يقول تعالى "وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) الأنعام
هذه الآية تفسر لنا ظاهرة غريبة في سلوك بعض البشر عندما يروا الحق ناصعا واضحا للعيان وتسقط لديهم كل حجة في معارضته وينقطع امامهم كل سبيل في عداوته ومع ذلك فهم ينأون عنه وينهون عنه ويجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق وقد يقف أصحاب الحق امام هذا الصنف حائرون ربما يتهمون أنفسهم بأنهم غير قادرين على إقناع هؤلاء بسبب قصور أو عجز لديهم فهذه الآية تحل لغزا كبيرا في تفسير سلوك هؤلاء البشر فتخبرنا أن هؤلاء لم تكن تنقصهم الحجة أو الإقناع بل طبعوا على اللدد والعناد وفي قلوبهم كبر ماهم ببالغيه فتخبرنا الآية أن هؤلاء عندما يقفون على النار ويكتشفون حقيقتها وهولها يقولون يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين فيرد عليهم القران بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه تخيل معي صنف من البشر وقفوا على النار وسقوا من ماء الحميم الذي قطع أمعائهم وأكلوا من الزقوم والغسلين تلفح وجههم النار كلما نضجت جلودهم بدلهم جلودا غيرها حتى لا ينقطع إحساسهم بالعذاب قد التفت الاغلال والسلاسل على اعناقهم يسحبون على وجوههم في الجحيم ثم في النار يسجرون كل هذا وأكثر وقفوا عليه وعاينوه وذاقوه وعايشوه وعلموا انه نتيجة تكذيبهم وعنادهم ومع هذا فالقران يقول لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه لو اعطوا فرصة اخرى وعادوا الى الدنيا لعادوا الى ماهم عليه من التكذيب والعناد . فهل بعد ذلك كانت تنقصهم الحجة ؟ فليهدا صاحب الحق ولا تذهب نفسه عليهم حسرات
تعالوا كما تعودنا في هذه الترويحات نغوص في أعماق الآية وننهل من رحيقها وندقق في تراكيبها اللغوية وصياغتها اللفظية لنتعرف أكثر عن طبيعة هذا الصنف من البشر
أولا : هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى" وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) الانعام. تخبرنا الآيات عن قوم يستمعون للرسول ويرون الحجج الناصعة الواضحة لكن ولان على قلوبهم اكنة وفي اذانهم وقر قالوا ان هذا الا اساطير الاولين هؤلاء عندما يقفون على النار ويتمنون العودة للدنيا ليكونوا قوما صالحين يكذبهم القران لانهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه لانهم جبلوا على الشر والعناد والمكابرة
ثانيا :- في الآية ثلاث قراءات متواترة قرا حفص وحمزة ويعقوب" نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ برفع نرد والنصب في ولا نكذبَ " ونكونَ " وعلى هذه القراءة يكون جواب التمني هو فقط نرد والفعل "نكذب" "ونكون" غير معطوفة علية فلا تكون داخلة في التمني فيقتصر التمني عندهم على نرد فقط أما قولهم نكذب ولا نكون فعلى وجه التحقيق أي أنهم يقولون لو رددنا فإيماننا متحقق. وعدم تكذيبنا بآيات الله متحقق أيضا وقرا ابن عامر نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبُ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" بالرفع في نرد " ولا نكذب " ويكون جواب التمن نرد ولانكذب اذ تكون معطوفة عل نرد ويكون داخلا في التمني فيتمنوا ان يردوا الى الدنيا ويتمنوا أيضا ان لا يكذبوا بآيات الله ويكو قولهم "ونكون من المؤمنين على وجه التحقيق أي أنهم يقولون لو رددنا فإيماننا متحقق. وقرا باقي الباقون" نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبُ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فقرءوا الجميع بالرفع فيكون قولهم نكذب ونكون معطوفة على نرد وكلها داخلة في جواب التمني فيكون قولهم كله أماني فتمنوا ان يردوا الى الدنيا وتمنوا ان لا يكذبوا وتمنوا أن يكونوا مؤمنين ونظرا لعدم جواز ترجيح أي قراء متواترة على أخرى فينبغي الأخذ بها جميعا فيكون المعنى ان هؤلاء أصناف متعددة منهم من تمنى العودة الى الدنيا ووعد ان يكون من المؤمنين ومنهم من تمنى الثلاثة وهكذا ويكون قولهم وأنهم لكاذبون شاملة لأمنياتهم ووعودهم فهم كاذبون في تمنيهم ان يكونا مؤمنين وكاذبون في تمنيهم ان لا يكونوا مكذبين
ثالثا :- قوله تعالى "وبدا لهم ما كانوا يخفون من قبل" قوله تعالى : بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل بل إضراب عن تمنيهم وادعائهم الإيمان لو ردوا واختلف المفسرون طويلا واحتاروا في معنى بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ; وقد اورد الطبري في تفسيره بعض هذه الاقوال فقيل : المراد المنافقون لأن اسم الكفر مشتمل عليهم ، فعاد الضمير على بعض المذكورين ; قال النحاس : وهذا من الكلام العذب الفصيح . وقيل: المراد الكفار وكانوا إذا وعظهم النبي خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يفطن بهم ضعفاؤهم ، فيظهر يوم القيامة ; ولهذا قال الحسن : بدا لهم أي : بدا لبعضهم ما كان يخفيه عن بعض . وقيل : بل ظهر لهم ما كانوا يجحدونه من الشرك فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك حين بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل . قال أبو روق . وقيل : بدا لهم ما كانوا يكتمونه من الكفر ; أي : بدت أعمالهم السيئة كما قال : وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون . قال المبرد : بدا لهم جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه . وقيل : المعنى بل ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون عنهم من أمر البعث والقيامة ; لأن بعده وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين .ا.ه
وأقول حق للمفسرين الحيرة إذ الآية فعلا محيرة فالآية تقول بدا لهم" ولم تقل بدا لغيرهم فكيف يبدوا لهم شيئا أخفوه هم؟ فلا حل في الآية إلا أن يكون هذا الشيء كانوا يخفونه عن أنفسهم ثم بدا لهم فما هو هذا الشيء ؟ وهذا هو اللغز الآخر الذي تحله لنا الآية عن هذا الصنف من البشر وهو أنهم كانوا في حياتهم الدنيا يعيشون صراعا مع أنفسهم تنزع فطرتهم الى الإيمان وتنزع أهوائهم الى الكفر فيحاولون إخماد نور الفطرة في قلوبهم بنار الشهوة في نفوسهم ومعنى هذا أنهم كانوا يعلمون الحق ويحاولون إخفائه في نفوسهم كقوله تعالى " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم " يقول الطاهر بن عاشور عند هذه الآية "وذلك أنهم كانوا يخطر لهم الإيمان لما يرون من دلائله أو من نصر المؤمنين فيصدهم عنه العناد والحرص على استبقاء السيادة والأنفة من الاعتراف بفضل الرسول وبسبق المؤمنين إلى الخيرات قبلهم ، وفيهم ضعفاء القوم وعبيدهم ، كما ذكرناه عند قوله تعالى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي في هذه السورة ، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى" ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" في سورة الحجر . وهذا التفسير يغني عن الاحتمالات التي تحير فيها المفسرون وهي لا تلائم نظم الآية ، فبعضها يساعده صدرها وبعضها يساعده عجزها وليس فيها ما يساعده جميعها . والله اعلم