فائدة :
قال ابن كثير - : وقد ورد في هذا حديث غريب جدًّا ، فقال ابن جرير : حدثني محمد بن موسى الحرشي : حدثنا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ ، حدثنا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - – قال : كَانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ امْرَأَةٌ - قال ابن عباس : لا والله ، ما إن رأيت مثلها قط - وكان بعض المسلمين إذا صلوا ، استقدموا - يعني : لِئَلَّا يَرَاهَا - وبعضٌ يَسْتَأْخِرُون ، فإذا سجدوا ، نظروا إليها من تحت أيديهم !! فأنزل الله : وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ .
وكذا رواه أحمد ، وابن أبي حاتم في ( تفسيره ) ، والترمذي ، والنسائي في ( كتاب التفسير ) من سننيهما ؛ وابن ماجه ، من طرق عن نوح بن قيس الحداني ؛ وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما ، وحكي عن ابن معين تضعيفه ، وأخرج له مسلم وأهل السنن .
وهذا الحديث فيه نكارة شديدة ؛ وقد رواه عبد الرزاق ، عن جعفر بن سليمان ، عن عمرو بن مالك - وهو النكري - أنه سمع أبا الجوزاء يقول : في قوله : وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ في الصفوف في الصلاة ؛ و الْمُسْتَأْخِرِينَ ؛ فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط ، ليس فيه لابن عباس ذكر ؛ وقد قال الترمذي : هذا أشبه من رواية نوح بن قيس ؛ والله أعلم ( [1] ) .
التخريج :
حديث ابن عباس : رواه أحمد في ( المسند ) ، وابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ؛ ورواه - أيضًا - الطيالسي في ( مسنده ) ، والطبراني في ( الكبير ) ، وأبو نعيم في ( الحلية ) ، وابن خزيمة في ( صحيحه ) ، وابن حبان في ( صحيحه ) ، والحاكم في ( المستدرك ) ، والبيهقي في ( الكبرى ) ، من طرق ، عن نوح بن قيس ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ؛ وهذا إسناد حسن ؛ وصححه ابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم ، ووافقه الذهبي ، والألباني ؛ لكن قال الترمذي : وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء نحوه ؛ ولم يذكر فيه عن ابن عباس ، وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح .ا.هـ. والعلم عند الله تعالى ( [2] ) .
قال الألباني - : و أما النكارة الشديدة التي زعمها ابن كثير - ، فالظاهر أنه يعني أنه من غير المعقول أن يتأخر أحد من المصلين إلى الصف الآخر ، لينظر إلى امرأة ! وجوابنا عليه أنهم قد قالوا : إذا ورد الأثر بطل النظر ؛ فبعد ثبوت الحديث ، لا مجال لاستنكار ما تضمنه من الواقع ( [3] ) . انتهى المراد منه ، وهو كلام حسن ؛ لكن هناك علة أخرى تدل على النكارة ؛ وهي أن سورة الحجر مكية باتفاق ؛ ولم يُنقل أن النبي كان يصلي بمكة جماعة في المسجد ؛ ولا شك أن قول ابن عباس : ( لا والله ، ما إن رأيت مثلها قط ) يدل - يقينًا - على أن ذلك كان بالمدينة ، فمعلوم أن ابن عباس هاجر به أبوه قبل الفتح ، وكان يوم مات النبي مراهقًا ؛ ولم ينقل أن هذه الآية مدنية في سورة مكية ؛ وهذا يدل على ما قاله ابن كثير - من النكارة الشديدة ، والعلم عند الله تعالى .


[1] - تفسير ابن كثير : 4 / 532 – دار طيبة .

[2] - أحمد : 1 / 305 ، وابن جرير : 14 / 18 ، وابن أبي حاتم : 7 / 2261 ( 12361 ) ونقله المحقق عن ( الدر المنثور ) ، والترمذي ( 3122 ) ، والنسائي ( 870 ) ، وابن ماجة ( 1046 ) ؛ ورواه الطيالسي ( 2712 ) ، والطبراني في الكبير : 12 / 171 ( 12791 ) ، وأبو نعيم في الحلية : 3 / 81 ، وابن خزيمة ( 1696 ) ، وابن حبان ( 401 ) ، والحاكم : 2 / 353 ، والبيهقي في الكبرى ( 5271 ، 5272 ) ؛ وانظر ( سلسلة الأحاديث الصحيحة ) رقم ( 2472 ) .

[3] - سلسلة الأحاديث الصحيحة ( 2472 ) .