ والنصارى وبنو مليح ، حيث قالوا : عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابنُ الله والملائكةُ بناتُ الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك أي الألوهيةِ كما يقوله الثنويةُ القائلون بتعدد الآلهة وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ الذل ناصرٌ ومانعٌ منه لاعتزازه ، أو لم يوالِ أحداً من أجل مذلةٍ ليدفعها به ، وفي التعرض في أثناء الحمدِ لهذه الصفاتِ الجليلة إيذانٌ بأن المستحقَّ للحمد مَنْ هذه نعوتُه دون غيره ، إذ بذلك يتم الكمالُ والقُدرةُ التامةُ على الإيجاد ، وما يتفرّع عليه من إفاضة أنواعِ النعم وما عداه ناقصٌ مملوكٌ نعمةٌ أو منقماً عليه ، ولذلك عُطف عليه قولُه تعالى : وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا وفيه تنبيهٌ على أن العبدَ وإن بالغ في التنزيه والتمجّد واجتهد في الطاعة والتحميد ينبغي أن يعترِف بالقصور في ذلك .
قال في التحرير والتنوير :
وَمَعْنَى كَبِّرْهُ اعْتَقِدْ أَنَّهُ كَبِيرٌ، أَيْ عَظِيمٌ الْعِظَمَ الْمَعْنَوِيَّ الشَّامِلَ لِوُجُوبِ الْوُجُودِ وَالْغِنَى الْمُطْلَقِ، وَصِفَاتِ الْكَمَالِ كُلِّهَا الْكَامِلَةِ التَّعَلُّقَاتِ، لِأَنَّ الِاتِّصَافَ بِذَلِكَ كُلِّهِ كَمَالٌ، وَالِاتِّصَافَ بِأَضْدَادِ ذَلِكَ نَقْصٌ وَصَغَارٌ مَعْنَوِيٌّ. وَإِجْرَاءُ هَذِهِ الصِّلَاتِ الثَّلَاثِ عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْحَمْدِ لِأَنَّ فِي هَذِه الصَّلَاة إِيمَاءً إِلَى وَجْهِ تَخْصِيصِهِ بِالْحَمْدِ.وَالْإِتْيَانُ بِالْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ بَعْدَ كَبِّرْهُ لِلتَّوْكِيدِ، وَلِمَا فِي التَّنْوِينِ مِنَ التَّعْظِيمِ، وَلِأَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَاتُهُ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَاءِ النِّعَمِ الَّتِي يَعْجِزُ غَيْرُهُ عَن إسدائها.
قال في المحرر الوجيز :
وقال ابن عباس والحسن : المراد والمعنى : ولا تحسن صلاتك في الجهر ولا تسئها في السر ، بل اتبع طريقاً وسطاً يكون دائماً في كل حالة ، وقال عبد الله بن مسعود لم يخافت من أسمع أذنيه .
وقوله تعالى : وقل الحمد لله الآية ، هذه الآية رادة على اليهود والنصارى والعرب في قولهم أفذاذاً : عزير وعيسى والملائكة ذرية لله عن أقوالهم ، ورادة على العرب في قولهم لولا أولياء الله لذل وقيد لفظ الآية نفي الولاية لله بطريق الذي وعلى جهة الانتصار ، إذ ولايته موجودة بتفضله ورحمته لمن والى من صالحي عباده ، قال مجاهد : المعنى لم يحالف أحداً ولا ابتغى نصر أحد .
وقوله وكبره تكبيراً أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال ، ثم أكدها بالمصدر تحقيقاً لها وإبلاغاً في معناها .