قوله تعالى في سورة الإسراء : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)
قال أبو السعود :
إنَّهُ أي إن نوحاً عليه الصلاة والسلام كَانَ عَبْدًا شَكُورًا كثيرَ الشكر في مجامع حالاتِه ، وفيه إيذانٌ بأن إنجاءَ مَنْ معه كان ببركة شكرِه عليه الصلاة والسلام وحثٌّ للذرية على الاقتداء به وزجرٌ لهم عن الشرك الذي هو أعظمُ مراتبِ الكُفرانِ .
قوله تعالى في سورة النحل : فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)
قال أبو السعود :
بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ وفي صيغة الصنعة إيذانٌ بأن كفرانَ النعمة صار صنعةً راسخةً لهم وسنةً مسلوكة.
قوله تعالى في سورة الكهف : قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70)
قال أبو السعود :
قَالَ فَإِنِ اتبعتنى أذِن له في الاتّباع بعد اللتيا والتي ، والفاءُ لتفريع الشرطيةِ على ما مر من التزام موسى عليه الصلاة والسلام للصبر والطاعة فَلاَ تَسْأَلْنى عَن شَىء تشاهده من أفعالي أي لا تفاتحْني بالسؤال عن حكمته فضلاً عن المناقشة والاعتراض حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً أي حتى أبتدىء ببيانه ، وفيه إيذانٌ بأن كلَّ ما صدر عنه فله حكمةٌ وغايةٌ حميدةٌ البتةَ ، وهذا من أدب المتعلم مع العالم والتابعِ مع المتبوع .
لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً قيل : معناه أنكرُ من الأول إذا لا يمكن تدارُكه كما يمكن تداركُ الأول بالسدّ ونحوِه ، وقيل : الأمرُ أعظمُ من النُّكر لأن قتلَ نفس واحدةٍ أهونُ من إغراق أهلِ السفينة .
قوله تعالى في سورة الكهف : لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ..
قال أبو السعود :
يَعْمَلُونَ فِى البحر وإسنادُ العمل إلى الكل حينئذ إنما هو بطريق التغليب أو لأن عملَ الوكلاءِ عمل الموكِّلين .
قوله تعالى في سورة سبأ : قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)
قال أبو السعود :
مثنى وفرادى أي متفرِّقين اثنينِ اثنين وواحداً واحداً فإنَّ الازدحامَ يُشوش الأفهامَ ويخلطُ الأفكار بالأوهامِ وفي تقديمِ مَثْنى إيذانٌ بأنَّه أوثقُ وأقربُ إلى الاطمئنانِ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ في أمرِه عليه الصلاة والسلام وما جاء به لتعلمُوا حقيقتَه وحقِّيتَه؟.
قوله تعالى في سورة الزخرف : وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14)
قال أبو السعود :
وَإِنَّا إلى رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ أي راجعونَ وفيهِ إيذانٌ بأنَّ حقَّ الراكبِ أنْ يتأملَ فيما يُلابسُه من المسيرِ ويتذكَر منه المسافرةَ العُظْمى التي هيَ الانقلابُ إلى الله تعالى فيبنِى أمورَهُ في مسيرِه ذلكَ على تلكَ الملاحظةِ ولا يخطرُ ببالِه في شيءٍ مما يأتِي ويذرُ أمراً ينافيها ومن ضرورتِه أن يكون ركوبُه لأمرٍ مشروعٍ .
قوله تعالى في سورة آل عمران : وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)
قال أبو السعود :
وإيثارُ كلمةِ فِى على ما وقع في قوله تعالى : وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ الخ للإيذان بأنهم مستقِرّون في أصل الخيرِ متقلّبون في فنونه المترتبةِ في طبقات الفضلِ لا أنهم خارجون عنها منتهون إليها.
الذين يسارعون فِى الكفر أي يقعون فيه سريعاً لغاية حرصِهم عليه وشدةِ رَغبتِهم فيه ، وإيثارُ كلمةِ فِى على ما وقع في قوله تعالى : وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ الآية ، للإشعار باستقرارهم في الكفر ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله تعالى : أُوْلَئِكَ يسارعون فِى الخيرات فإن ذلك مؤذِنٌ بملابستهم للخيرات وتقلّبِهم في فنونها في طرفي المسارعةِ وتضاعيفِها ، وأما إيثار كلمة إلى في قوله تعالى : وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ الخ ، فلأن المغفرةَ والجنةَ منتهى المسارعةِ وغايتُها.