العبقرية اللغوية:
سأسوق إليك بعض الشواهد التي تدل على أن العبقرية اللغوية تتساوى مع العبقرية الحربية ، فالرسول أفصح العرب ، وأقدرهم بلاغة وبيانا ، يقول : الاستئذان ثلاث ، فإن أذن لك ، وإلا فارجعنلاحظ في هذا الحديث النبوي الشريف قمة البلاغة ، فهو لم يحتو على استعارة ولا تشبيه ولا كناية ، بل جاء في أسلوب خبري ، أراد منه النبي الإقناع والامتاع ، فلقد اعتمد النبي على الإيجاز ، والإيجاز- كما يرى النقاد – هو البلاغة ، فقد اعتمد النبي على الإيجاز ، وهو كما نعلم التعبير عن المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة ، فأصل الكلام ( الاستئذان ثلاث مرات فإن أَذِنَ مَنْ تستأذنه لك فادخل وإن لم يأذن لك فارجع) فنلاحظ أنه حذف المعدود ( مرات) وذلك لدلالة السياق عليه ،وحذف الفاعل ،والتقدير فإن أذن لك من تستـأذنه، وحذف جواب الشرط في الجملة الشرطية الأولى ، وحذف فعل الشرط في الجملة الشرطية الثانية ، وسأوضح ذلك ولكن أود أن أشير أن هذا الحذف من سنن العرب المعروفة ، قال الشاعر:
فطلقها فلست لها بكفء وإلا يعل مفرقك الحسام.
يقول له أنت لست كفءا لها لذا وجب عليك أن تطلقها وإن لم تطلقها فسيعلو السيف رأسك. فنلاحظ أن الشاعر حذف فعل الشرط وهو ( وإلا تطلقها) .
ويلجأ الإنسان للإيجاز للتعبير عن المعنى الشاغل له بأقل جهد ممكن وفي أقل وقت ممكن.وحتى يجذب انتباه السامع ولينبه على أهمية المذكور ، ولتذهب النفس في المحذوف كل مذهب ، وقد اعتمد الحبيب محمد صلى الله عليه سلم على الإيجاز لبيان خطورة أمر الاستئذان ، لأن الأمر يتعلق بحفظ العورات والأعراض ،وقد بنى الفعل لغير المعلوم لعدم أهمية ذكره ، فالإنسان يحترم كل من يستأذنه عظيما كان أو حقيرا ، قويا كان أو ضعيفا ،مسلما أو غير مسلم ، رجلا أو امرأة ، وحذف الجواب هنا يزيد المعنى وضوحا لأن اللبيب يدرك بالمقدمات النتائج ، ويغنيه التلميح عن التصريح ،وكما يقولون : وكل لبيب بالإشارة يفهم.
وحذف الجواب في الجملة الشرطية الأولى ناسبه حذف الفعل في الجملة الثانية ، لتناسب الجمل ، فنلاحظ أن عدد حروف الجملة الأولى متساو مع عدد أحرف الجملة الثانية.وهذا التناسب يريح النفس ويجعلها تتقبل الأمر بكل ترحيب واهتمام.
ومن الأمثلة القرآنية التي تدل على أهمية الكلمة ونظمها في أداء المعنى قوله تعالى واشتعل الرأس شيبا فنجد أن التقديم والتأخير هنا أفاد معنى العموم والشمول ، كأن سيدنا زكريا أراد أن يقول : إن الشيب لحق شعري كله فلم يترك فيه شعرة واحدة وهذا دلالة عن كبر السن ، فأصل الكلام قبل التقديم والتأخير (استعل شيب الرأس ) فلما تقدم المضاف إليه وتأخر الفاعل ( المضاف) أفاد معنى العموم ، ولتقريب ذلك إلى الأذهان نقول هناك فرق بين قولنا (اشتعلت النار في الدار ) وقولنا ( اشتعلت الدار نارا).
وكذلك قوله وجعلوا لله شركاء الجن فأصل الكلام في غير القرآن ( وجعلوا الجن شركاء لله ) فنلاحظ أن التقديم والتأخير أفاد معنى النفي التام ، كأن الله تعالى أراد أن ينفي كل شريك له ولو كان من الجن ، أما لوجاءت بدون تقديم و تأخير لنفت شركة الجن فقط دون أن تنفي شركة أحد آخر.
أظنك الآن أدركت جمال التعبير وتأثيره في خدمة المعاني ، ووقفت على روعة اللغة وجمالها ورقتها ودقتها في التعبير.
مع خالص دعواتي لأمتنا الإسلامية بالرقي والنهوض
أيمن أبومصطفى