المصنَّفات في الفقه الشافعي كثيرةٌ جداً ، منها المختصر ومنها المطوَّل . ومن المتون الجامعة والمختصرة للمسائِل الفقهية كتاب ” الغاية والتقريب ” لأحمد بن الحسين الأصفهاني القاضي المعمَّر المعروف بأبي شجاع (ت: 593 هـ) تعالى .
وهذا المتن مُهم جداً لمن أراد أن يُحيط بمهمَّات المسائل والأحكام في كل أبواب الفقه ، لكن إستظهاره يفتقر إلى شَجاعة .
أيا من رام نفعاً مستمراً .. ليحظى بارتفاع وانتفاع
تقرَّب للعلوم وكن شُّجاعاً .. بتقريب الإمام أبي شُجاع
والقاعدة عند الأصولييِّن أن التأسيس أولى من التأكيد . وهذا المتن يُقدَّم على كثيرٍ من المصنفات ، لقوة عبارته في تأسيس فهم المسائل الفقهية بأسهل عبارة .
وقد كانت لي على هذا المتن تعليقات خاصة لم يُسعفني الوقت لتفريغها إلا في هذه الأيام .
وقد نبهتُ من خِلالها على كثيرٍ من مفردات الإمام النووي التي خالف فيها المشهور من المذهب الشافعي ، وأشرتُ أيضاً إلى رأي المذاهب الثلاثة في بعض المسائل المُبهمة .
أسأل الله أن ينفع بها من وقف عليها ، وأن لا يحرمني أجرها .
1-فصول الكتاب الفقهية تجاوزت المئة بسبعة فصول ، وستة عشر باباً . وعدد مسائله تنيفُ على ثلاثة الآف مسألة .
2-طريقتي في التعليق أن أُوضِّح ما يكون فيه إستدراك أوزيادة معنى أو رفع إشكال ، أو نقد عبارةٍ أو حُكمٍ.
وفي كثير من التعليقات أُشير إلى حُكم المسألة في المذاهب الأربعة لمعرفة محل النِّزاع وسببه.
3-أكثر أسباب الإختلاف عند الشافعية خاصة وعند غيرهم عامة ، إختلافهم في توجيه الحديث النبوي أو تأويله، أو عدم صحة الحديث عند بعضهم ، أو اختلافهم في قاعدة من القواعد الدالَّة على معناه .
مثال ذلك إختلافهم في حركة الرسول بعد سلامه ثم إكماله الصلاة ، هل يُستدل بها على أن السهو اليسير يبطل الصلاة أو لا ؟! .
فقد إستدل بها الجمهور على أن العمل المتوالي في الصلاة عمداً أو سهواً يُبطل الصلاة . لكن الإمام النووي إختار عدم البطلان لأنه حملها على السهو ، كما في أصل قصة ذي اليدين .
4-قال في المقدمة : “سألني بعض الاصدقاء ” لم يُسمِّهم ، لأنه لا منفعة من ذكر أشخاصهم وأسمائهم. والصديق المقصود به في الشرع : من يصدقك الودَّ ويخلص لك المحبة والنصح . والصديق أقرب في الودِّ للنفس من القريب كما قال سبحانه : ” فما لنا من شافعين ولا صديقٍ حميم ” ( الشعراء : 100-101 ) وقد ذكر الله فضل الصديق ومنزلته بأن قرنه مع الأقارب والأرحام ،كما في آية رفع الحرج في الطعام من البيوت كما في سورة( النور:61) .
5-مسألة الوضوء بالماء المشمَّس : أشار إلى أنه يُكره
إستعماله،والصحيح ما رجَّحه النووي أنه لا يُكره ، لأن الكراهة لا بد لها من دليل . والدليل في الكراهة لم يثبت سنده مرفوعاً ، ومن الشافعية من قال إن الكراهة طبية تنزيهية ، والأوَّل أولى . وممن قال بالكراهة الإمام الشافعي والإمام مالك ورواية عن الإمام أحمد . وسبب إختلافهم تأويلهم للأحاديث الدالَّة أن الماء المشمَّس يُورث البرص ، وقد وردت بعضها موقوفة .
6-مسألة الإستياك بالأصبع: لم يُوردها في المتن ، وهي من مسائل الشافعية .فمذهب الشافعي لا يصح الإستياك بإصبع نفسه المتصلة حتى ولو كانت خشنة، وهذا القول هو قول الإمام أحمد في رواية عنه . والأحناف والمالكية يرون الجواز عند عدم وجود غيرها. وقد صحَّح الإمام النووي جواز الإستياك بالإصبع الخشنة. وهو قول لبعض الشافعية أيضاً .وحُجة الإمام النووي في الجواز ما روي عن عليِّ أنه كان يستاك بأُصبعه . وإسناده صحيح. والخلاف في المسألة ضعيف عندي ولا قيمة له، والله أعلم
7-مسألة تخليل أصابع الرجلين بخنصر اليد اليسرى: هذه المسألة ذهب الجمهور إلى أن الصحيح تخليل أصابع الرجلين بخنصر اليد اليسرى . واختار النووي أن كل أصابع اليدين سواء في جواز التخليل بلا تحديد . والحديث الوارد في تخليل الرسول لأصابع رجليه بخنصره ، لم يثبت سنداً .
8-مسألة أكل لحم الجزور : لم يُوردها في المتن . ومذهب الإمام الشافعي في الجديد لا ينتقض الوضوء بلحم الجزور . وقد صحَّح الإمام النووي أن لحم الجزور ناقض للوضوء . وعند الحنفية والمالكية وجمهور الشافعية والأرجح عند الحنابلة أن لحم الجزور لا ينقض الوضوء . والدليل حديث جابر :”كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار ” أخرجه أبو داود بإسناد صحيح .وسبب الخلاف في المسألة ترددهم في الحكم على بعض أحاديث الوضوء بالنسخ أم لا ؟ . والله أعلم .
9-مسألة التنشيف بعد الوضوء : لم يُوردها في المتن . وعند الشافعية يُسنُّ ترك التنشيف ولا يُكره فعله . وذهب الأحناف إلى أن التنشيف أدب لكن لا يُبالغ فيه . وقال المالكية والحنابلة بإباحته بلا كراهة . واختار النووي أنه مباح ،لتكافؤ الأدلة المبيحة والمقرِّرة في المسألة . وسبب الخِلاف في المسألة تنازعهم في حديث ميمونة هل هو مطلق أم مقيد ؟ . والله أعلم .
10-مسألة مدة المسح على الخفين: جمهور الفقهاء من الأحناف والشافعية والحنابلة وقَّتوا مدة المسح على الخفين بيوم وليلة في الحَضر وثلاثة أيام للمسافر. والشافعية والحنابلة يرون أن المسافر سفر معصية يمسح يوماً وليلة فقط ، لأن ما زاد رخصة للمسافر والرخص لا تُناط بالمعاصي .
وقد خالفهم المالكية في ذلك فرأوا جواز الترخُّص . والشافعية قرَّروا في مذهبهم أن مدة المسح يوماً وليلة للمقيم وثلاثاً للمسافر ، تبدأ من الحدث بعد لبُس . وقد اختار النووي أن المدة تبدأ من المسح وليس من الحدث.
11-مسألة نزع الخُفين حال الطهارة في المسح : لم يوردها في المتن .ومذهب الشافعي في الجديد وهو الراجح عند الشافعية ، أن من نزع خفيه وهو بطهر المسح لم ينتقض وضوؤه وإنما يلزمه غسل رجليه . وقد إختار النووي أنه لا يلزمه لا الوضوء ولا غسل قدميه . واختار الإمام أحمد أنه يغسل قدميه فقط ، وهو مذهب الأحناف والشافعية . ورجَّح الإمام أحمد وجوب إستئناف الوضوء .وسبب الإختلاف في المسألة هو حُكم الموالاة في الوضوء عند الفريقين . والله أعلم .
12-مسألة إستقبال الشمس والقمر عند قضاء الحاجة: أشار إلى المسألة في الحكم ولم يُوضِّحها . وللشافعي في المسألة قولان : الكراهة للإستقبال فقط ، والثاني الكراهة للإستقبال والإستدبار . واختار النووي عدم الكراهة مطلقاً . والمالكية قالوا إنه خِلاف الأولى ، والشافعية والأحناف قالوا بالكراهة مطلقاً . وكَره ذلك الإمام أحمد ، لأن النَّيرين فيهما نور الله تعالى.
13-مسألة ماء الميازيب : لم يشر إليها في المتن. وقالت الشافعية إنه يُحتمل نجاسة مياه الميازيب ، فالواجب عندهم الإحتراز . واختار الإمام النووي أنه طاهر ، لأن بعضه يُطهِّر بعضاً عند نزوله . وسبب الإختلاف هل مياه الميازيب على أصل الماء النازل أم لا ؟ والله أعلم .
14-مسألة البول في الماء القليل :لم يشر إليها في المتن . ومذهب الإمام الشافعي لا يُحرِّم البول في الماء القليل لإمكان تطهيره بالمكاثرة ، وعندهم أن الأولى أن لا يَحرم في الماء الكثير . وقد اختار النووي حُرمة البول في الماء القليل مطلقاً . والحنابلة قالوا بالتحريم للقليل والكثير كما في كشاف القناع . وسبب اختلافهم هو هل النهي الوارد في الحديث للتحريم أم للتنزيه ؟ .
15-مسألة غسل الإناء من سؤر الخنزير : المعتمد عند الشافعي أن الخنزير كالكلب يُغسل الإناء من ولوغه سبع مرات إحداهن بالتراب . واختار النووي أنه يُغسل مرة واحدة . والأحناف قالوا يجوز غسل إناء الخنزير ثلاثا ً وجوباً ، أو خمساً أو سبعاً ندباً.
16-مسألة الإستمتاع بالحائض : مذهب الشافعي يحرم مباشرة الحائض فيما بين سُرتها وركبتها . والمذاهب الثلاثة ما عدا الأحناف ، حرَّموا إستمتاع الزوج بزوجته الحائض . واختار النووي الإباحة . وسبب إختلافهم المعنى المراد في الحديث المرفوع : ” ما فوق الإزار ” لما سأله معاذ ما يحلُّ للرجل من امرأته وهي حائض . والحديث أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف .
17-مسألة هل يكفي في التيمم مسح الكفين فقط ؟ : مذهب الشافعية يجب عند التيمم إيصال التراب إلى المِرفقين ولا يكفي الإقتصار على مسح الكفين . وعند الأحناف والشافعية أن التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للمرفقين . والمالكية والحنابلة قالوا يمسح اليدين إلى الكوعين وهو اختيار النووي .
وسبب خلافهم هو هل فعل النبي بتيمُّمه في وجهه ويديه ، كان للتعليم أم لقصد الفعل ؟ لأنه ورد في الصحيحين الإقتصار على الكفين فقط بلا زيادة . ومن الأسباب أيضاً أن آية التيمم مجملة وليست مبينة .وفي المسألة خلاف قوي يُنظر توضيحه في أضواء البيان للشنقيطي .
18-مسألة قضاء الصلاة التي وقع فيها الخلل : لم يُشر إليها في المتن .ومذهب الشافعية أنها لا تُقضى ، لكن هناك أحوال تُقضى فيها عندهم ، كمن تيمَّم في الحَضَر لعدم الماء فعليه الإعادة. وفي المسألة تفصيل يُنظر في شرح البهجة.
والحنابلة قالوا في فاقد الطهورين يُصلِّي الفرض فقط على حسب حاله ولا يقضي ، كما حكاه الحجاوي في الإقناع .
19-مسألة دخول وقت أذان الفجر : مذهب الشافعي أن أذان الفجر يدخل من نصف الليل.واختار النووي أن أذان الفجر يدخل من السَّحَر وليس من نصف الليل . وقد منع الأحناف أذان الفجر قبل وقته وقالوا بالإعادة لمن أذَّن قبل وقته الشرعي . والأحناف قالوا بالجواز من بعد نصف الليل .
20-مسألة تأخير وقت العشاء : مذهب الشافعي ومالك أن صلاة العشاء في أول وقتها أفضل ، لكن النووي إختار أن تأخيرها إلى ثُلث الليل أو نصفه أفضل . وإلى هذا ذهب الأحناف والحنابلة . وسبب الخلاف في المسألة هل الأفضل التعجيل أم التأخير ؟ لأن ظاهر الأحاديث توهم التعارض . والله أعلم .
21-مسألة من صلَّى وفي ثوبه نجاسة ناسياً لها : للشافعي في هذه المسألة قولان . ففي المذهب الجديد قال بوجوب القضاء . واختار النووي عدم وجوب القضاء. وسبب الإختلاف تنازعهم في تأويل نزع الرسول لنعاله وهو يصلي . والله أعلم .
22-مسألة العمل الكثير في الصلاة سهواً :لم يُشر إليها في المتن .وقد إختار النووي عدم البطلان ، بينما قال الشافعي ببطلانها في العمد والنِّسيان . وسبب الإختلاف تأولهم لفعل الرسول في صلاته .
23-مسألة إستحضار نية الصلاة : الجمهور قالوا إنه لا يجب مقارنة النية للتكبير وإنما يجوز أن تتقدم النية على تكبيرة الإحرام بيسير عُرفاً . واختار النووي أن نية إستحضار الصلاة تكفي بأن لا يغفل عنها وقت أدائها.
24-مسألة تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين: لم يُشر إليها في المتن .والاعتدال والجلوس ركنان قصيران يبطل الصلاة تطويلهما.وهذا رأي للأحناف أيضاً. واختار النووي جواز تطويل الاعتدال عن الركوع لحديث : ” ثم قام طويلاً قريباً مما ركع ” أخرجه مسلم . ورأيه موافق لرأي المالكية والحنابلة . وسبب الإختلاف تنازعهم في الحكم على حديث عطاء ابن السائب في المسألة .
25-مسألة وضع الأنف حال السُّجود : لم يُشر إليها في المتن . ومذهب الشافعي لا يجب وضع الأنف بمحلِّ السجود . يعني أنه سُنَّة كما هو اختيار النووي . وذهب إلى عدم الوجوب الأحناف أيضا والمالكية . بينما قال الحنابلة بالوجوب . والخلاف في هذه المسألة مشهور عند الأصوليين بمسألة تعرُّض النص مع الإشارة .
26-مسألة المراد بآل النبي: لم يُشر إليها في المتن . وقد ذهب الإمام الشافعي إلى أن آل النبي المأمور بالصلاة والسلام عليهم هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب . بينما ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد إلى أنهم جميع أمة الإجابة . وهذا هو إختيار النووي تعالى، كما في شرحه على مسلم . وسبب النِّزاع بينهم هو هل المقصود بالآل من تحرم عليهم الزكاة أم من سواهم ؟ ، لأنهم اختلفوا في الآل لغة مع القِياس على من حرمت عليه الزكاة شرعاً .
27-مسألة تغميض العينين في الصلاة : مذهب الشافعي أنه يُكره تغميض المصلِّي عينيه حال الصلاة . وهذا رأي مالك وأبو حنيفة وأحمد وبعض الشافعية . وقد إختار النووي عدم الكراهة . وسبب الإختلاف تنازعهم في الحكم على حديث المسألة .
28-مسألة القنوت في الوتر : مذهب الشافعي أن القنوت في الوتر يُستحب في النِّصف الأخير من رمضان فحسب . ويُكره أن يقنت في غير هذا النِّصف ، وإن تعمَّد الإطالة في غير النِّصف بطلت صلاته . وقالت المالكية إن القنوت في الوتر مكروه . وقال أبو حنيفة القنوت في الوتر في السَّنة كلها واجب . وعند أحمد إنه سُّنة .واختار النووي إستحبابه . وسبب الإختلاف في المسألة تعارض الأحاديث بين مطلقة ومقيدة .وفي ثبُوتها من عدمه .
29-صلاة التسبيح : ذهب الشافعي إلى أن صلاة التسبيح يُسنُّ فعلها ، لأن حديثها حسن لكثرة طرقه . ورأى الجمهور أنها أيضاً سُنة . وسبب النِّزاع في فعلها من عدمه ، ضعف الحديث في فضلها عند العلماء، وهل يُعمل بالحديث الضعيف أم لا ؟ واختار النووي عدم إستحبابها ، كما يُفهم من كلامه . وعندي أن النووي متوقِّف في المسألة ولم يترجِّح له فيها شي ، فليُحرَّر .
30-مسألة تطويل الجلوس بين السجدتين في صلاتي الكسوف والخسوف : لم يُشر إليها في المتن .ومذهب الشافعي أنه لا يُسنُّ تطويل الجلوس بين السجدتين في صلاة الكسوف والخسوف . ورأى الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة أنه لا يُسنُّ تطويل الجلوس بين السجدتين . واختار النووي عدم الإطالة . وسبب الخِلاف عندهم اختلافهم في إسناد حديث عبد الله بن عمرو الذي يفيد الإطالة .
31-مسألة الإضطجاع بين سنة الصبح وفرضها :لم يشر إليها في المتن . ولا يلزم عند الشافعي الإضطجاع بل يقوم غيره مقامه ،كتحوله من مكانه أو تحدثه مع غيره . وقد أوجب ابن حزم الإضطجاع بين السنة والفرض في الفجر . بينما قال الإمام مالك إنه بدعة . وقال أبو حنيفة إنه سُنة . وعند الحنابلة أن الكلام بعد سنة الفجر مكروه كما حكاه صاحب الإنصاف . واختار النووي أن الإضطجاع ليس بلازم فيكفي التحول من المكان والتحدُّث ونحوه . وسبب الخلاف هل الإضطجاع مقصود بعينه أو لا ؟ وهل وصل صلاة بصلاة من غير كلام جائز أم لا ؟ .
32-مسألة نية الصلاة المعادة : لم يشر إليها في المتن . وعند الشافعي أنه ينوي عند إعادة الصلاة نية الفرضية . وعند الأحناف يجب تعيين نية الفرض ، ونية التعيين .وعند المالكية والحنابلة أنه لا تجب نية الفرضية أصلاً . واختار النووي عدم التعرض لنية الفرضية في الصلاة المعتادة . وسبب التنازع عندهم هو اختلافهم في المقصود من الإعادة.
33-مسألة حكم تخطي رقاب الناس :لم يشر إليها في المتن . ومذهب الشافعي كراهة تخطي الرقاب . أما أبو حنيفة فأجاز التخطي بشرطين : أن لا يؤذي أحدا ، وأن يكون قبل بداية الخطبة ، وإلا فيحرم . والمالكية قالوا بالجواز مع الكراهة . وعند أحمد أيضا الكراهة مطلقاً إلا أن يكون إماماً . وقد إختار النووي حرمة التخطي مطلقاً . وسبب الخلاف هل العبرة بالإيذاء أم هو نهي عن الإيذاء وقت الخطبة ؟ .
34-مسألة الجمع بعذر المرض : مذهب الشافعي لا يجوز الجمع بعذر المرض ، وكذلك قال الأحناف . أما الحنابلة والمالكية فقالوا بالجواز . واختار النووي الجواز خلافا للشافعية . وسبب إختلافهم تنازعهم في حديث ابن عباس : ” جمع رسول الله بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر ” أخرجه مسلم .
35-مسألة القيام للجنازة : لم يشر إليها في المتن . مذهب الشافعي يكره القيام للجنازة إذا مرت ، لأن الأمر بالقيام لها منسوخ . وهذا رأي الجمهور . واختار النووي إستحباب القيام لها ، ولا يقعد حتى توضع .وسبب اختلافهم تنازعهم في نسخ حديث : ” إذا رأيتم الجنازة فقوموا ” متفق عليه.ولابن القيم تحقيق نفيس حول هذا الاختلاف في حاشيته على سنن أبي داود ، فلتراجع .
36-مسألة وصول ثواب قراءة القرآن للميت: لم يشر إليها في المتن .وعند الشافعي أن قراءة القرآن لا يصل ثوابها للميت . لكن الجمهور قالوا بوصول ثوابها للميت . واختار النووي أنه يصل ثوابها للميت كما حكاه في كتاب الأذكار . وسبب اختلافهم تنازعهم في صحة الأحاديث وهل هي باقية على خصوصها أم عامة ، وهل تقاس القراءة على الصدقة والحج ؟ .
37-مسألة حكم الإستياك للصائم : مذهب الشافعي يكره إستعمال السواك للصائم بعد الزوال ، ومثله قالت الحنابلة في أحد القولين عن أحمد ، في صيام الفريضة والنافلة . أما الحنفية والمالكية ورواية عن أحمد فقالوا بالإباحة . وهو إختيار النووي كما في المجموع .
38-مسألة صيام أيام التشريق : مذهب الشافعي في الجديد عدم صحة صيام أيام التشريق مطلقا ، سواء كان متمتعا أو قارنا أو غيرهما . وعند الأحناف والشافعية لا يجوز صوم أيام التشريق مطلقا لا لمتمتع ولا غيره . وزاد الأحناف : لو صامها انعقد صومه مع الإثم ، ولا يلزمه القضاء لو أفسد صيامه .وقال المالكية لا يجوز صيام أيام التشريق إلا لمتمتع لم يجد الهدي . وعند الحنابلة يحرم صيام أيام التشريق لمن عدم الهدي . واختار النووي جواز صيام أيام التشريق للمتمتع إذا عدم الهدي عن الثلاثة الأيام الواجبة في الحج . وسبب الإختلاف أن بعض الفقهاء أخذوا بعموم النهي عن صيام أيام التشريق ولم ينظروا إلى التخصيص .
39-مسألة ليلة القدر : مذهب الشافعي أن ليلة القدر منحصرة في العشر الأواخر من رمضان ، وأنها ليلة معينة لا تنتقل بل تكون كل سنة في تلك الليلة .وقال الأحناف هي ليلة في رمضان لا يدرى أين هي ؟ وقد تتقدم وقد تتأخر . ومثله قال المالكية والشافعية . وقالت الحنابلة هي ليلة في العشر الأواخر من رمضان. وهذا إختيار النووي كما في فتاويه المشهورة. وسبب الخلاف تعرض بعض الأحاديث بحسب ظاهرها في تحديد ليلتها .
40-مسألة تسمية الطواف شوطاً : لم يُشر إليها في المتن . ومذهب الشافعي كراهة تسمية الطواف شوطاً أو دوراً ، لأنهما لفظان جاهليان. وقد اختار النووي عدم الكراهة استدلالاً بحديث ابن عباس : ” أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين ” متفق عليه .
41-مسألة حكم قطع شوك الحرم : مذهب الشافعي جواز قطع وقلع شوك الحرم كالعوسج وغيره من كل مُؤذي . والمالكية والأحناف يقولون بحرمة قطع شوك الحرم . أما الشافعية والحنابلة فقالوا بالجواز . واختار النووي التحريم خلافا للمشهور عند الشافعية . وسبب تنازعهم إختلافهم في تخصيص حديث النهي عن قطع شوك الحرم ، فمن أجاز قطعه خصصه بالقياس ومن منع قطعه لم يُخصِّص الحديث بالقياس .
42-مسألة شجر وصيد المدينة : مذهب الشافعي حُرمة صيد حرم المدينة وقطع نباتها ولا ضمان في قتل الصيد أو قطع النبات . وقالت الأحناف بالجواز وأنه لا حرم للمدينة أصلاً. وقالت الحنابلة والمالكية والشافعية إن للمدينة حرم يحرم الاصطياد فيه وقطع نباته ولكن لا ضمان فيه ولا جزاء. واختار النووي حرمة صيد المدينة وقطع نباتها . وسبب إختلافهم تنازعهم في أن المدينة ليست محلاً للنسك ، وأن رسول الله لم يحكم في صيد المدينة وشجرها بحكمٍ عام .
43-مسألة التكبير أيام التشريق صباح يوم عرفة : ذهب الشافعي أنه يُسنُّ التكبير عقب الصلوات المفروضة والرواتب والنوافل من ظهر يوم النحر الى صبح آخر يوم من أيام التشريق . وذهب الأحناف الى ان التكبير يبدأ عقب صلاة الفجر من يوم عرفة الى صلاة العصر من آخر أيام التشريق . وذهب المالكية والشافعية إلى أن التكبير يبدأمن ظهر يوم النحر ويُختم بصبح آخر التشريق . وذهب الحنابلة إلى أن التكبير لغير الحاج يبدأ من صبح يو عرفة ويختم بعصر آخر التشريق. واختار النووي استحباب التكبير من صبح يو عرفة لغير الحاج. وسبب الخلاف عند الفقهاء أنه لم يثبت في بداية التكبير ونهايته حديث مرفوع . والله أعلم .
44-مسألة بيع المعاطاة : مذهب الشافعي أن البيع لا ينعقد إلا بالتلفظ والإيجاب والقبول ولا ينعقد بالمعاطاة فقط وهي التناول . وقالت الحنابلة والمالكية والأحناف بالجواز إن كان عن تراضي.واختار النووي صحة البيع بالمعاطاة كما في تصحيح التنبيه .
وسبب تنازعهم أنه لا يوجد نص صريح في إشتراط اللفظ أو عدم إشتراطه ، إنما وجد نص عام في إشتراط الرضا .
45-مسألة تصرف الفضولي : لم يُشر إليها في المتن . مذهب الشافعي أن بيع الفضولي باطل ولا يفيده إجازة صاحب الحق. وقالت الحنفية والمالكية ورواية عن الحنابلة إن صحة البيع والشِّراء موقوفة على رضا المالك الحقيقي . وقد اختار النووي صحة البيع اذا أجازه المالك كما حكاه النووي رحم الله الجميع . وسبب اختلافهم تنازعهم في تصرف عُروة البارقي ،هل كان بوكالة من الرسول أم كان تصرفه فضولياً ؟! .
46-مسألة حكم المساقاة : مذهب الشافعي أن المساقاة لا تصح إلا في النخل والعنب فقط دون غيرهما من سائر الأشجار . وقد ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يُشترط في صحة المساقاة نوع معين من الشجر . وقالت المالكية إن مورد المساقاة الحبوب والبقول فقط مما لا يُخلف شيئاً . وقالت الحنابلة إن مورد المساقاة جميع الأشجار المثمرة المأكولة فلا تصح في الشجر غير المثمر . واختار النووي صحة المساقاة على غير النخل والعنب كما في تصحيح التنبيه . وسبب الخلاف أن المساقاة رخصة أو غير رخصة في أصناف بعينها ؟ .
47-مسألة حكم المزارعة : مذهب الشافعي عدم صحة المزارعة مستقلة عن المساقاة ، إنما تصح مقرونة مع المساقاة . وعند الأحناف لا تصح المزارعة مطلقا لا مقرونة مع المساقاة ولا مستقلة عنها . وعند المالكية تصح إن كان على نسبة بينهما . وقالت الحنابلة تصح بجزء معلوم ولا حرج . واختار النووي صحة المزارعة مطلقاً . وسبب اختلافهم تنازعهم في فهم حديث معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم ليهود خيبر هل جازت فيه المزارعة لأنها تبع للمساقاة أو هي جائزة حتى ولو لم تكن مقرونة بالمساقاة ؟ .
48-مسألة أفضل التجارة : يُستدرك على القاضي أبي شجاع في باب المزارعة مسألة أفضل التجارة . فعند الشافعي أن أفضلها التجارة ،وهذا رأي أبي حنيفة ،وقال بعض الشافعية الصناعة أفضل . وقد إختار النووي أن الزراعة أفضل المكاسب، وهذا رأي الحنابلة .وسبب إختلافهم تنازعهم في نُصوص عمل اليد ، وما الراجح في معناها ؟ ومنها قول الله تعالى : ” وآخرون يضربون في الأرض ” ( المزمل : 20 ) .
49-مسألة حكم المخابرة : المقصود بالمخابرة عند الشافعية : معاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر على العامل . مذهب الشافعي عدم صحة المخابرة مطلقاً ،ومثله قال أبو حنيفة ، كما في الدر المختار . والجمهور أجازوها بشروط وهو إختيار النووي كما في تصحيح التنبيه . وسبب الخلاف بينهم أن إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها طعاما كالبر والشعير والقطن مَحلُّ إشكال عندهم . فكل من الفريقين مال إلى تأويل الحديث الوارد فيها كالمسألة السابقة .
50-مسألة حكم ولاية الفاسق في النِّكاح: لم يُشر إليها في المتن. ومذهب الشافعي عدم جواز ولاية الفاسق . وعند الأحناف أن العدالة ليست شرطاً لولاية النِّكاح . وعند المالكية العدالة شرط كمال . وعند الحنابلة روايتان إحداهما لا يُشترط في الوليِّ خُلوِّه من الفِسق ، كما في الإنصاف للمرداوي ، لكن الأقوى إشتراط العدالة . وقالوا إن الفاسق يلي نكاح نفسه فغيره أولى . واختار النووي منع ولاية الفاسق كما في الروضة . وسبب الخِلاف هل الولي وكيل عن المرأة أم لا ؟ .
51-مسألة حكم الأكل من الوليمة: لم يُشر إليها في المتن . ومذهب الشافعي يُندب للمفطر الأكل من الوليمة ولا يجب . وهذا قول الجمهور .واختار النووي وجوب الأكل على مُفطرٍ في الوليمة . وسبب الإختلاف تنازعهم في محل التغييِّر في الحديث : ” فإن شاء طعم وإن شاء ترك ” أخرجه مسلم. هل المخيَّر الصائم أم المفطر ؟ .
52-مسألة حكم تغطية الإناء :لم يُشر إليها في المتن . ومذهب الشافعي أن تغطية الإناء سنة خاصة بالليل دون النهار . وعند الشافعية والحنابلة أنه سنة بالليل دون النهار. ويفهم من كلاف الأحناف والمالكية أن حكم التغطية سنة عندهم بلا تحديد ،كما يظهر من أبواب الآداب عندهم دون تصريحهم بذلك . واختار النووي أن التغطية لا تختص بالليل ، بل لليوم كله . وسبب الخلاف وجود روايتين إحداهما تقصر نزول البلاء على الليل والأخرى تقصره على اليوم .كما في صحيح مسلم .
53- مسألة حَدّ المسكر : يُستدرك على القاضي أبي شجاع مسألة: من شرب الخمر للتداوي هل يقع عليه الحدّ ؟ مذهب الشافعي أن من شرب الخمر للتداوي فعليه الحد. وقال الأحناف لا يجب الحد عليه . وقالت المالكية والشافعية والحنابلة بوجوب الحد . واختار النووي عدم وجوب الحدِّ كما في تصحيح التنبيه .
54- مسألة مسلك النذر : يُستدرك على أبي شجاع مسألة هل الواجب في قضاء النذر الواجب أم المندوب ؟ مثل لو نذر صلاة مطلقة ولم يُحدِّد الركعات ، فهل يصليها ركعتين ؟ وهل يصليها على الراحلة ؟ وهل يصليها بتيمم ؟ فهذه مسألة طويلة ولها تعلُّق بعلم الأصول ، وهل الترجيح في الفروع أم في أصول العبادات فقط ؟ والراجح أنه يسلك في النذر مسلك الواجب كما وضَّحه ابن قدامة في المغني والنووي في الروضة .
55- مسألة غياب الصيد : يُستدرك على أبي شجاع فيها، لو غاب الصيد بعد جرحه بسهم أو بكلب ثم وُجد ميتاً ؟ فقد قال الجمهور عدا الشافعية إن الصيد حلال لكن بشروط . وقال الشافعي بالتحريم مع تفصيل له . واختار النووي أنه إذا جَرح صيده جُرحاً لم ينُهكه وغاب عنه ثم وجده ميتاً وليس عليه أثر غير جراحته، فإنه حلال. وسبب الخلاف تنازعهم في تصحيح أحاديث المسألة وتخصيص بعضها .
56-مسألة قتل الكلاب : يُستدرك على أبي شجاع مسألة قتل الكلاب. فقد قال الشافعي بعدم جواز قتل الكلاب التي لا نفع فيها ولا ضرر إلا العقور .وقالت الأحناف بعدم جواز قتل الكلاب ، لأن الأمر عندهم منسوخ .وقالت الحنابلة بعدم جواز قتل الكلاب إلا الأسود البهيم .وقالت المالكية بجواز قتل الكلب غير المأذون بإتخاذه. واختار النووي منع قتل الكلاب التي لا نفع فيها الا الاسود البهيم . وسبب اختلافهم تنازعهم في مسألة نسخ أحاديث قتل الكلاب من عدمها . والله أعلم.
57- وقع القاضي أبو شجاع في بعض الأوهام الفقهية الإجتهادية وهي ستة مواضع : كراهة استدبار الشمس والقمر ، والصحيح خلافه ، وصلاة الجماعة سنة مؤكدة والصحيح أنها فرض كفاية ، وإطالة الركوع دون السجود في صلاة الكسوف والخسوف ، والصحيح إطالة السجود أيضاً . واشتراط اتحاد الحالب في زكاة الخليطين ، والصحيح عدم اشتراط اتحاد الحالب.
واشتراط أن تكون الدراهم والدنانير مضروبة في شركة العنان ، والصحيح عدم اشتراط ذلك ، فيكفي أن تكون مثلية كالعملات اليوم. ووجوب حدَّ الزنى على من وقع على بهيمة ، والصحيح أنه يُعزَّر .
58- منهج الترجيح عند الشافعية : القول بالدليل الذي ليس له مُعارضة ، وإعتماد مذهب الشافعي الجديد إذا نَصَّ عليه . ويظهر هذا في كثيرٍ من مسائل المتن .
59- إلتزمتُ في التعليقات على هذا المتن عدم الترجيح ،إلا ما تقتضيه الضرورة ، لأن القصد معرفة الأقوال عند المذاهب والمقارنة بينها وحَلِّ النِّزاع وسببه ،وليس معرفة الترجيح . والترجيح يحتاج إلى بسط وليس هذا محلُّه .
60- من اللطائف في ترجمة القاضي أبي شجاع تعالى أنه عاش ستين ومئة سنة ، وكان مُجاوراً للمسجد النبوي وقائماً على خِدمته وعِمارته وبذل الخير فيه ، حتى توفي ودفن في المدينة .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )
تعليقاتي على متن أبي شُّجاع | مدونة المتوقِّد