بسم الله الرحمان الرحيم,
الحمد لله رب العالمين,
الرحمان الرحيم,
مالك يوم الدين,
و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و أحبابه و سلم,
ثم أما بعد:

السلام عليكم ورحمة الله و بركاته,
أردت في هذه المداخلة أن أشارك أهل القرآن الكرام ما فتح الله به من فهم للمناسبات بين آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله مع سورة الفاتحة أعظم سورة في القرآن.
أبدأ الكلام بما قاله سيد الأنام عليه الصلاة والسلام:
" سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه - آية الكرسي "
المستدرك على الصحيحين _ عن أبي هريرة
وكذا رواه الترمذي من حديث زائدة عن حكيم بن جبير ولفظه :
" لكل شيء سنام ، وسنام القرآن سورة البقرة ، وفيها آية هي سيدة آي القرآن - آية الكرسي"

و للسائل أن يسأل:

لماذا هي سيدة آي القرآن الذي هو كلام الله ؟

لماذا آية واحدة , آية الكرسي هي أعظم من 6236 آية في 114 سورة من القرآن؟

الجواب:

لأنها الآية الشاملة لمعرفة الله
وتستمد آية الكرسي سيادتها و عظمتها من عظمة المضمون الذي تقدمه وعليه ينبنى أساس الاعتقاد والعلم و يوجه الانقياد والعمل.

1.مع آية الكرسي:

اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ
وهي قوله: الله أحد

الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ
الْحَيُّ: الذي لا يموت, (الذي خلق الموت والحياة …الملك 2)

الْقَيُّومُ: القيوم بشؤون خلقه وهو الغني الحميد

لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ
لا يؤثر فيه الزمان و تعاقب الليل و النهار و توابعهما من نوم و يقظة أو علم وغفلة أو تعب و راحة أو تغيير و استقرار أو تعطيل و تمكين أو تقديم و تأخير أو حركة و سكون أو حاضر و ماض أو قدم و حداثة أو ابتداء و انتهاء أو كان و أصبح أو كل ما من شأنه أن يفعله الزمن في المخلوق

لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ
لا يحتويه المكان فهو خالق المكان و مالك المكان من سماوات و ما فيهن وأرض وما عليها

مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ
ليس له ولد و لا نسب و لا شريك و لا شفيع إلا بإذنه (أم اتخذوا من دون الله شفعاء وقل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون - الزمر 43 )

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ
عالم الغيب (مَا خَلْفَهُمْ) و الشهادة (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)

وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ
لا يعلم الغيب إلا هو ومن شاء بما شاء( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول… -الجن 26 -27)

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ
وسع حكمه وفضله السماوات و ما فيهن والأرض وما عليها

وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ
وهو قادر على حفظهما بالرزق و الأمن وما ذلك على الله بعسير (أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن…* أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه…- الملك 20-21)

وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
سبحان الله العظيم تعالى علوا كبيرا عما يصفون

وبعد معرفة الله حق المعرفة من خلال آية الكرسي , يعلمنا برحمته تعالى كيف نتوجه إليه بالعبادة و الإنابة إليه من خلال سورة الفاتحة أعظم سورة في القرآن.

2.مناسبة سورة الفاتحة مع آية الكرسي:


اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ
إذا أيقنت أنه لا إلاه إلا الله, توجهت إليه و ابتدأت كل شيء بالشهادة :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ
و إذا علمت أنه الحي الذي لا يموت , الذي خلق الحياة وهو الرب القيوم بشؤون الخلق دون حاجة إليهم حمدته كما علمك ذو الجلالة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ
و زادك طمأنينة أنه لا ينام وأن رحمته لا يعطلها زمان ولا يشوبها نقصان, أثنيت عليه كما أثنى هو على نفسه:
الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ
و إذا علمت أنه ملك الملوك ولا أحد ينازعه في ملكه في الدنيا , عرفت أن له الآخره و الأولى و أنه هو المجيد صاحب السيادة:
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ
وحين علمت أن الله هو الأحد الحي القيوم الرحمان الرحيم وأن له الملك و الأمر وهو الحميد المجيد ,و زادك يقينا أنه لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه, توجه إليه بالدعاء و أفرده بالعبادة:
إِيَّاكَ نَعْبُدُ

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ
و بعد الدعاء و العبادة أخبرك أنه عالم بالغيب والشهادة و أنه إليه اللجوء و الإنابة صدّق و اطلب منه الزيادة:
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ
و بعد العبادة و الإنابة أخبرك أنه بمشيئته تحصل الهداية, فبادر بطلب الافادة:
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ
له ما في السماوات و ما في الأرض وهو أهل الفضل و بيده الإنعام و السعادة:
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ

وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ
وبه يتم الحفظ من طرق الغي والسلامة:
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ

وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
أهل المغفرة و الإجابة:
آمين

الحمد لله رب العالمين الحي القيوم الذي عرف نفسه لعباده من خلال آية الكرسي أعظم سورة في القرآن وبين للعباد طريق عبادته من خلال سورة الفاتحة أعظم سورة في الكتاب, فكان حقا على العباد أن يوحدوه بكلمة الإخلاص لا إلاه إلا الله مخلصين له الدين و لو كره الكافرون وذلك من خلال سورة الإخلاص تاج الإسلام والإيمان.

3.مناسبة سورة الإخلاص مع آية الكرسي:

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وهي قوله:اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ

اللَّهُ الصَّمَدُ
فهو الحي الذي لا يموت, أهل الرحمة والبركات, القيوم بشؤون خلقه من سماوات و أرض و من فيهن
و ذلك في قوله:

الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ

لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
أي ليس له ولد ولا والد ليشفع عنده و من باب أولى لا شريك له يطاع و لا أحد يشفع إلا من بعد إذنه
و ذلك في قوله:

مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ

وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ
أي لا ند و لا شبيه و لا كفؤ له ولا أحد يكون عالم بالغيب والشهادة, مستقل بالمشيئة و الإرادة, واسع الحكم و الفضل , قادر على الحفظ لخلقه بالرزق والأمن , إلا هو العلي العظيم
و ذلك في قوله:

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ

أسأل الله الحي القيوم أن يرحمنا بالقرآن و يوفقنا إلى فهمه ويغفر لنا غير ذلك و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.