يقول تعالى" َيسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)
هذه الآية تسمي آية الكلالة وهي ثالثة ثلاث آيات من القران هي الجامعة لأحكام المواريث في الإسلام الآيتان الأخريان هما الآية رقم (11) والآية رقم ( 12) من السورة الكريمة وقد وردتا في أول السورة وهذه الآية وهي آخر آية من السورة والسؤال الذي يلح علينا عند التأمل في هذه الآية هو لماذا تأخرت هذه الآية عن أختيها اللتين وردتا في أول السورة وبخاصة إذا علمنا أن ترتيب السور في المصحف وترتيب الآيات في السورة توقيفي من عند الله تعالى ، وليس من اجتهاد النبي ، ولا اجتهاد احد من الصحابة أو العلماء والحقيقة فقد لبثت فيها عمرا أتأمل الحكمة في هذا التأخير وبحثت عند المستقدمين من العلماء والمستأخرين فلم اظفر بشيء يرضيني وان كنا وجدنا الفخر الرازي قد لفت انتابهه هذا السؤال فأجاب بقوله : «اعلم أنه تعالى تكلم في أول السورة في أحكام الأموال وختم آخرها بذلك ليكون الآخر مشاكلًا للأول، ووسط السورة مشتمل على المناظرة مع الفرق المخالفين للدين.
فكما بدأ الله تعالى السورة بأحكام الأموال والمواريث ختمها بها، ومعلوم أن سورة النساء من السور التي عنيت ببيان الأحكام الفقهية، وهي سورة مدنية. غير ان شعورا لا يفتأ يزداد إلحاحا بان ما أجاب عنه الفخر الرازي ليس كافيا وان كان قد فتح لنا باب البحث وخط لنا المنهج .
والآن دعونا نتأمل ونغوص في بحر هذه الآيات فربما يمن الله علينا بشيء من اللؤلؤ المكنون فيها فان حدث فقد أوتينا خيرا كثيرا وإلا نكون قد أخذنا اجر التدبر والتأمل فيها ونقدم بين يدي السؤال هذه الملاحظات الآتية في الآية
أولا:- هذه الآية ليست متأخرة فقط في ترتيبها في السورة عن باقي آيات المواريث بل متأخرة أيضا في النزول عنها ويفصل بينها وبين آيات المواريث زمنا ليس بالقريب كما فصل بينها وبين الآيات الأولى أكثر من مائة وستين آية فالآيات الأولى نزلت في غضون العام الثالث من الهجرة بعد غزوة احد وشاهدها ما أورده الواحدي في أسباب النزول عن جابر بن عبد الله قال : جاءت امرأة إلى رسول الله - - بابنتين لها فقالت : يا رسول الله ، هاتان بنتا ثابت بن قيس - أو قالت سعد بن الربيع - قتل معك يوم أحد ، وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما ، فلم يدع لهما مالا إلا أخذه ، فما ترى يا رسول الله ؟ فو الله ما ينكحان أبدا إلا ولهما مال . فقال : يقضي الله في ذلك ، فنزلت سورة النساء وفيها "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " إلى آخر الآية ، فقال لي رسول الله - - : ادع لي المرأة وصاحبها ، فقال لعمهما : أعطهما الثلثين ، وأعط أمهما الثمن ، وما بقي فلك" فأنت ترى أن الآيات الأولى نزلت أعقاب غزوة احد في العام الثالث الهجري
أما الآية الأخيرة فالمتفق عليه بين العلماء على أنها من أواخر ما نزل من القران وبعضهم قال إنها آخر آية نزلت من القران على الإطلاق "يقول أبوبكر بن العربي في كتابه أحكام القران .عن وقت نزولها : ثبت في الصحيح أن البراء بن عازب قال : آخر سورة نزلت سورة براءة ، وآخر آية نزلت آية الكلالة . وأيا كان الاختلاف في أنها آخر آية نزلت أم لا فالاتفاق على أنها من أواخر الآيات وهذا يعني انه يفصل بينها وبين الآيات الأولى زمنا كبيرا
ثانيا :- صياغة الآية من ناحية الأسلوب تختلف عن الآيات الأولى فهذه الآية تبدأ "يستفتونك " لتكون الآية بعد ذلك إجابة لطلب هذه الفتيا والآيات الأولى تبدأ بالأمر الجازم بإنفاذ أحكام الميراث دل عليه اللفظ "يوصيكم " في الآية الأولى وفي الآية الثانية قوله تعالى "وصية من الله "
ثالثا :- ختام الآية يختلف أيضا عن الآيات الأولى فحيث تنتهي هذه الآية بنعمة الله على المؤمنين بالبيان حتى لا يضلوا "يبين الله لكم أن تضلوا تنتهي الآية الأولى فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما والثانية وصية من الله والتحذير بعد ذلك من التعدي لحدود الله
رابعا :-لقد شغلت موضوع الكلالة كبار الصحابة وعندما نزلت الاية الأولى " وان كان رجل يورث كلالة " شغل بها عمر كثيرا اذ لم توضح الآية معنى الكلالة وكان يقول ما راجعت رسول الله في شيئ ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شئ ما أغلظ لي فيه حتى طعن بأصبعه في صدري وقال: يا عمر ألا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء ؟
وفي لفظ الجصاص: ما سألت رسول الله عن شئ أكثر مما سألته عن الكلالة .

وروى ابن جرير : عن سعيد بن المسيب قال : سأل عمر بن الخطاب النبي عن الكلالة ، فقال : " أليس قد بين الله ذلك ؟ " فنزلت : ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة .. الآية
من المعلوم أن أنصبة الميراث تنقسم الى فروض وعصبات وأصحاب الفروض هي الطائفة التي تتميز بان جعل الله لها نصيبا محددا مقدرا من التركة تتقدم في أخذه عند توافر شروط الإرث ولا يحرموا بحال حتى لو زادت السهام عن الواحد الصحيح إذ تعول الفريضة ولا يحرم أصحاب الفروض ...لان نصيبهم معين بخلاف أصحاب العصبات فهم لا يرثون كل التركة إلاعند عدم وجود أصحاب الفروض أو يأخذوا الباقي من التركة بعد أصحاب الفروض ومن ثم فيتصور أن لا يجد أصحاب العصبات مالا ليأخذوه إذا استحوذ أصحاب الفروض على التركة كلها
وأصحاب الفروض اثني عشر وارثا ثمانية من النساء وأربعة من الذكور وهم الأم - الجدة - البنت - بنت الابن - الأخت الشقيقة - الأخت لأب - الأخت لام - الزوجة , ومن الرجال الأب والجد والزوج والأخ لام ونلاحظ هنا ان النساء من اصحاب الفروض ضعف الرجال من اصحاب الفروض
المتأمل في أصحاب الفروض يجد أنهم من الضعفاء فقدر لهم نصيبا مفروضا حتى لا يترك أمرهم للظروف فضمن لهم الإسلام نصيبا مفروضا فليس هناك احتمال في عدم ارثهم بخلاف العصبات حتى الرجال أصحاب الفروض هم من الضعفاء فالأبناء الذكور وان كان عصبة فهم يرثون في كل الأحوال ولا يحرمون وهم اليتامى التي جاءت السورة بالحفاظ على أموالهم واعتبار أن الذين يأكلون أموالهم ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا و الأب يكون عادة بلغ من الكبر عتيا ويحتاج الى حماية أيضا أما الزوجين فهم من الضعفاء لأنهم غرباء عن أهل الزوجين وانتهت علاقتهم بهم بوفاة احدهما فيحتاج كل منهم حماية لضمان الوصول الى حقه فجعلا من أصحاب الفروض وقد الحق القرآن بهؤلاء الإخوة من الأم الذين هم اضعف في القرابة من الإخوة الأشقاء أو لأب إذ أن قرابتهم من الأم فقط وتقديرا من القران لرحم الام وقرابتها فقد ورث الاخوة لام بالفرض لم يتركهم للظروف وقد راينا بعد انهم زاحموا الاخوة الاشقاء فيما سمي بالمسألة المشتركة او المسأة الحجرية وبهذا ضمن لهم القران نصيبا مفروضا
أما العصبات فهم الرجال وسموا عصبة لان المتوفى كان يتقوى بهم وهم الإخوة الأشقاء أو لأب والأعمام الأشقاء أو لأب
عندما نتأمل تناول القران للأحكام العملية فانه لا يورد الأحكام ذات الموضوع الواحد في موضع واحد عادة بل تأتي في مواضع متفرقة مبثوثة في الآيات والسور متسقة مع الجو العام للسورة او الايات المبثوثة فيها فتناول القران الفرقة بين الزوجين مثلا في مواضع متفرقة من القران وليس في موضع واحد فالايلاء جاء في سورة البقرة واللعان في سورة النور والظهار في سورة المجادلة وأحكام الطلاق جاءت متفرقة أيضا فتناولت سورة البقرة أحكام المهر للمطلقة قبل الدخول وتناولت سورة الأحزاب العدة بالنسبة للمطلقة قبل الدخول وتناول القران عدة المطلقة من ذوات الحيض في سورة البقرة وتناول عدة المطلقة من غير ذوات الحيض والأيسة من المحيض و أولات الأحمال في سورة الطلاق وهكذا وعلى هذا جاءت احكام الميراث بذات الطريقة ليست بدعا منها
ومن ثم يبقي التأمل في مناسبة آيات المواريث لسياق السورة ولسياق الآيات التي وردت فيها اذا وضح هذا يصبح من السهل الإجابة على السؤال الذي بدأنا به فالآيات الأولى من أحكام الميرات وقد تضمنت أصحاب الفروض رجالا ونساءا جاءت في سياق الحفاظ على أموال اليتامى وحرمتها وحالة الخوف على الذرية الضعيفة فكانت الآيات متسقة مع سياقها من السورة ومع الجو العام للآيات التي وردت فيها وهذه من عجائب المناسبة في القران أما الآية الأخيرة فقد جاءت لتبين أن الله أزال اللبس بشان الكلالة والتي أشكلت على الصحابة فعرفت الكلالة ولم تعرفها في الآية الأولى فبين ان الكلالة هوالميت الذي لا ولد له وبطبيعة الحال الذي لا والد له اذ لا ميراث للاخوة مع الاب وتضمنت ميراث هؤلاء العصبات في حالة الكلالة وهم الإخوة الأشقاء او لأب ويلحق بهم الأعمام الأشقاء أو لأب وهم غالب أصحاب العصبات وقد جاءت متسقة مع الآيات التي تتحدث عن نعم الله على الناس بإرسال الرسل في بيان ما استشكل علي الناس وبيانه الطريق المستقيم وتوضيح ما التبس على أهل الكتاب بشان المسيح فكان مناسبا أن تورد توضيح ما أشكل على الصحابة بشان الكلالة " يبين الله لكم ان تضلوا " وكما بين الله للسابقين ما اختلفوا هاهو يبين للصحابة ما استشكل عليهم بشان الكلالة نعمة منه وفضلا " يبين الله لكم ان تضلوا"
وبهذا ظهرت الحكمة في تفريق آية الكلالة عن أخواتها من آيات الميراث حتى تتسق كل اية مع الايات التي جاورتها والله اعلم