بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:

الحمد لله رب العالمين الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، والصلاة والسلام على سيد الخلق خاتم النبيين والمرسلين الذي أرسله الله للناس كافة ، وأوجب على جميع الخلق اتباعه ، وجعل من أركان الإيمانِ الإيمانُ به صلى الله وسلم وبارك عليه ، وأنزل القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه وجعله ناسخا للشرائع قبله ، وأمر جميع الخلق بالإيمان به والعمل بمقتضاه ، فقد فصل فيه سعادتهم دنيا وأخرى ، أما بعد :
فقد أنزل الله سبحانه كتابا أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ، كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه تنزيل من حكيم حميد ، ومَنَّ على من اصطفاهم من العلماء الراسخين بحسن فهمه على ما أراد سبحانه من علمائنا وأسلافنا الذين ما أرادوا من تفسيرهم لكتاب الله سبحانه إلا رضاه ، فكانوا كما قال تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ، ثم تغيرت الأزمان وتبدلت الأحوال فجاء المستشرقون وأتباعهم من بني جلدتنا الذين يريدون أن نميل ميلا عظيما فحرفوا كلام الله ، وأولوا الآيات على أهوائهم فكانوا مصداق من قال عنهم سبحانه فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ، وتبعهم من اغتر بهم من المسلمين ممن عنده جَهلٌ في الدين أو إلحاد خفي في قلوبهم ، أو حب لإرضاء اليهود والنصارى الذين قال سبحانه عنهم وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ، ففرحوا بهذه التأويلات فرحا شديدا ، وانتشر هذا الشر وطم في أرجاء الأرض ، فكان واجبا على من آتاه الله نصيبا من العلم أن يتصدى لهؤلاء ،ولما كنت أعلم من نفسي أني لست من أهل هذا المضمار أحجمت عن ذلك ، مدة مديدة مع إلحاح كثير من الإخوان من العرب وغيرهم أن أكتب في هذا الموضع ، حتى طلب مني من لا يسعني مخالفته أن أكتب في هذا الموضوع، وأخبرني أن عرى الدين تُنْقض باستدلالتهم ،فشرح الله صدري لهذا ، فجمعت كلام العلماء جمعا مستقى في كل آية استدلوا بها وحرفوا معناها مما يتعلق باليهود والنصارى ، وكان التركيز في البحث في الدرجة الأولى على آية إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) (البقرة:62) وعلى ما يشبهها في المائدة والحج، ومن خلال البحث بينت الحق في تفسير: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) ( آل عمران 113 ـ 114) ، وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)المائدة: 47)، قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) (المائدة: 68) وهي الآيات التي يكررون الاستدلال بها ، وقد بذلت في البحث غاية جهدي وعصارة خبرتي في تلخيص وتحرير أقوال العلماء في كل آية من الآيات بحيث لا أترك تفسيرا مطبوعا وصلني إلا ذكرت رأيه ، وحررت المسائل تحريرا وحبرتها تحبيرا ، ليكون هذا الكتاب نهارا يزيل ظلمة شبهاتهم ، وسيفا يقطع لسان كل محرف لكتاب الله الذي هو روحنا وحياتنا ، وكل هذا من توفيق الخالق الرازق سبحانه ،الذي لا يكون شيء إلا إذا أراد سبحانه ، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ .
**
خطة البحث:

قسمت البحث إلى قسمين : القسم الأول: التفسير التحليلي وفيه ست وعشرون مسألة، والقسم الثاني: أدلة الرد على من فسر الآية على خلاف مراد الله سبحانه، وفيه سبع عشرة دليلا ، وإليك تفصيل المباحث:
القسم الأول فيه أربع وعشرون مسألة :

المسألة الأولى: في علاقة آية سورة البقرة بما قبلها
المسألة الثانية: فائدة إِنَّ.
المسألة الثالثة : بيان الأقوال في المراد بالذين آمنوا.
المسألة الرابعة: الأقوال في المراد بـ(الذين هادوا والنصارى) في الآية.
المسألة الخامسة : حاصل الأقوال في معنى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ.
المسألة السادسة: تحقيق اشتقاق هادوا وبيان الفرق بين هادوا ويهودوهُود المسألة الثامنة:أصل كلمة النصارى.
المسألة السابعة : هل اليهودية دين سيدنا موسى .
المسألة التاسعة: اختلف العلماء كذلك لم سموا "نصارى".
المسألة العاشرة: السر في أنه تعالى في حق اليهود لم يقل قالوا إنا يهود بل قال اليهود وفي حق النصارى قال:" قالوا إنا نصارى"
المسألة الحادية عشر: تاريخ الصَّابِئة وفرقهم .
المسألة الثانية عشرة : أقوال المفسرين في الصابئة .
المسألة الثالثة عشرة : أقوال الفقهاء في الصابئة.
المسألة الثالثة عشرة : اشتقاق اسم الصابئة .
المسألة الرابعة عشرة: من آمن بالله
المسألة الخامسة عشرة: معنى اليوم الآخر في مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (62).
المسألة السادسة عشرة : عبارة آمن بالله واليوم الآخر في مصطلح القرآن يراد بها الإيمان بجميع الأركان .
المسألة السابعة عشرة : إعراب (من) في من آمن بالله واليوم الآخر.
المسألة الثامنة عشرة : معنى فلهم أجرهم عند ربهم.
المسألة التاسعة عشرة : معنى ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
المسألة العشرون : مناسبة آية سورة المائدة وآية سورة الحج لما قبلهما
المسألة الحادية والعشرون : تلخيص أقوال العلماء في سورة المائدة.
المسألة الثانية والعشرون : تفسير آية سورة الحج مع ذكر أقوال العلماء:
المسألة الثالثة والعشرون: الإعراب في المائدة والصابئون.
المسألة الرابعة والعشرون: الفائدة البلاغة في رفع الصابئون.
القسم الثاني وفيه سبع عشرة دليلا .

الدليل الأول : تفسيرهم يؤدي إلى اختلاف القرآن وتعارضه
الدليل الثاني: أن اسم النصارى لم يرد في القرآن مرادا به الموحدون
الدليل الثالث: قوله تعالى من آمن بالله يرد عليهم
الدليل الرابع: هم لا يؤمنون بيوم القيامة كما وصفه الله تعالى
الدليل الخامس: شرط العمل الصالح الإيمان
الدليل السادس: دينهم يخالف دين الإسلام الذي عرفه القرآن
الدليل السابع:القرآن مليء بالآيات التي تدعو الكفار ومنهم أهل الكتاب وتناقشهم
الدليل الثامن: القرآن يقرر أن من عبد مع الله غيره لم يعبد الله سبحانه الدليل التاسع : نص القرآن الكريم على كفر اليهود والنصارى صراحة
الدليل العاشر : قد بشرت جميع الكتب بالنبي وأمته الدليل
الحادي عشر:ترك ملايين النصارى واليهود دينهم عبر التاريخ والدخول في الإسلام دليل على وجوب الإيمان
الدليل الثاني عشر:العمل بالتوراة أو الإنجيل عمل بشريعة منسوخة
الدليل الرابع عشر: أن هذه القول خارق لإجماع علماء المسلمين
الدليل الخامس عشر:جميع الأنبياء أخذ عليهم وعلى أممهم الإيمان بالنبي
الدليل السادس عشر أن الله تعالى أمر بطاعة الرسول و جعل المتولي عنه كافرا
الدليل السابع عشر: القرآن نص على أن الرسول أرسل للناس جميعا

القسم الأول: التفسير التحليلي وفيه ست وعشرون مسألة:

الآيات التي سنتناولها في هذا البحث هي ثلاث آيات، آية وردت في سورة البقرة ، وآية وردت في المائدة والثالثة وردت في سورة الحج:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62] .
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [المائدة:69] .
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [الحج:17] ، وسنبدأ في التفسير بآية سورة البقرة ثم نثني بتفسير آية المائدة ، ثم آية سورة الحج.
المسألة الأولى: في علاقة آية سورة البقرة بما قبلها

وفيها قولان:
القول الأول: وهو المختار الجاري على التفسير الأصح للآية، تظهر ثلاث مناسبات:

1) المناسبة الأولى : كانت الآيات السابقة لهذه الآية تتحدث عن بني إسرائيل وكفرهم بالآيات المتتالية آية بعد آية ، وكفرهم بالنعم بعد تواليها ، وعن تكرار ذلك الكفر فظهر انصرافهم عن الحق مع كثرة الآيات ، وختمت بأنهم ضربت عليهم الذلة والمسكنة ، فلما كان ذلك ربما أوهم أنه لا خلاص لهم منه وإن تابوا ، وهذا يورثهم اليأس من رحمته سبحانه ، وأن لا يبقى عندهم للأمل في عفو الله متنفس ، وكانت عادته سبحانه جارية بأنه إذا ذكر وعداً أو وعيداً عقبه حكم ضده ليكون الكلام تاماً ، اعلموا أن باب التوبة مفتوح، والرب كريم، على وجه عام يشملهم وغيرهم من جميع أهل الملل ، فمهما كانت ملتهم السابقة تقبل توبتهم في هذا الدين، والإسلام يـَجُبُّ ما قبله ، وأنه ليس على الإنسان ليكون من أهله إلا أن يؤمن بأركان الإيمان لا سيما الإيمان بالله الواحد بدون شريك ، ويوم القيامة الذي يكرم الله فيه المؤمنين ويعذب الكافرين على ما بين في القرآن الكريم ، وما يستلزم ذلك من خشية وخوف من الله ، وأن يعمل صالحا على حسب ما فصل في القرآن تصديقا لإيمانه، وهذا يستلزم الإيمان بجميع الرسل وأولهم الرسول محمد ، والإيمان باليوم الآخر ، والعمل الصالح على وفق ما جاء في القرآن وفي هذا الشرع الذي أتى به النبي كما هو مفهوم ضمنا ، وبما يستلزمه ذلك من الإيمان بالرسول بدون تفريق كما سيأتي ، فهذا الأساس هو السبب الوحيد لعدم الخوف والحزن في الآخرة ، وأن المؤمنين ظاهرا فقط أو ظاهرا وباطنا ، واليهود والنصارى والصابئون جميعا في النجاة سواء إذا حققوا شروط الإيمان السابقة على ما أتى به القرآن ، لا فرق بين يهودي ونصراني وعبدة للكواكب، ولا ينظر في ذلك إلى سابق ما كانوا يتدينون ولا إلى ما كانوا ينتحلون من نحل، ، فهذا النص الكريم إذاً يفتح باب الرجاء ويقرب التوبة ، وبهذا يتضح وجه توسيط هذه الآية وما قبلها بين تعداد النعم ، فقد جعل سبحانه ذلك الحكم الخالد الأبدي معترضا في أخبار بني إسرائيل ليفتح باب الإيمان لهم ولغيرهم.
· ومن جهة أخرى فيها بيان أن ادعاء الإيمان بدون إيمان حقيقي بالله واليوم الآخر وبدون عمل لا يجدي كما يفعل بغض المغرورين من المسلمين.
وهذا ملخص ما ذكره الرازي والبقاعي[1] وأبو حيان[2] والآلوسي[3] وابن عاشور[4] وأبو زهرة [5]والشيرازي في الأمثل[6] ومحمد عبده.
2) المناسبة الثانية: لما بين سبحانه أن اليهود تعنتوا على سيدنا موسى كما مر مرة بعد مرة أورثهم كفراً في قلوبهم فمردوا على العصيان والتجرّؤ على مجاوزة الحدود، فضرب عليهم الذلة والمسكنة وأحلهم الغضب ، وكان في ذلك تحذير لمن طلب سلوك ذلك الصراط المستقيم من حالهم ، نبه على أن من عمل ضد عملهم منهم أو من غيرهم من جميع الملل كان على ضد حالهم عند ربهم ، فلا يغضب عليهم بل يوفيهم أجورهم ويورثهم الأمن والسرور المتضمنين لضد الذلة والمسكنة ، فقال تعالى إن الذين آمنوا [7].
3) المناسبة الثالثة : أنه سبحانه لما علّل إهانة بني إسرائيل بعصيانهم واعتدائهم كان كأنه قيل : فما لمن أطاع ؟ فأجيب بجواب عام لهم ولغيرهم فالآية بمنزلة الاستثناء من حكم الآية السابقة ، وإنما ورد على هذا الأسلوب البديع متضمنا لجميع من تمسك بهدى نبي سابق[8] .
القول الثاني: وهذا القول مبني على القول المرجوح في تفسير الآية وهو قول السدي وابن كثير[9] ومن وافقهما : فهم يقولون: " أن الآية تمدح الذين كانوا على التوحيد الصحيح قبل دخول النسخ والتحريف ، فالآية تمدح الذين كانوا على دين سيدنا موسى عليه وسلم الصحيح قبل مجيء سيدنا عيسى ، وهكذا الذين كانوا على دين سيدنا عيسى قبل مجيء سيدنا محمد ، وهكذا الصابئة إن كانوا في فترة من الفترات على التوحيد الصحيح قبل دخول التحريف" فعلى هذا القول تكون المناسبة بين الآية وما قبلها:
أنه لما ذكر القرآن بني إسرائيل وذمهم ، وذكر معاصيهم وقبائحهم ، ربما وقع في بعض النفوس أنهم كلهم يشملهم الذم من كان منهم في فترة من الفترات على الحق ومن كان في فترة من الفترات كافرا ، فأراد الباري تعالى أن يبين من لم يلحقه الذم منهم بوصفه وأن المؤمنين الموحدين الذين كانوا قبل أن تنسخ شريعتهم هم على الحق، فأزال الوهم السابق عن الذين هادوا والنصارى والصابئين والذين آمنوا ، فذكر تعالى حكما عاما يشمل الطوائف كلها ، ليتضح الحق ، ويزول التوهم والإشكال ، فهذا الحكم بين هذه الطوائف ، من حيث هم ، قبل بعثة سيدنا محمد وأن هذا مضمون أحوالهم .
قالوا : وهذه طريقة القرآن إذا وقع في بعض النفوس عند سياق الآيات بعض الأوهام ، فلا بد أن تجد ما يزيل ذلك الوهم ، لأنه تنزيل مَنْ يعلم الأشياء قبل وجودها ، ومَنْ رحمته وسعت كل شيء [10]، وسيأتي ضعف هذا القول وهذا الربط ببيان أن اسم النصارى لم يطلق في القرآن أبدا على كان موحدا بل أطلقه في جميع الآيات على الكفار[11] منهم بل قال في موضعين "الذين قالوا إنا نصارى" وهذا يرجح أن المراد كذلك بالذين هادوا الكفار منهم وكذلك الصابئون كما سيأتي في بيان عقائدهم.
المسألة الثانية: فائدة إِنَّ

على ما سبق من القولين يأتي القول في فائدة التأكيد بـ(إنَّ) قولان:
فعلى التفسير الأول وهو الصحيح: فمجيء إنَّ هنا لمجرد للاهتمام بالخبر وتحقيقِه لدفع توهم أن الله سبحانه لا يقبل توبتهم فيؤدي ذلك إلى يأسهم.
وعلى القول الثاني[12] في التفسير : فمجيء إنَّ هنا لمجرد الاهتمام بالخبر وتحقيقِه لدفع توهم أن ما سبق من المذمات شامل لجميع اليهود ، فإن كثيراً من الناس يتوهم أن سلف الأمم التي ضَلَّت كانوا مثلهم في الضلال[13].

المسألة الثالثة : بيان الأقوال في المراد بالذين آمنوا:

سبب الاختلاف:

اختلف المفسرون في المراد منه ، وسبب هذا الاختلاف قوله تعالى في آخر الآية : من آمن بالله واليوم الآخر فإن ذلك يقتضي أن يكون المراد من الإيمان في قوله تعالى : إن الذين آمنوا غير المراد منه في قوله في : من آمن بالله ، ونظيره في الإشكال قوله تعالى :
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فلأجل هذا الإشكال ذكروا أقوالا عدة [14] ، وهذه الأقوال كثرت في سورة البقرة ، إلا أن أقواها ثلاثة أقوال وهي التي استقر كلام المفسرين عليها في المائدة ، فلم يذكروا غيرها ، فلذلك أذكر هذه الأقوال الثلاثة ، وعند بيان حاصل الأقوال أذكر بقيتها مع نقاشها .
الأقوال في المراد بالذين أمنوا:
القول الأول:

قالوا المراد الذين آمنوا بالله الواحد ، والرسول محمدا من هذ الأُمة وصدقوا بكل ما جاء نبينا محمد ، وثبتوا على إيمانهم وآمنوا باليوم الآخر على ما حسب ما ذكره القرآن.
فيكون الفرق بين إن الذين آمنواومن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا:

  1. أنَّ معنىإنَّ الذين أمنوا أحدثوا الإيمان، ومعنى من آمن بالله باليوم الآخر ثبتوا وداموا واستمروا عليه في المستقبل .
  2. وإما أن نقول: في من آمن بالله واليوم الآخر تقييد لم يذكر في إنَّ الذين آمنوا، فقد زاد قيد وعمل صالحا؛ لأن الصلة تركبت من شيئين الإيمان والعمل الصالح ، والمخلصون وإن كان إيمانهم حاصلاً فقد بقي عليهم العمل الصالح ، فلما تركب الشرط أو الصلة من أمرين ، فكأنه قال من آمن وصدق إيمانه بالعمل[15] .

اختار هذا القول : الطبري والطوسي[16] والقرطبي والسعدي وسيد قطب وابن عاشور وأبو زهرة ، وسيد طنطاوي والنسفي والصابوني ونسبه الإمام الرازي[17] للمتكلمين .

القول الثاني:

المراد بهم المنافقون في أمة سيدنا محمد ، فهم قوم آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم ، فالمراد بالإيمان إنّما هو الإيمان على طريق المجاز والتسّمية دون الحكم والحقيقة ، فكأنه قال : إن المنافقين والذين هادوا والنصارى والصابئين، فقرنهم باليهود لنفاقهم ، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم ، فقال سبحانه: من آمن أي من حقق وأخلص من المنافقين، و دخل في الإيمان من الذين هادوا و النصارى والصابئين .
والتعبيرُ عن المنافقين بذلك دون عُنوانِ النفاقِ للتصريح بأن تلك المرتبةَ وهي الإيمان في الظاهر، وإن عُبِّر عنها بالإيمان لا تُجديهم نفعاً أصلاً ولا تُنْقِذُهم من ورطة الكفر قطعاً ، ومناسبة ذكر المنافقين هنا : أنه تعالى ذكر في أول هذه السورة طريقة المنافقين بقوله تعالى
: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) الآيات، ثم ذكر طريقة اليهود، ثم جمعهم هنا في الحكم، فكأنه تعالى قال: هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي صار من المؤمنين عند الله[18] .
وهذا القول اختاره : سفيان الثوري والزمخشري[19] والبقاعي وأبو السعود[20] والآلوسي[21] والطباطبائي[22] والأعقم ورده ابن عاشور والخليلي مفتي سلطنة عمان[23].
واختاره في سورة المائدة كثير من العلماء منهم : الثوري و الزجاج وأبو السعود و السمعاني و النسفي والخازن والطبرسي والنيسابوري والشوكاني واطفيش وحسنين مخلوف والشعراوي و الطوسي.
القول الثالث: قالوا: المراد بالذين آمنوا عام للمخلصين والمنافقين .

اختاره الإمام البيضاوي واطفيش في هميان الزاد والمظهري [24] وعبر عنه أبو السعود بقيل[25].
فالمرادُ بالذين آمنوا المتديّنون بدين الإسلام المُخلِصون منهم والمنافقون، أي: الذين قالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وهذا على عمومه من غير اعتبار موافقة القلب ، ولا عدمها ولا الوفاء بالعمل الصالح ولا عدمه ، وإنما اشترط موافقة القلب والعمل الصالح بعد ذلك بقوله : من آمن . . . إلخ .، فالمراد بـ(مَنْ آمن) من اتصف منهم بالإيمان الخالصِ بالمبدأ والمَعاد على الإطلاق، سواءٌ كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه كإيمان المُخلصين أو بطريق إحداثه وإنشائه كإيمان مَنْ عداهم من المنافقين وسائر الطوائف.
وفائدةُ التعميم بذكر المؤمنين الصادقين المخلصين مزيدُ ترغيبِ الباقين في الإيمان ، ببيان أن تأخرهم في الاتصاف بالإيمان غيرُ مُخلَ بكونهم مستحقين للأجر وعدم الخوف والحزن ،فهم إذا آمنوا ينالون ما يناله المؤمنون المخلصون كما قال تعالى فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما .
الراجح:

هو القول الثالث الذي يقول :إن الذين آمنوا يشمل الصادقين وغيرهم لأدلة :
1) بدليل أن القرآن الكريم ذكر بعده إن الذين آمنوا من آمن بالله واليوم الآخرفهي دعوة لكل المؤمنين أن يصدقوا في إيمانهم و أن يعملوا بإيمانهم الأعمال الصالحة ، سواء في ذلك من كان على حقيقة الإيمان أو الذين يدَّعون الإيمان
2) ويدل عليه أن سورة البقرة قسمت الناس في بدايتها إلى ثلاثة أقسام : مؤمنين صادقين ذكرت الكافرين ثم المنافقين الذين أظهروا الإيمان ، ثم حثت الكل على الصدق في الإيمان والعمل الصالح ،وكذلك في سورة المائدة فقد ذكرت القسمين وكذلك سورة الحج[26].
3) وأيضا استعمال الذين آمنوا دون المؤمنين شامل لأقوياء الإيمان وضعافهم ومنهم المنافقون ولذلك استعمل الفعل[27] بخلاف التعبير عن المؤمنين فهو يكون للمتصفين بالإيمان وقد يدل على الراسخين ولم يستعمل لضعاف الإيمان وقد استعمل القرىن الذين آمنوا مرادا به المنافقون أو ضعاف الإيمان في قوله تعالى قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ[28] (9/61) . فعلي هذا التفسير يكون الكلام شاملا لكل المؤمنين ظاهرا وباطنا ودعوة للكل للصدق في الإيمان والعمل الصالح بخلاف الاقتصار على بعض الأقسام.
4) وأيضا هذه القول يؤدي إلى توحيد المراد هنا وفي المائدة والحج ويكون أشمل للأسرار البلاغية التي ستذكر ، بخلاف الاقتصار على أحد القولين:
فمعظم المفسرين في سورة المائدة اختاروا تفسير الذين آمنوا بالمنافقين الذين آمنوا بألسنتهم ، وجمهور المفسرين في سورة الحج فسروا المؤمنين بالمؤمنين الصادقين ، فالأولى توحيد المراد في هذه السور الثلاثة لا سيما سورة المائدة التي تتحد مع سورة البقرة في السياق فلا نفسر مرة بالمؤمنين الصادقين ومرة بالمنافقين .
**
المسألة الرابعة: الأقوال في المراد بـ(الذين هادوا والنصارى) في الآية :

القول الأول: وهو قول الجمهور:

الطبري و ابن عطية و الواحدي و الزمخشري و أبو السعود و الآلوسي و الفخر الرازي و القرطبي و النسفي و البقاعي و الجلال و الهواري و الماتريدي و السمرقندي و ابن أبي زمنين و مكي و الطوسي و الشربيني و الأعقم و المظهري و ابن عجيبة و الشوكاني و الميرغني و الطباطبائي.
قالوا المراد : من كان على الباطل من اليهود والنصارى على الدين المحرف ، ومعنى من آمن باللهإذا تاب وحقق شروط الإيمان ، بأن يؤمن بأركان الإيمان لا سيما الإيمان بالله الواحد بدون شريك ، واليوم الآخر يوم القيامة الذي يكرم الله فيه المؤمنين ويعذب الكافرين على ما أتى في القرآن، من نجاة المؤمنين وخلود الكفار الذين وصف القرآن كفرهم، وما يستلزم ذلك من خشية وخوف من الله ، وأن يعمل صالحا على حسب ما فصل في القرآن تصديقا لإيمانه كما هو مفهوم ضمنا،وهذا يستلزم الإيمان بجميع الرسل بدون تفريق وأولهم الرسول محمد ، والإيمان باليوم الآخر كما سيأتي بيانه، فمن فعل ذلك منهم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
القول الثاني:

قاله مجاهد والسدي، والبيضاوي[29] ، والطوسي، وسيد قطب، والسعدي، والشيرازي في الأمثل ورده أبو السعود .
قالوا المراد : بـالذين هادوا الذين كانوا على دين سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام قبل التحريف وقبل نسخه بشريعة سيدنا عيسى ، ولم يبدلوا ولم يكفروا بعيسى ، ومات وهو مؤمن ؛ والمراد بـ النصارى من آمن بسيدنا عيسى قبل نسخها بشريعة النبي محمد ، فعملوا بشريعة سيدنا عيسى إلى أن جاء سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، والمراد بـالصابئين من كان على التوحيد منهم التوحيد الخالص الذي معه الإيمان بجميع أركان الإيمان على القول بوجود طائفة منهم كانت على الحق في فترة من الفترات قبل طروء التحريف.
وقالوا : الآية نزلت في أصحاب سلمان الفارسي كان يدرس على أيدي علماء كانوا على دين سيدنا عيسى ، قبل مبعث رسول الله ، فقد صحب عُبَّاداً من أتباع سيدنا عيسى ، قال له آخرهم إن زمان نبي قد أظل ، فإن لحقته فأمن به ، ورأى منهم عبادة عظيمة ، فأخبره خبرهم فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي الله : يا سلمان، هم من أهل النار، فاشتد ذلك على سلمان، وقد كان قال له سلمان: لو أدركوك صدقوك واتبعوك، فأنزل الله هذه الآية: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر) .
قال الطبري[30]: معلقا على هذا القول: "فكان إيمان اليهود: أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى، حتى جاء عيسى، فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى - فلم يدعها ولم يتبع عيسى - كان هالكا، وإيمان النصارى: أنه من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه، حتى جاء محمد ، فمن لم يتبع محمدا منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل - كان هالكا".
يقول علي هاني: القول الثاني هذا ضعيف لأن النصارى لم تطلق في القرآن على المؤمنين بدين سيدنا عيسى بدون تحريف ، بل اطلقت على أصحاب التثليث المشركين كما سيأتي تفصيله، وكذلك "الذين هادوا" وإن كانت أطلقت في القرآن إطلاقين : أطلقت على من كان على دين سيدنا موسى الحق نحو: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ، وأطلقت على الكفار منهم نحو مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) كما سيأتي ، لكن اقترانهم بالنصارى ، والنصارى لم تطلق في القرآن إلا على الكفار منهم يعين أن المراد منهم الكفار ، ويؤيده أن القرآن الكريم قال عنهم: الذين قالوا إنا نصارى فهم يدعون دعوى كاذبة الانتماء إلى دين سيدنا عيسى الصحيح ، ويساعد القول الراجح أن السياق قبل الآية وبعدها في ضلالاتهم وتحريفاتهم وتغيراتهم هم وسلفهم ، ويؤيده أن الذين هادوا ذكرت في سورة الحج مع الذين ثبتوا على الكفر منهم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) ، وكذلك لم يثبت علماء التاريخ ولا علماء الأديان أن الصابئة كانوا على التوحيد كما سيأتي، ولو كانوا على التوحيد لما كان اسمهم الصابئة لا سيما أن أكثر العلماء قالوا: إنهم سموا صابئة لخروجهم عن دين التوحيد ، بل جعلهم الشهرستاني مقابلين للحنيفية ، ويزاد على ذلك أن السياق هنا وفي المائدة ليس للكلام على تلك الأمة التي خلت من الذين هادوا والنصارى والصابئين ولا لمدحهم ؛لأنه لا يتعلق به كبير فائدة ـ وإن كان ممكنا في نفسه ـ إنما التركيز والأهم أن يدعوهم إلى الإيمان بهذا الدين وهذا النبي والقرآن كما تقدم عن جمهور المفسرين وكبارهم ، ويؤيده أن قصة بني إسرائيل بدئت بقوله تعالى يا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ، فسياق الآيات من أول سورة البقرة لدعوة جميع الناس إلى الإيمان والتوحيد يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) وليس الغرض الكلام على من كان موحدا قبل آلاف السنوات من الصابئين على فرض وجودهم أو من النصارى ، أو الذين هادوا نعم قد يراد هذا بسياق آخر، وسيأتي تفصيل هذا ويتضح تمام الاتضاح إن شاء الله في المسائل الآتية .
**
المسألة الخامسة : حاصل الأقوال في معنى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ:

بعدما ذكرنا معنى كل من الذين آمنوا ، والذين هادوا ، والنصارى على حدة نستوفي هنا ذكر الأقوال في معنى الجملة، وذلك لأنه حصل من تركيبها مع بعضها عدة أقوال فنريد أن نستوفيها مع ذكر أقوال وفوائد بلاغية لم نذكرها قبل مع نقاش بعضها :
القول الأول:

قالوا المراد بالذين آمنوا الذين آمنوا بالله الواحد ، والرسول محمد من هذ الأُمة وصدقوا بكل ما جاء نبينا محمد وثبتوا على إيمانهم، وآمنوا باليوم الآخر على حسب ما ذكره القرآن ، فيكون المعنى إما إن الذين أمنوا أحدثوا الإيمان ،إذا ثبتوا وداموا واستمروا عليه في المستقبل أو المعنى إن الذين آمنوا إذا حققوا شرط الإيمان بالإيمان بالله الواحد واليوم الآخر وحققوا بقية شروط الإيمان وعملوا صالحا، هذا في حق من آمن، وأما في حق اليهود والنصارى والصابئين فالمراد بهم من كان على الباطل من اليهود والنصارى والصابئين على الدين المحرف ، فالمراد من أحدث الإيمان ودخل في الإسلام بأن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وآمن بجميع أركان الإيمان كما فصل.
اختار هذا القول : الطبري والطوسي والقرطبي والسعدي وسيد قطب وابن عاشور وأبو زهرة وسيد طنطاوي والنسفي والصابوني ونسبه الإمام الرازي للمتكلمين، ويكون سر الابتداء بذكر المؤمنين:

  1. الاهتمام بشأنهم ليكونوا في مقدمة ذكر الفاضلين فلا يذكر أهلُ الخير إلا ويذكرون معهم ، ففيه إدماج للتنويه بالمسلمين في هذه المناسبة ؛لأنّ المسلمين هم المثال الصّالح في كمال الإيمان والعمل الصالح ، فكان لا بد من ذكرهم عند ذكر الإيمان .
  2. و الإِشعار بأن دين الإِسلام دين قائم على أساس أن الفوز برضا الله لا ينال إلا بالإِيمان الصادق والعمل الصالح ، ولا فضل لأمة على أمة إلا بذلك فحال هذه الملة الإسلامية، وحال من قبلها من سائر الملل، يرجع إلى شيء واحد، وهو: أنّ من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، استحقّ ما ذكره الله من الأجر.
  3. والتحرّز عن الغرور الذي قد يتسرب لبعض الذين آمنوا ، بأنهم مؤمنون فيقولون : نحن مؤمنون من أمة النبي فهذا يكفي ولا يحتاج للعمل والله غفور رحيم .

القول الثاني: قالوا المراد بالذين آمنوا المنافقون في أمة سيدنا محمد ، فهم قوم آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم ، فالمراد بالإيمان إنّما هو على طريق المجاز والتسّمية دون الحكم والحقيقة ، فكأنه سبحانه قال: إن المنافقين والذين هادوا والنصارى والصابئين، فقرنهم باليهود لنفاقهم ، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم ، فقال سبحانه: من آمن أي من حقق وأخلص من المنافقين، وأما الذين هادوا والنصارى والصابئين فالمراد بهم من كان على الدين الباطل المحرف فدخل في الإيمان بأن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وآمن باليوم الآخر كما ورد في القرآن الكريم وحقق شروط الإيمان فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
والتعبيرُ عن المنافقين بذلك دون عُنوانِ النفاقِ للتصريح بأن تلك المرتبةَ وهي الإيمان في الظاهر، وإن عُبِّر عنها بالإيمان وأدخلهم الناس في مسمى الذين آمنوا لا تُجديهم نفعاً أصلاً ولا تُنْقِذُهم من ورطة الكفر قطعاً ، قالوا ويؤيده أن المنافقين ذكروا في أول السورة[31]
وهذا القول اختاره : سفيان الثوري والزمخشري والبقاعي وابو السعود والآلوسي والطباطبائي والأعقم، ورده ابن عاشور والخليلي مفتي سلطنة عمان[32].
واختاره في سورة المائدة كثير من العلماء منهم : الثوري و الزجاج وأبو السعود و السمعاني و النسفي والخازن والطبرسي والنيسابوري والشوكاني واطفيش وحسنين مخلوف والشعراوي و الطوسي.
القول الثالث:المراد بالذين آمنوا عام للمخلصين والمنافقين .

اختاره الإمام البيضاوي واطفيش في هميان الزاد ، والمظهري، وعبر عنه أبو السعود بقيل.
قالوا المرادُ بالذين آمنوا المتديّنون بدين الإسلام المُخلِصون منهم والمنافقون، أي: الذين قالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وهذا على عمومه من غير اعتبار موافقة القلب ، ولا عدمها ولا الوفاء بالعمل الصالح ولا عدمه ، وإنما اشترط موافقة القلب والعمل الصالح بعد ذلك بقوله : من آمن . . . إلخ .، فالمراد بـإن الذين آمنوا الذين قالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله صادقا أو منافقين والمراد بـ(مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا) من اتصف منهم بالإيمان الخالصِ بالمبدأ والمَعاد على الإطلاق، سواءٌ كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه كإيمان المُخلصين أو بطريق إحداثه وإنشائه كإيمان مَنْ عداهم من المنافقين و النصارى والصابئين والذين هادوا .
وفائدةُ التعميم بذكر المؤمنين الصادقين المخلصين مزيدُ ترغيبِ الباقين في الإيمان ، ببيان أن تأخرهم في الاتصاف بالإيمان غيرُ مُخلَ بكونهم مستحقين للأجر وعدم الخوف والحزن ،فهم إذا آمنوا ينالون ما يناله المؤمنون المخلصون كما قال تعالى فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ، ثم القائلون بهذا القول: بعضهم ـ كاطفيشـ قال المراد بالذين هادوا والنصارى والصابئين بمن كان على الدين الباطل ثم آمنوا إيمانا صحيحا بالنبي ، وبعضهم ـ كالبيضاوي ـ قال المراد بـ(هادوا) بمن كان على دين سيدنا موسى الصحيح قبل مجيء سيدنا عيسى والمراد بالنصارى من كان على دين عيسى الصحيح قبل مجيء سيدنا محمد ، والصابئة كذلك قبل أن ينسخ دينهم.




القول الرابع:

قالوا المراد بالذين آمنوا من آمن من هذه الآمة، والمراد بالذين هادوا والنصارى: الذين آمنوا قبل مبعث سيدنا محمد قبل نسخ شريعتهم مع البراءة عن أباطيل اليهود والنصارى مثل ورقة ابن نوفل وسلمان الفارسي وبحيرى ، فـالذين هادوا الذين كانوا على دين سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام ، ولم يبدلوا ولم يكفروا بسيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام ممن لم يلحق سيدنا محمداً ، ومات وهو مؤمن ؛لأن حقيقة الإيمان تكون بالوفاة ، والنصارى ممن آمن بعيسى وعملوا بشريعته ممن لم يلحق سيدنا محمداً ، والصابئين كذلك يعني في زمن استقامة أمرهم على القول به ، قالوا والآية نزلت في أصحاب سلمان الفارسي ، فقد صحب عباداً من أتباع سيدنا عيسى فقال له آخرهم إن زمان نبي قد أظل ، فإن لحقته فأمن به ، ورأى منهم عبادة عظيمة ، فلما جاء إلى النبي وأسلم ذكر له خبرهم ، وسأله عنهم ، فنزلت هذه الآية .
مجاهد والسدي وسيد قطب والسعدي وابن تيمية والراغب في تفسيره وظاهر ابن كثير ورده أبو السعود .
وقد أورد الطبري القصة بسنده عن السدي ومجاهد فقال: عن مجاهد قوله : إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هادُواالآية ، قال سلمان الفارسي للنبي عن أولئك النصارى وما رأى من أعمالهم ، قال : لم يموتوا على الإسلام . قال سلمان : فأظلمت عليّ الأرض ، وذكر اجتهادهم ، فنزلت هذه الآية ، فدعا سلمان فقال : «نزلت هذه الآية في أصحابك » ، ثم قال النبي : «مَنْ مَاتَ على دِينِ عِيسَى ومات على الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ بِي فَهُوَ على خَيْرٍ وَمَنْ سَمِعَ بِي اليَوْمَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِي فَقَدْ هَلَكَ »[33] .
نقاش القول الرابع:

يقول علي هاني : هذه الروايات رويت بأسناد ضعيفة كما سبق ، ولو سلمنا صحتها أو صحة بعضها من حيث السند لكن من حيث المتن لا تصلح تفسيرا للآية ؛ لأنها لا تناسب السياق ؛ لأن سياق سورة البقرة دعوة لليهود إلى الإيمان والدخول في الإسلام وفتح باب التوبة لهم ولمن هو على شاكلتهم كالنصارى والصابئن كما ذكر في علاقة الآية بما قبلها ، ولم تسق الآية لتصحيح ما كانوا عليه قبل مجيء النبي .
فإن قيل قد ذكر بعضُ العلماء أن المناسبة هي أنه لما ذكر القرآن بني إسرائيل وذمهم ، وذكر معاصيهم وقبائحهم ، ربما وقع في بعض النفوس أنهم كلهم يشملهم الذم ، فأراد الباري تعالى أن يبين من لم يلحقه الذم منهم بوصفه ، فأزال هذا الوهم عن بني الذين هادوا والنصارى والصابئين والذين آمنوا ، فذكر تعالى حكما عاما يشمل الطوائف كلها ، ليتضح الحق ، ويزول التوهم والإشكال" فهذه مناسبة معتبرة ؟
نقول هذا الربط ليس هو الأظهر في السياق كما تقدم شرحه ، ولئن سلمناه فهو لا يأتي في سورة المائدة وسورة الحج كما سيتضح عند تفسيرهما ، ولئن سلمناه فالآية لم تنزل أصالة في النصارى فهي وإن كانت عامة فالأصل ـ على حسب ما يشير إليه السياق ـ أنها نزلت في اليهود ، لأن الحديث من أوله إلى آخره يتحدث عن اليهود وليس عن النصارى الذين درس عندهم سيدنا سلمان الفارسي ، فالظاهر أن القصة ليست سببا للنزول، لكن قد يقال القصة التي ذكرت ليست سببا لنزول الآية ، ولكنها مما انطبقت عليه الآية ، على فرض أن الذين درس عليهم سيدنا سلمان من أتباع سيدينا عيسى الذين كانوا على التوحيد ، وليس عن النصارى القائلين بالتثليث ، وهذا هو مراد القائلين بهذا القول .
ثم في هذا القول إشكالية وهي أن اسم النصارى لم يطلق قط في القرآن إلا المشركين المثلثين كما سيأتي تفصيله ، وأيضا إشكالية أخرى وهي أن إثبات أن الصابئة كانوا على التوحيد في فترة من الفترات لم يقل به إلا قليل من العلماء ويبدو أن القائلين به قالوا بوجود جماعة من الموحدين فهماً من الآية لا من إثباتات تاريخية وثيقة كما بينه الآلوسي ، وكذلك إن قلنا: إن الذين آمنوا تفسر بالمنافقين أو شاملة للمنافقين ففيه إشكال أن المنافقين لم يكونوا موحدين ولذلك كان نظر أبي السعود [34]ـ كعادته ـ ثاقبا حين قال تعالى :" وأما ما قيل في تفسيره من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدِّقاً بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملاً بمقتضى شرعِه فمما لا سبيل إليه أصلاً لأن مقتضى المقام هو الترغيبُ في دين الإسلام ، وأما بيانُ حال من مضى على دين آخرَ قبل انتساخِه فلا ملابسةَ له بالمقام قطعاً بل ربما يُخِلُّ بمقتضاه من حيث دَلالتُه على حقِّيته في زمانه في الجملة ، على أن المنافقين والصابئين لا يتسنى في حقهم ما ذكر ، أما المنافقون فإن كانوا من أهل الشرك فالأمرُ بيِّن ، وإن كانوا من أهل الكتاب فمن مضى منهم قبل النسخِ ليسوا بمنافقين ، وأما الصابئون فليس لهم دينٌ يجوز رعايتُه في وقت من الأوقات ، ولو سلم أنه كان لهم دينٌ سماوي ثم خرجوا عنه فمن مضى من أهل ذلك الدين قبل خروجِهم منه فليسوا من الصابئين ، فكيف يُمكِنُ إرجاعُ الضمير الرابطِ بين اسمِ إن وخبرِها إليهم أو إلى المنافقين ، وارتكابُ إرجاعِه إلى مجموع الطوائفِ من حيث هو مجموعٌ لا إلى كل واحدة منها قصداً إلى درج الفريقِ المذكور فيه ضرورةَ أن من كان من أهل الكتاب عاملاً بمقتضى شرعِه قبل نسخِه من مجموع الطوائفِ بحُكم اشتمالِه على اليهود والنصارى وإن لم يكن من المنافقين والصابئين مما يجبُ تنزيهُ ساحةِ التنزيل عن أمثاله ، على أن المخلصين مع اندراجهم في حيز اسم إنّ ليس لهم في حيز خبرها عينٌ ولا أثر فتأملْ وكن على الحق المبين ".
وكذلك الآلوسي ناقش هذا القول قائلا: " إلا أنه يرد عليه أنه مستلزم أن يكون للصائبين دين ، وقد ذكر غير واحد أنه ليس لهم دين تجوز رعايته في وقت من الأوقات ففي «الملل والنحل » أن الصبوة في مقابلة الحنيفية ، ولميل هؤلاء عن سنن الحق وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم : الصابئة ، ولو سلم أنه كان لهم دين سماوي ثم خرجوا عنه ، فمن مضى من أهل ذلك الدين قبل خروجهم منه ليسوا من الصابئين ، فكيف يمكن إرجاع الضمير الرابط بين اسم ( إنَّ ) وخبرها إليهم على القول المشهور ، وارتكاب إرجاعه إلى المجموع من حيث هو مجموع قصداً إلى إدراج الفريق المذكور فيهم ضرورة أن من كان من أهل الكتاب عاملاً بمقتضى شرعه قبل نسخه من مجموع أولئك الطوائف بحكم اشتماله على اليهود والنصارى وإن لم يكن من الصابئين مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه ؟ على أن فيه بعداً لا يخفى فتدبر"[35]
القول الخامس: الجمع بين القول الأول والرابع

فتشمل الآية من كان نصرانيا أو يهوديا أو من الصابئة ثم تاب ودخل في الإسلام بلفظها ونصها ، وتشمل من كان من يهوديا أو نصرانيا أو من الصابئة قبل التحريف والتبديل عن طريق الإشارة ، فعلى هذا يكون المعنى: إن الذين آمنوا من يؤمن بالله منهم فله أجره ، ويكون معنى الكلام على الاستقبال لوقوع الفعل الماضي في حيز الشرط أي من يؤمن منهم بالله ويعمل صالحاً فله أجره ، ويكون المقصود منه فتح باب الإنابة لهم بعد أن قُرِّعوا بالقوارع السالفة ، وفي ذلك أيضاً إشارة إلى أن المؤمنين الخالصين من اليهود وغيرهم ممن سلف مثل النقباء الذين كانوا في المناجاة مع موسى ومثل يوشع بن نون وكالب ، لهم هذا الحكم وهو أن لهم أجراً عند ربهم ؛لأن إناطة الجزاء بالشرط المشتق مؤذن بالتعليل بل السابقون بفعل ذلك قبل التقييد بهذا الشرط أولى بالحكم فقد قضت الآية حق الفريقين" قالوا لفظ الآية يحتملهما ،و اختاره ابن عاشور[36].
*
يقول علي هاني: هذه أشهر الأقوال، وهناك أقوال ظاهرة الضعف قل ناصروها ، وضعفت أدلتها أوردها في الهامش[37] .
ثم أقول يمكن إرجاع حاصل الأقوال السابقة إلى قولين أساسيين:
القول الأول:

أن الآية تتكلم عن الذين دخلوا في الإسلام وآمنوا بالنبي من المؤمنين الصادقين أو المنافقين أوهما معا ، وكذلك اليهود والنصارى والصابئين بأن آمنوا بجميع أركان الإيمان على الوجه الذي أتى في القرآن الكريم كما سبق تفصيله .
القول الثاني:

أن الآية تتكلم عن نجاة الذين كانوا على التوحيد من جميع الفرق بشرط أن يكونوا آتين بشروط الإيمان فيما سبق وآمنوا بجميع الرسل ولم يكونوا يعملون بشريعة منسوخة.
ولم يقل أحد من العلماء قبل قررننا الذي نحن فيه أن اليهود على كفرياتهم ، والنصارى القائلين بالتثليث والصابئة عبدة الكواكب هم ناجون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، بالرغم من بقائهم على أديانهم المحرفة .
المسألة السادسة: تحقيق اشتقاق هادوا وبيان الفرق بين هادوا ويهودوهُود:

وردت (الذين هادوا) [10 عشر مرات] ، ووردت كلمة اليهود ثماني مرات [8 مرات] ، ووردت كلمة( هود) ثلاث مرات [3 مرات] .
أولا : هادوا:

المعنى المحوري الذي تدور عليه مادة(ه، و، د) في العربية[38]:
لين أو رخاوة وفتور ممتد في أثناء الشيء و عدم الحدة والصلابة فيه مع طلب هذا اللين والرخاوة .
ومن مصاديقه:
التّهويد: المَشْيُ الرُّوَيْدُ شبه الدَّبيب في المَشْي، يقال هَوّدَ الرجلُ فِي السّير تهويداً، إِذا سَار سيراً لينًا.
وهَوَّدَه الشَّرَابُ إِذا فَتَّرَهُ فأَنَامَهُ.
التَّهْوِيدُ: الصَّوْتُ الضَّعِيفُ اللَّيِّن ، الفاتِرُ.
الهَوَدَة : أَصلُ (السَّنَام) وهو تجمع شحمي رخو .
ومنه هاد يهود وتهوَّد: تاب ورجع إلى الحق وتمايل للتوبة فهو هائد ، ومنه قوله تعالى حكاية عن سيدنا موسى : وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ(الأعراف: 156).
وإذا جمعنا هذا الأصل مع ما ذكره علماء اللغة والتفسير في معنى هدنا إليك ، نجد أن معنى (هادوا):
تابوا ورجعوا إلى الله بخضوع وذل ولين جانب وسكون وموادعة وترك التصلب طلبا للنجاة .
يقول علي هاني: فإن قيل هذا في اللغة العربية ، الذين هادوا" قد سموا بذلك من قديم في لغتهم ؟ قلنا: اللغة العبرية من اللغات السامية التي تشترك في الأصول مع اللغة العربية ، في مواد كثيرة ، وقد قال د. محمد محفل وغيره من المتخصصين في اللغات القديمة : "العبرية" عامية من عاميات العربية فقدت الإعراب ، فهي عند التحقيق من اللغات العربية من غير حركات، وذكروا على ذلك أدلة تذكر سيأتي بعضها [39].
وهذا القول في أن أصل هادوا هو أفضل الأقوال كما سيأتي أدلة ذلك ، وقبل ذلك إليك أقوال العلماء في اشتقاق (هادوا):
القول الأول:

قالوا : هادوا فعل ماض مضارعه يهود أي تابوا ، يقال منه : هاد القوم يهودون هَوْدا وهادةً ، وألفه أصلها واو ، والأصلُ : هاد يهودُ أي تاب[40] والهائد : التائب ، قال الشاعر :إنِّي امرؤٌ من حُبِّه هائِدُ أي : تائبٌ ، ومنه سمي بنو إسرائيل (الذين هادوا)؛ لأنَّهم تابُوا عن عبادةِ العِجْلِ ،وفي التنزيل : " إنا هدنا إليك " [ الأعراف : 156 ] أي تبنا ورجعنا فسموا به حين تابوا من عبادة العجل وقالوا : إنا هدنا إليك ، وهي توبة عظيمة سجلها لهم القرآن [41] ؛ لأنها كانت بأن يقدم نفسه للموت لوجه الله صابرا محتسبا ، ولذلك أطلق عليهم اسم : ( الذين هادوا ): تابوا . أي : بتلك التوبة المعروفة ، وفيها تذكير ضمني بأنهم تيب عليهم من ذنب كبير فعليهم أن لا يعودوا للمعاصي والكفر، وأن يشكروا الله سبحانه ، ثم صار كالعلم[42] عليهم استخدمه القرآن استخداما دقيقا مذكرا لهم بأصل وضعه كما سيأتي بيانه ، فالعلم وإن دل على الذات لكن قد يلاحظ أصل وضعه نحو الحسن والعباس كما هو مقرر في كتب النحو والبلاغة.
اختار هذا القول: ابن عباس،و مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، الطبري، وأبو حيان [43]، وابن عطية ، والزجاج وابن فارس وابن سيده ، والخليل في العين ، والأزهري ، والسمعاني والثعالبي وابن العربي، وجواد مغنية ، والطوسي، والخليلي ، وكذا أبو السعود والآلوسي في المائدة ومحمد رشيد رضا والشنقيطي[44] في الأنعام[45] .
وإذا أردنا التدقيق في العبارة نظرا للأصل الذي سبق ونظرا في كلام العلماء فالأحسن أن يقال: هادوا : تابوا ورجعوا إلى الله بخضوع وذل ولين جانب وسكون وموادعة وترك التصلب طلبا للنجاة.
القول الثاني:

قالوا هذا الاسم معرب وليس بعربي ، فأصل الألف ياء سُمُّوا يهودَاً نسبةً لـ(يهوذا) بالذال المعجمة وهو ابنُ يعقوب قيل هو أكبر أولاده[46]، فالأصل يَهُوذ على إِرادَةِ النَّسَب ، فغيَّرتْه العربُ من الذال المعجمة إلى الدال المهملة وأسقطوا ألفه جَرْياً على عادتها في التلاعُب بالأسماء الأعجمية فإن العرب إذا نقلوا أسماء من العجمية إلى لغتهم غيروا بعض حروفها ، فَقَالُوا: اليَهود، فأَدخلوا الأَلف واللامَ فِيهَا ، فهادوا " معناه صاروا يهودا ،أي نسبوا إلى يهوذا كما تسمى القبائل باسم أبيها كمضر وكنانة وتميم نسبة إلى جدهم «يهوذا» أكبر ولد يعقوب، سواء كان الواحد منهم من سبط يهوذا أو من باقي الأسباط.
اختاره : ابن عاشور ودروزة والمصطفوي في التحقيق ، وحسنين مخلوف، وأمير عبد العزيز في التفسير الشامل [47] ، وضعفه ابن سيده [48] وقال: ليس هذا بالقوي .
قال ابن عاشور[49]: "وهذا الاسم أطلق على بني إسرائيل بعد موت سليمان سنة 975 قبل المسيح فإن مملكة إسرائيل انقسمت بعد موته إلى مملكتين:
· مملكة رحبعام ابنِ سليمان ولم يتبعه إلا سِبط يهوذا وسبط بِنْيَامِين وتُلقب بمملكة يهوذا لأن معظم أتباعه من سبط يهوذا وجعل مقر مملكته هو مقر أبيه ( أورشليم )
· ومملكة مَلِكُها يورْبعام بن بناط غلام سليمان وكان شجاعاً نجيباً فملَّكَتْه بقية الأسباط العشرة عليهم وجَعل مقر مملكته السامرة وتلقب بمَلِككِ إسرائيل إلا أنه وقومه أفسدوا الديانة الموسوية وعبدوا الأوثان فلأجل ذلك انفصلوا عن الجامعة الإسرائيلية ولم يدم ملكهم في السامرة إلا مائتين ونيفاً وخمسين سنة ثم انقرض على يد ملوك الآشوريين فاستأصلوا الإسرائيليين الذين بالسامرة وخربوها ونقلوا بني إسرائيل إلى بلاد آشور عبيداً لهم وأسكنوا بلاد السامرة فريقاً من الآشوريين فمن يومئذ لم يبق لبني إسرائيل مُلك إلا مُلك يهوذا بأورشليم يتداوله أبناءُ سليمان فمنذ ذلك غلب على بني إسرائيل اسم يَهود أي يَهوذا [50]ودام ملكهم هذا إلى حد سنة 120 قبل المسيح ميلادية[51] في زمن الأمبراطور أدريان الروماني الذي أجلى اليهود الجلاءَ الأخير فتفرقوا في الأقطار باسم اليهود هم ومن التحق بهم من فلول بقية الأسباط .
ولعل هذا وجه اختيار لفظالذين هادوا في الآية دون اليهود للإشارة إلى أنهم الذين انتسبوا إلى اليهود ولو لم يكونوا من سبط يهوذا ، ثم صار اسم اليهود مطلقاً على المتدينين بدين التوراة قال تعالى : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء [ البقرة : 113 ] الآية ويقال تَهوّد إذا اتبع شريعة التوراة وفي الحديث : " يولد الولد على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهوِّدانِه أو ينصِّرانه أو يمَجِّسانه " ويقال هاد إذا دان باليهودية قال تعالى : وعلى الذين هادوا حرَّمنا كل ذي ظفر [ الأنعام : 146 ] . وأما ما في سورة الأعراف ( 156 ) من قول موسى : إنَّا هدنا إليك فذلك بمعنى المتاب " [52].
القول الثالث:

قالوا معنى الذين هادوا: الذين تهوّدوا أي دانوا بدين اليهود .
ثم قالوا :ويهود : إما عربي من هاد إذا تاب ، سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل ، وإما معرب يهوذا وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب [53] ، يقال : هاد يهود هودا ، كقال يقول قولًا . وتهوّد إذا دخل في اليهودية ، وهو هائد ، والجمع هود.
الزمخشري و أبو السعود و الآلوسي والنسفي والصابوني والواحدي في البسيط ، والرازي [54]وأبو عبيدة معمر بن المثنى[55] وحقي[56]وابن جزي وأبو البقاء الكفوي والهواري وابن أبي زمنين ومكي، واختاره جمهور العلماء في سورة الجمعة[57].
الترجيح بين الأقوال:

للترجيح بين هذه الأقوال لا بد أن ننظر في المواضع التي ورد فيها الذين هادوافي القرآن الكريم ، فالقرآن يورد كل جملة من جمله ، وكل كلمة من كلماته بل كل حرف من حروف في غاية الدقة ، ومن ذلك كل اسم من أسماء بني إسرائيل ، ولا بد أيضا أن نحدد بالضبط من الذين أطلق عليهم "الذين هادوا" وفي أي الأزمان ، فإذا نظرنا في كل موضع وبحثنا عن السر البلاغي في اختيار "الذين هادوا" دون غيره من الأسماء استطعنا أن نتلمس القول الراجح أو أن نصل على الأقل إلى أقرب الأقوال ، وإذا جمعنا مع ذلك ما قاله العلماء في كل موضع صرنا أكثر قربا .
وردت (الذين هادوا) في عشرة مواضع:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) (2/62).
مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) (4/46)
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162 (4/162).
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)(5/41).
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) (5/44).
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) (5/69).
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) (6/146).
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) (16/118).
وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) (22/17).
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) (62/6).
أولا : أقوال المفسرين في سر اختيار هادوا في هذه المواضع مع ذكر أقوالهم في اشتقاقه:

إذا تتبعنا ما قال علماء التفسير في هذه المواضع نجد أنهم لم يتحدثوا في كل مرة عن توجيه اختياره"الذين هادوا" ، ونجد أنهم اختلفت توجيهاتهم لهذه المواضع على النحو التالي :
1) في تفسير فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا [النساء: 160] نجد قولين:
القول الأول:

اختاره أبو السعود[58] وتبعه الآلوسي[59] واطفيش في التيسير ومحمد سيد طنطاوي في الوسيط : أن ذكرَهم بهذا العنوانِ للإيذان بكمالِ عِظَمِ وشناعة ظلمهم وسوئهم بتذكير وقوعِ الظلم بعد ما هادُوا أي تابوا من عبادة العجلِ تلك التوبةِ الهائلةِ المشروطةِ ببخْع النفوسِ فهم وقعوا في هذا الظلم الشديد بعد توبتهم ورجوعهم عن عبادة العجل وهذا غاية الشناعة والسوء .
القول الثاني:

من الذين هادوا أي تلبسوا باليهودية في الماضي ادعاء أنهم من أهل التوراة والرجوع إلى الحق، ولم يضمر تعييناً لهم زيادة في تقريعهم، وفيه تعظيم ظلمهم أيضا، إذ صدر عنهم بعدما ادعوا أنهم من أهل التوراة والرجوع إلى الحق.
اختاره البقاعي والقاسمي
قال القاسمي: ( من الذين هادوا ) أي تلبسوا باليهودية، وفيه تعظيم ظلمهم أيضا، إذ صدر عنهم بعدما ادعوا أنهم من أهل التوراة والرجوع إلى الحق"[60].
*
2) في تفسير قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) (62/6).
فيها قولان:
القول الأول:

تهودوا أي تدينوا باليهودية وصاروا يهودا ، وكانوا قد ادّعوا الفضيلة على الناس ، وأنهم أولياء الله من دون الناس وأحباؤه، فلو كان قولكم حقا وأنتم على ثقة فتمنوا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعا إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه.
اختاره : الزمخشري والفخر الرازي والنسفي والشربيني وأبو السعود والمظهري والشوكاني و الميرغني والآلوسي و اطفيش في الهميان والمراغي وإبراهيم القطان و الطباطبائي وشحاته والسمرقندي[61].
القول الثاني:

أن يكون هادوا بمعنى تابوا ، وأصل هود هُوُود وقد تنوسي منه هذا المعنى وصار علماً بالغلبة على بني إسرائيل فنودوا به هنا بهذا الاعتبار لأن المقام ليس مقام ثناء عليهم أو هو تهكم .
قاله الشنقيطي[62] وتعيلب وأجازه ابن عاشور سيد طنطاوي.
**
3) وفي قوله تعالى[63] إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)
في المراد بالذين هادوا في (للذين هادوا) في هذه الآية ثلاثة أقوال:
القول الأول:

تابوا من الكفر وهم بنو إسرائيل.
ابن عباس و الواحدي والطبرسي وابن الجوزي القرطبي و النسفي وسيد طنطاوي ومكي والمظهري والقاسمي[64].
القول الثاني:

المراد بـ(هادوا) اتصفوا باليهودية التي هي بمعزل من الإسلام وبعيدة من الإسلام.
الزمخشري [65] وأبو حيان[66] والسمين الحلبي وناقشه النيسابوري[67]
القول الثالث:

والّذين هادوا هم اليهود ، وهو اسم يرادف معنى الإسرائيليين ، إلاّ أنّ أصله يختصّ ببني يهوذا منهم ، فغلب عليهم من بعد ، قاله ابن عاشور
ثانيا: تحديد من هم الذين أطلق عليهم "الذين هادوا" وهل هم المؤمنون أم الكفار:
"الذين هادوا" أطلقت أصالة على بني إسرائيل الذين أمروا بالعمل في التوراة، وكانوا في زمن سيدنا موسى مدحا لهم بالتوبة إلى الله تعالى من عبادة العجل ومنه سُموا بـ(الذين هادوا) ؛ لأنَّهم تابُوا عن عبادةِ العِجْلِ وهي توبة عظيمة سجلها لهم القرآن ، وهي توبتهم من عبادة العجل ؛ لأنها كانت بأن يقدم نفسه للموت ، ثم أطلقها القرآن على من جاء منهم بعد ذلك ، من أتباع سيدنا موسى سواء:
أ) المؤمنون منهم ممن كان على الحق في فترة ما قبل نسخ شريعتهم فهذا يشمل الزمان من زمن سيدنا موسى إلى زمن سيدنا عيسى .
ب) والكفار منهم وهم من ثبت على العمل بالتوراة رغم نسخها بشريعة عيسى ثم بشريعة سيدنا محمد ، وهؤلاء كفار ادعوا أنهم أولياء لله وحدهم، وحرفوا التوراة وكذبوا وطعنوا في الإسلام كما قال تعالى أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ .

  1. أولا : الأدلة على أنها أطلقت على أتباع سيدنا موسى من كان منهم على الحق:

وعندنا دليلان على أنها أطلقت على أتباع سيدنا موسى من كان منهم على الحق في فترة من الفترات قبل نسخ شريعتهم من زمن سيدنا موسى إلى زمن سيدنا عيسى .
الدليل الأول:
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ فجمهور العلماء على أن المراد بالذين هادوا الذين تابوا إلى الله تعالى فهم مؤمنون ، يتحاكمون لشريعة الله فيحكم لهم بها النبيون والربانيون والأحبار
الدليل الثاني:
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)
وقد بين القرآن أن هذا التحريم كان في التوراة بقوله تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ] مِنْ قَبْلِ[68] أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93)(3/93)
فحل كل الطعام كان ثابتا في جميع أزمنة ما قبل التوراة على بني إسرائيل قال الزمخشري: "والمعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلالاً لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة وتحريم ما حرم عليهم منها ، لظلمهم وبغيهم لم يحرم منها شيء قبل ذلك غير المطعوم الواحد الذي حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه فتبعوه على تحريمه ، وهو رد على اليهود وتكذيب لهم ، حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعى عليهم في قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ [ النساء : 16 ] إلى قوله تعالى : عَذَاباً أَلِيماً [ النساء : 18 ] وفي قوله : وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذي ظُفُرٍ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا [ الأنعام : 146 ] إلى قوله : ذلك جزيناهم بِبَغْيِهِمْ [ الأنعام : 146 ] وجحود ما غاظهم واشمأزوا منه وامتعضوا مما نطق به القرآن من تحريم الطيبات عليهم لبغيهم وظلمهم ، فقالوا : لسنا بأوّل من حرّمت عليه ، وما هو إلا تحريم قديم ، كانت محرّمة على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده من بني إسرائيل وهلم جرا ، إلى أن انتهى التحريم إلينا ، فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا . وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصدّ عن سبيل الله وأكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل ، وما عدّد من مساويهم التي كلما ارتكبوا منها كبيرة حُرم عليهم نوع من الطيبات عقوبة لهم"[69].
وكذلك صرح كثير من المفسرين في تفسير فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أن هذا التحريم كان في التوراة كالبقاعي[70] ومحمد رشيد رضا[71] .
وموضع الشاهد أن الله سبحانه قال وعلى الذين هادوا حرمنا ، والتحريم كان في التوراة فإذن يطلق على الذين في زمن سيدنا موسى الذين هادوا أيضا وهم كانوا على التوحيد ، وإن صدر عنهم ظلم دعي إلى تحريم ما حرم عليهم عقوبة، و بدليل أن سيدنا عيسى جاء للتخفيف عليهم فقال : وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْفهذا يدل على أن التحريم كان في التوراة .


  1. أدلة اطلاقها على الكفار منهم:

وأما أدلة أنها أطلقت على الكفار منهم وهم الذين ثبتوا على العمل بالتوراة رغم أنها نسخت بشريعة عيسى ثم بشريعة سيدنا محمد ، أنها تحدثت مع المحرفين المبدلين الذين كانوا في زمن النبي وسمتهم الذين هادوا وذكرت جرائمهم :
قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)الجمعة
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)آل عمران
مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) النساء
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) المائدة
مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)المائدة
ودعتهم للتوبة في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17).
والآيات السابقة تشير إلى أن الذين كانوا في زمن النبي كفار فهم يسارعون في الكفر ويحرفون الكلم من بعد مواضعه، ويسبون على النبي ويدْعُون عليه ، وهم يزعمون أنهم وحدهم أولياء لله من دون الناس الذين منهم المسلمون أتباع النبي محمد .
، وإذا تدبرنا الآيات التي وردت في سورة الجمعة التي فيها إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ نجد أنها تبين أنهم ما آمنوا برسالة النبي محمد الذين أرسل للأمين ومن بعدهم ، وأنهم حملوا التوراة التي أمرتهم بالإيمان بالنبي محمد ، ثم لم يعملوا بها فكانوا كالحمار يحمل أسفارا ، وأنهم ظالمون وأنهم زعموا أنهم أولياء لله من دون الناس فهم يقولون: إنهم شعب الله المختار وكذبهم القرآن في ذلك ،فالآية صريحة في كفرهم وضلالهم.
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)
ويدل على أنهم بعد سيدنا عيسى كفار ، وليسوا على الحق أن الله قال: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)ـ فالآيات قالت : " للذين هادوا" ثم قالت بعدها وليحكم أهل الإنجيل : وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) فالإنجيل بعد نزلوه على سيدنا عيسى في ذلك الوقت هو الذي ينبغي أن يعمل به ناسخا لبعض ما في التوراة ومقرا لبعضها ، فمن لم يؤمن به فهو كافر .
وأيضا القرآن لم يطلق على اتباع سيدنا عيسى الذين كانوا على الحق هذا الاسم أعني "الذين هادوا" بل عبر بعبارات منها : أهل الإنجيلهنا الذين اتبعوه نحو ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً أو الحورايون فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52 وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) ويلاحظ أن القرآن استعمل مع من يخاطبهم سيدنا عيسى من قومه عموما (بني إسرائيل) ولم يقل الذين هادوا كما قال تعالى في الآية السابقة :" فآمنت طائفة من بني إسرائيل" وأيضا كما في قوله تعالى وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) .
وأيضا التعبير بقوله تعالى: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوايدل على أن هذه الشريعة محدودة وليست عالمية لذلك، قال المهايميّ: لِلَّذِينَ هادُوا أي: لا لمن يأتي بعدهم، وقال البقاعي:" ثم بين المحكوم له تقييداً به إشارة إلى أنها ستنسخ لِلَّذِينَ هَادُوا[72]" .
وقد لخص محمد رشيد هذا الموضوع عند تفسير آية: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا : " أَنْزَلْنَاهَا (أي التوراة )قَانُونًا لِلْأَحْكَامِ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ - مُوسَى وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ - طَائِفَةً مِنَ الزَّمَانِ، انْتَهَتْ بِبَعْثَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَهُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وُجُوهَهُمْ لِلَّهِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ; فَالْإِسْلَامُ دِينُ الْجَمِيعِ، وَكُلُّ مَا اسْتَحْدَثَهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْ أَسْبَابِ التَّفَرُّقِ فِي الدِّينِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ مُبِينٌ؛ وَإِنَّمَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينِ هَادُوا - أَيِ الْيَهُودِ خَاصَّةً - لِأَنَّهَا شَرِيعَةٌ خَاصَّةٌ بِهِمْ لَا عَامَّةٌ ; وَلِذَلِكَ قَالَ آخِرُهُمْ عِيسَى: لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى خِرَافِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ. وَلَمْ يَكُنْ لِدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَعِيسَى مِنْ دُونِهَا شَرِيعَةٌ"[73].
ثالثا: بيان السر البلاغي في استعمال "الذين هادوا" وترجيح أصح الأقوال في اشتقاق" الذين هادوا":
مما سبق يتيبين أن "الذين هادوا" أطلقت على المؤمنين منهم من زمن سيدنا موسى إلى زمن سيدنا عيسى ، وأطلقت على الكافرين منهم الذين لم يؤمنوا بسيدنا عيسى وسيدنا محمد ، واختار القرآن استعمال "الذين هادوا" ملاحظاً أصل الوضع وهو أنه من التوبة أي تابوا ورجعوا إلى الله بخضوع وذل وترك التصلب طلبا للنجاة في سياقات تناسب هذا ، فاستعملت:
أ) في سياق تفظيع فعلهم حيث عادوا للمعصية بعد أن تيب عليهم فبين لهم كمالِ عِظَمِ وشناعة ظلمهم وسوئهم بتذكير وقوعِ الظلم بعد ما هادُوا أي تابوا من عبادة العجلِ تلك التوبة الهائلة المشروطة ببخْع النفوسِ .
ب) في سياق عتابهم على العود إلى المعاصي بعد أن تيب عليهم وكان على الذين تيب عليهم من عبادة العجل أن يشكروا الله سبحانه لا أن يبدلوا ويغيروا ويرجعوا للمعاصي والكفر مرة أخرى .
ج) في سياق كبح جماح تكبرهم على الناس فهو يذكره بهذا الاسم أنكم قد عبدتم العجل وهو شرك وكفر بالله وتيب عليكم برحمة من الله ثم تزعمون أنكم أولياء من دون الناس .
د) في سياق الترغيب للتوبة وفتح باب التوبة اختير هادوا للترغيب لهم في التوبة فكما تابوا من عبادة العجل فليتوبوا إلى الله سبحانه بالتوحيد الحقيقي واتباع النبي وأيضا ترغيب لهم أن الذي تاب عليكم في المرة الأولى يتوب عليكم إن تبتم.
تطبيق أقوال المفسرين الثلاثة في أصل هادوا على جميع الآيات:
بناء على ما سبق نريد تطبيق الأقوال المذكورة ر سابقا على جميع المواضع التي ورد فيها "الذين هادوا" لنلاحظ الدقائق البلاغية التي من أجلها ذكر هذا الاسم، ونحاول أن نطبق كل قول من الأقوال الثلاثة في اشتقاق "الذين هادوا" لنرى أن الأرجح هو " أن اشتقاق الذين هادوا من التوبة كأنه قيل الذي تابوا:
1) أولا : على القول الأول القائل: "هادوا فعل ماض مضارعه يهود أي تابوا ورجعوا إلى الله بخضوع وذل ولين جانب وسكون وموادعة وترك التصلب طلبا للنجاة ،لأنَّهم تابُوا عن عبادةِ العِجْلِ ، وهي توبة عظيمة سجلها لهم القرآن ، وهي توبتهم من عبادة العجل ، لأنها كانت بأن يقدم نفسه للموت ، هذه التوبة التي تجر الإنسان إلى أن يقدم نفسه لله صابرا محتسبا على الموت توبة عظيمة سجلها لهم القرآن ، ولذلك أطلق عليهم اسم : ( الذين هادوا ) : تابوا . أي : بتلك التوبة المعروفة ، وفيها تذكير ضمني بأنهم تيب عليهم من ذنب كبير، ثم صار كالعلم[74] عليهم استخدمه القرآن استخداما دقيقا مذكرا .
وقد ذكره أبو السعود ـ ـ في توجيه موضعٍ واحدٍ ، فربط بين كونهم تابوا وسياق الآية ، وقد وجدنا أن هذا الذي ذكره أبو السعود يطرد في كل المواضع ، فقد قال أبو السعود في قوله تعالى :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)
إنَّ ذكرَهم بهذا العنوانِ للإيذان بكمالِ عِظَمِ وشناعة ظلمهم وسوئهم بتذكير وقوعِ الظلم بعد ما هادُوا أي تابوا من عبادة العجلِ تلك التوبةِ الهائلةِ المشروطةِ ببخْع النفوسِ فهم وقعوا في هذا الظلم الشديد بعد توبتهم ورجوعهم عن عبادة العجل وهذا غاية الشناعة والسوء .
يقول علي هاني وكذلك يقال في: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)الإتيان بهذا الاسم لبيان أنكم قد عبدتم العجل وهو شرك وكفر بالله وتيب عليكم برحمة من الله ثم تزعمون أنكم أولياء من دون الناس، فجيء بهذا الاسم لكبح جماح تكبرهم على الناس .
وكذلك في قوله تعالى : وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118)زيادة ذم لهم بالرجوع للمعصية والكفر مرة ثانية بعد ما هادُوا أي تابوا من عبادة العجلِ تلك التوبة الهائلة المشروطة ببخْع النفوسِ و تفظيع فعلهم وكمالِ عِظَمِه وشناعته حيث عادوا للمعصية بعد أن تيب عليهم ، فاستحقوا هذا التحريم جزاء وفاقا ففيه تعليل لهذا التشديد.
وكذلك في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) كان على الذين تيب عليهم من عبادة العجل أن يشكروا الله سبحانه لا أن يبدلوا ويغيروا ويرجعوا للمعاصي والكفر مرة أخرى، ففيه تفظيع فعلهم حيث عادوا للمعصية بعد أن تيب عليهم من عبادة العجلِ تلك التوبة الهائلة المشروطة ببخْع النفوسِ ، فعودهم إلى المعاصي والكفر بعد ذلك في غاية الشناعة.
وفي قوله تعالى : مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)يقال فيها ما قيل في الآية السابقة، أي ما كان ينبغي على الذي تيب عليه أن يعود ويكفر ويحرف.
وفي قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)بيان إكرام الله لهم بالتوراة وبالأنبياء والربانيين والأحبار لأنهم تابوا إلى الله تعالى ورجعوا إليه وخضعوا.
وأما في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) سورة البقرة إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) سورة المائدة
وهي الآيات التي بحْثُنا فيها ، فسر استعمال "الذين هادوا" أنه لما كان السياق في الآيات للترغيب في التوبة وفتح بابها اختير هادوا للترغيب لهم في التوبة فكما تابوا من عبادة العجل فليتوبوا إلى الله سبحانه بالتوحيد الحقيقي واتباع النبي ، وفيها أيضا ترغيب لهم من جهة أخرى وهي أن الذي تاب عليكم في المرة الأولى يتوب عليكم إن تبتم.
وأما آية سورة الحج إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) ففيه عتاب لهم وأنهم يستحقون عذاب الله يوم القيامة وحسابه الشديد ، فهم قد عبدوا العجل وتاب الله عليهم رغم أنه كفر شديد ، ثم رجعوا إلى الكفر واستمروا عليه ، فهي تشبه استعمال كلمة "رب" في نحو: كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ .
هذا تطبيق القول الأول في اشتقاق "الذين هادوا" على كل الآيات وقد رأينا أنه مطرد، ولنرى تطبيق القول الثاني:
2) على القول الثاني: وهو أن (هادوا) معرب وليس بعربي ، سُمُّوا يهوداً نسبةً لـ(يهوذا) بالذال المعجمة وهو ابنُ يعقوب ، فهادوا " معناه صاروا يهودا ،أي نسبوا إلى يهوذا كما تسمى القبائل باسم أبيها كمضر وكنانة وتميم نسبة إلى جدهم «يهوذا» أكبر ولد يعقوب، سواء كان الواحد منهم من سبط يهوذا أو من باقي الأسباط، قال ابن عاشور: وهذا الاسم أطلق على بني إسرائيل بعد موت سليمان.
وهذا القول لا أراه هو الأصح لأربعة أمور:
1) أولا : أن أكثر الذين قالوا هذا القول قالوا: أطلق في فترة متأخرة على بني إسرائيل ، فابن عاشور يقول: أطلق بعد سيدنا سليمان، و القاسمي يقول: وإنما لزمهم هذا الاسم؛ لأن الإسرائيليين الذين رجعوا من جلاء سبعين سنة، ومن سبي بابل إلى وطنهم القديم، كان أكثرهم من نسل يهوذا بن يعقوب ، و دروزة يقول: لأن سبط يهوذا كان يقيم في منطقة بيت المقدس وكان أكبر وأشهر أسباط بني إسرائيل اهـ لكن لو تدبرنا الآيات نجد أن القرآن أطلقها على الذين كانوا في زمن سيدنا موسى فمن بعده قال تعالى : يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُواقال الآلوسي :" والمراد من النبيين من كان منهم من لدن موسى إلى عيسى عليهما الصلاة والسلام على ما رواه ابن أبي حاتم عن مقاتل"اهـ ، وهذا متقدم جدا قبل سيدنا سليمان .
وكذلك قوله تعالى :" فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) قد تقدم أن هذا التحريم كان في التوراة ، وهي قبل سيدنا سليمان هذا من جهة ، الذين في زمن سيدنا موسى كانوا من الأسباط الاثني عشر كما هو صريح القرآن .
2) ثانيا: أن أكثر المحققين من المفسرين ردوا هذا القول، وكذلك فعل أكثر أهل اللغة ومنهم ابن سيده فقد ضعفه وقال: " ليس هذا بالقوي".
3) ثالثا: لو أردنا أن نبحث في سر بلاغي لاختيار هادوا لم نجد إلا أنه لتمييزهم عن غيرهم فقط دون غيره من الأسرار ، فهو عَلَم مميز فقط مثل تميم وقريش دون نظر لسر بلاغي فوق ذلك بخلاف القول الأول ولننظر في هذه الآيات: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا
نعم يستثنى من ذلك موضع واحد يظهر فيه سر بلاغي على هذا القول وهو قوله تعالى قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6)يظهر سر اختياره على هذا القول أنهم افتخروا بأصلهم النسبي .
4) رابعا: إذا أخذنا بهذا القول لا نجد سرا مرجحا لاختيار هادوا دون يهود في كثير من المواضع السابقة.
3) خامسا: هذا القول يجعل الكلمة معربة ، بخلاف القول الأول فهو يجعلها عربية أصالة، ولا شك أن القول بأنها عربية أولى من القول بالتعريب ، لا سيما أنه قد ورد في القرآن إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ .
بناء على ما سبق لا نرى أن هذا الاشتقاق هو الراجح.
**
4) وأما على القول الثالث: وهو أن هادوا معناه : الذين تهوّدوا أي دانوا بدين اليهود، فمردود قطعا ؛ لأن " الذين هادوا" أطلقت على المؤمنين منهم كما تبين من قبل كما في
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ، وهذا القول يقول:" الذين هادوا" معناه تهودوا أي دانوا بدين اليهود ، ومن المحقق ـ كما سيأتي تفصيله في المباحث الآتي ـ أن اليهودية ليست دين سيدنا موسى ؛ لأن دينه هو الإسلام كما قال تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) و(ال) في الدين للجنس فجنس الدين عند الله في كل الأزمان هو الإسلام ، وأيضا النبيون والربانيون إنما يحكمون للذين تابوا إلى الله وقبلوا الإيمان لأنهم هم الذين قبلوا التوراة والعمل بها .
فإن قيل فمن أين جاءت النصرانية واليهودية ؟ نقول قد أجاب الله تعالى عن ذلك في الآية نفسها ، وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ،فاليهودية هي الدين الذي حرفه اليهود من دين سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام ، إذا ظهر هذا نقول: لا يصح تفسير الذين هادوا في كل موضع بالذين دانوا باليهودية ؛لأن "الذين هادوا" أطلقت في القرآن في بعض المواضع على الموحدين المؤمنين ، فإذا أخذنا بهذا القول يكون المعنى في الآية الذين دانوا باليهودية ،وهذا غير صحيح فهم لم يدينوا باليهودية ؛ لأن اليهودية دين محرف باطل ، فهذا القول الذي يفسر الذين هادوا بدانوا باليهودية لا يطرد في كل موضع فلا يصح .
وإذا تبين ما سبق يظهر رجحان القول الأول في أصل (الذين هادوا) وهو أن هادوا فعل ماض أي تابواورجعوا إلى الله بخضوع وذل ولين جانب وسكون وموادعة وترك التصلب طلبا للنجاة، والله أعلم بحقيقة الحال .


ثانيا [75]: المراد باسم (اليهود) والفرق بينه وبين هادوا:
إذا نظرنا في استعمال القرآن لكلمة اليهود نجد أن القرآن الكريم استعملها في مقابل الحنيفية والتوحيد وفي مقابل هدي الله سبحانه، وبرأ سيدنا إبراهيم منها، ووصفهم بالسعي في الفساد في الأرض وبشدة العداوة للذين آمنوا ، ووصفهم بأنهم صدر عنهم ألفاظ كفرية نحو قولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ،فالقرآن لم يطلقها على المؤمنين منهم مطلقا ، بخلاف كلمة هادوا فقد أطلقت على المؤمنين والكفار منهم ، ومن الملاحظ أن كلمة "يهود" ورد ت في سور مدنية ، وإليك الآيات لتتأملها وترى ما سبق:
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) .
وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) .
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)
وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51 .
قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64).
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [البقرة : 113].
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82).
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)[76]

ثالثا : معنى (هود) في قوله تعالى:
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140)
( هوداً) جمعُ هائد على أظهر القولين ، نحو : بازِل وبُزْل ، وعائِد وعُود ، وحائل وحُول وبائِر وبُور ، فهو جمع هائد، أي: متبع اليهودية ، واليهود كانوا يَدْعُون إلى اليهودية التي هم عليها ويحصرون الهداية فيها ، والنصارى يَدْعُون إلى النصرانية التي هم عليها، ويحصرون الهداية فيها، والحنيف في اللغة : المائل . وإنما أطلق على إبراهيم ؛ لأن الناس في عصره كانوا على طريقة واحدة وهي الكفر ، فخالفهم كلهم وتنكب عن طريقتهم مائلا إلى التوحيد ، و اسما اليهودية والنصرانية حدثا بعد إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، بل حدث اسم اليهودية بعد موسى واسم النصرانية بعد عيسى كما حدث لليهود تقاليد كثيرة صار مجموعها مميزا لهم[77] .
المسألة السابعة : هل اليهودية دين سيدنا موسى

تقدم أن اسم اليهود لم يرد إلا في سياق تكفيرهم وذمهم وبيان ضلالهم ، وقد نص العلماء على أن اليهودية ليست دين سيدنا موسى بل هي الدين المحرف المبدل الذي اخترعه أتباع سيدنا موسى وقد نص على ذلك كثير من العلماء:
قال الواحدي في البسيط[78] : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا الآية نزَّهه وبرأه من الدِّينَينِ،ووصفه بدين الإسلام، واليهودية والنصرانية صفتا ذَمِّ، ما تُعبَّد بهما قط؛لأنَّ موسى لم يكن يهوديا ، وعيسى لم يكن نصرانيًا، مع قوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُفاليهودية مِلَّةٌ محرَّفة عن شريعة موسى، والنصرانية مِلَّةٌ مُحرَّفةٌ عن شريعة عيسى "[79]
وقال الطبري عند تفسير: "أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى" قال الحسن: والله لقد كان عند القوم من الله شهادةُ أنّ أنبياءَه بُرَآء من اليهودية والنصرانية، كما أن عند القوم من الله شَهادة أن أموالكم ودماءكم بينكم حرام، فبم استحلُّوها؟ عن الربيع قوله:"ومن أظلمُ ممن كتم شهادةً عنده من الله"، أهلُ الكتاب، كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دينُ الله، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل: أنّهم لم يكونوا يهودَ ولا نصارَى، وكانت اليهودية والنصرانية بعد هؤلاء بزمان. [80] "
وقال الطبري عند تفسير:" قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) "فاتبعوا ملة إبراهيم"، خليل الله، فإنكم تعلمون أنه الحق الذي ارتضَاه الله منْ خلقه دينًا، وابتعث به أنبياءَه، ذلك الحنيفية -يعني الاستقامة على الإسلام وشرائعه- دون اليهودية والنصرانية والمشركة"[81].
وقال الزمخشري:" زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم، وجادلوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين فيه فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة؟ أَفَلا تَعْقِلُونَ حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال"[82]
وقال الزمخشري: "قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ تعريض بكذبهم كقوله: (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ) أي ثبت أن اللَّه صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وهي ملة الإسلام التي عليها محمد ومن آمن معه، حتى تتخلصوا من اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم، حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب اللَّه لتسوية أغراضكم، وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها اللَّه لإبراهيم ولمن تبعه"[83].
**
فتحصل مما سبق أن الذين هادوا الأصل أنها في أتباع سيدنا موسى سواء من كان منهم مؤمن أو كان كافرا :فالمؤمنون منهم من كان على الحق في فترة ما قبل نسخ شريعتهم بسيدنا عيسى ، ومنهم كفار وهم من ثبت على العمل بالتوراة رغم نسخها بشريعة عيسى ثم بشريعة سيدنا محمد ، وهؤلاء كفار ادعوا أنهم أولياء لله وحدهم، وحرفوا التوراة وكذبوا وطعنوا في الإسلام ، وذكرنا من قبل السر البلاغي في استعمالهم ، وأما لفظ "اليهود" فهي علَم على هذه الجماعة الكافرة المحرفة لدينها فهي على الدين الباطل.
وأما "هود" : فهي جمع هائد أي متبع اليهودية المحرفة ، فكل من "اليهود" و"هود" تدل على متبعي الدين المحرف المبدل ، واليهودية هي: الدين المحرف الذي انتسب أصحابه إلى سيدنا موسى ثم بدلوه وغيروه وشوهوه ، فاليهود هم تلك الجماعة المحرفة المبدلة المغيرة المغضبة لربها ، والتركيز فيها على الدين ، فلذلك كلمة "اليهود" اقترنت بالكفر وأقوال الكفر.
وإذا أردنا اختيار أصل كلمة (اليهود ) بناء على الأوصاف التي وصفوا بها في القرآن مع أصول الكلمة التي ذكرها العلماء، نجد ان هذه الكلمة أقرب لأصل مادة (ه ، و، د)، الدال على : لين و رخاوة وفتور ممتد في أثناء الشيء مع طلبه أي عدم الحدة والصلابة فيه، ومنه وهَوَّدَه الشَّرَابُ إِذا فَتَّرَهُ فأَنَامَهُ، الهَوَدَة، وَهِي أَصلُ (السَّنَام) وهو تجمع شحمي رخو ، فهو عدم تصلب في الدين الحق، وأيضا أقرب لما ذكره الواحدي في البسيط حيث قال:" وقال غيره [أي غير الليث]: سموا بذلك لأنهم مالوا عن دين الإسلام وعن دين موسى ، وعلى هذا إنما سموا يهودا بعد أنبيائهم. وقال ابن الأعرابي: يقال: هاد إذا رجع من خير إلى شر أو من شر إلى خير ، سمي اليهود بذلك لتخليطهم، وكثرة انتقالهم من مذاهبهم، والله أعلم بحقيقة الحال"[84].

المسألة الثامنة:أصل كلمة النصارى:

اتفق العلماء على أن كلمة النصارى جمع، واختلفوا في كونها جمعا لأي شيء وفي المسألة أربعة أقوال:
القول الأول:

النَّصَارى جمع نصران بمعنى نصراني[85]، وهو الممتلئ نصراً [86] أي القوي في النصرة ، كما أن الغضبان هو الممتلئ غضباً ، ومثله في المفرد والجمع في ذلك : َنْدمان ونَدامى، سكران وسكارى ، ، ونشوان ونشاوى ، وكذلك كل نعت كان واحده على فعلان ، فإن جمعه على فَعالى ، إلا أن المستفيض في كلام العرب في واحد النصارى نصرانيّ فالمفرد نصران إِلا أَنه لم يستعمل في الأكثر إِلا بياءِ النسب (نصراني) ، وورد سماعا نطقهم بنصران ونصرانة ولكنه قليل ، وإن أنكره البعض كقول الشاعر يصف الحرباء:
تَرَاهُ إِذَا دَارَ الْعَشِيُّ مُحَنِّفًا ... وُيُضْحِي لَدَيْهِ وَهْو نَصْرَانُ شَامِسُ[87]
ويقال في مؤنث نصران نصرانة كندمان وندمانة فيقال: رجلٌ نصرانٌ وامرأة نصرانةٌ أنشدوا: كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ.
وهذا مذهب سيبويه والزمخشري ورجحه الطبري ومكي وأبو حيان والسمين الحلبي وابن كثير وابن الهائم والشربيني وأبو السعود والآلوسي وجمهور المفسرين .
ثم زيدت ياء النسبة فقيل: نصرانيّ فهو لا يستعمل في الكلام في الأغلب إلا بياء النسب فيقال نصرانيّ، وقال الزمخشري: الياء في نصراني للمبالغة[88] إشارة إلى أنه عريق في وصفه ، كقوله : رجل أحمري ، إشارة إلى أنه عريق في وصفه وأنه منسوب إلى ذلك عريق فيه لا مجرد موصوف بالحمرة ، والدهر بالإنسان دوَّاري.
وتبعه البيضاوي والنسفي وأبو السعود والآلوسي واطفيش وسيد طنطاوي .
القول الثاني:

قالوا "النصارى " جمع واحده نصراني ، والياء في نصراني: للوحدة ، كزنجي من زنج ، و روم رومي .
القرطبي والماوردي[89]
القول الثالث:

جمع نصريّ كـبَعِيرٌ مَهْرِيّ وإبل مَهَارى ، حذفت إحدى ياءيه ، وفتحت الراء ، وقلبت الكسرة فتحة للتخفيف فقلبت الياء ألفاً ، وإلى ذلك ذهب الخليل وأجازه الخليل والزجاج .
القول الرابع:

جمع ناصري[90] نسبة إلى الناصرة [91] ، وهي قرية نشأت فيها مريم أم المسيح ونشأ فيها المسيح ، وقد خرجت مريم من الناصرة قاصدة بيت المقدس فولدت المسيح في بيت لحم ولذلك كان بنو إسرائيل يدعونه يشوع الناصري ، فلما نسب أصحابه إليه قيل النصارى نسبة إلى الناصرة التي نسب إليها المسيح ، فهذا وجه تسمية أتباعه بالنصارى .
روي عن ابن عباس واختاره ابن جريج وقتادة ومقاتل والأصمعي وابن عاشور والهواري والمراغي وابن أبي زمنين والتحقيق قدمه السمين الحلبي في الذكر .
المسألة التاسعة: اختلف العلماء كذلك لم سموا "نصارى":

القول الأول:

لأنهم نصروا المسيح ؛ لأن الحواريين قالوا: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ حين قال لهم سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام : مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ،فهي لفظة مشتقة من النصر ، وواحدهم: نَصَرْان كقولهم: ندمان وندامى، فنصران وناصر بمعنى، كما يقال: صديان وصادٍ للعطشان[92].
اختار هذا القول: الزهري و ابن الأنباري و الزمخشري الخازن والبغوي وابن الجوزي والنسفي والشربيني وحسنين مخلوف وحقي البورسوي وقدمه البيضاوي وأبو السعود ، ، وقال به : من قال نصارى : جمع نصران، أو جمع نصراني، أو جمع نصريّ .
القول الثاني:

نسبة إلى الناصرة[93] وهي قرية نشأت فيها مريم أم المسيح [94] و كان يَنْزِلها سيدنا عيسى ونشأ بها، وقال ابن عاشور وسيد طنطاوي[95]:" إنه أعلن دعوته منها أيضا " ، فسيدنا عيسى ولد في بيت لحم بالقدس ثم سارت به أمه إلى مصر ولما بلغ اثنتي عشر سنة عادت به إلى الشام وأقامت بقرية ناصرة فنسب اليها فقيل : يشوع الناصري[96]، وقد كان بنو إسرائيل يدعونه يشوع الناصري أي: عيسى الناصري ، فلما نسب أصحابه إليه قيل النصارى نسبة إلى الناصرة التي نسب إليها المسيح ، فعلى هذا يكون من تغييرات النسب[97] فهذا وجه تسمية أتباعه بالنصارى .
روي عن ابن عباس و ابن جريج و اختاره: قتادة، ومقاتل ، والأصمعي، وابن عاشور ، والراغب في تفسيره[98] ، والهواري ، والمراغي ، وابن أبي زمنين، والمصطفوي، ونظام الدين النيسابوري ، وكذا الصنعاني في المائدة ، وقدمه السمين الحلبي في الذكر، وكذا الشهاب في المائدة ، والجوهري ، ورده جماعة من العلماء منهم ابن سيده [99].
واستدل عليه المصطفوي بما ورد في إنجيل متى:" وأتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيدعى ناصريا" ، قال وهذا أقدم سند تاريخي يقرب من زمان المسيح ، فتكون كلمة النصارى جمعاً لـ( الناصري أو النصري أو النصراني) والكلمة كانت مستعملة في السريانية بصيغة (نُسرايا ، نُسرات) قال المصطفوي فالاحتمالات الأخرى ضعيفة جدا.

القول الثالث[100]: الجمع بين قولين:

قال الميرغني:( والنصارى ) وهم الذين نصروا المسيح وكانت قريتهم تسمى نصران .
الترجيح:

لا بد قبل أن نرجح أحد الأقوال على الآخر أن نقرر أمرا ثابتا، واضحا كالشمس في القرآن الكريم، معلوما من الدين بالضرورة، مأخوذاً من ألفاظ القرآن ، وهو أن اسم النصارى في القرآن الكريم أطلق على الذين حرفوا وبدلوا دين المسيح أو حُرِّف لهم وبـُدِّل فاتبعوه وضلوا فيه ضلالا كفريا ، وأن ما عندهم ليس بهدى بل ضلال وأهواء ، وأن ما دانوا به مضاد و مقابل لملة إبراهيم ، وأنهم قالوا بالتثليث ، وأنهم فرَّقوا بين الرسل فكفروا بالنبي محمد ، وأنهم نسوا حظا عظيما مما وصلهم من الله سبحانه فأغرى الله العداوة بين فرقهم إلى يوم القيامة عقوبة لهم، وأنهم يوالون اليهود ضد المسلمين ، وأنهم لا يؤمنون باليوم الآخر على الوجه الذي فصله القرآن وهو: أنه يوم ينجي الله المؤمنين بجميع الرسل والكتب لا سيما المؤمنون بسيدنا محمد وبالقرآن ، ويعذب الكافرين بأي رسول أو كتاب تعذيبا مخلدا ، فلذلك جعلهم القرآن الكريم لا يؤمنون باليوم الآخر وحكم بكفرهم بلفظ صريح لا يقبل التأويل ؛ لأنهم لم يؤمنوا بالله الواحد الذي لا شريك له الذي لم يتخذ ولدا ، ونحن نستعرض الآيات التي ورد فيها اسم النصارى لنرى هذه الأوصاف المذكورة عنهم:
وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)
وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)
قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)
فالقرآن يقرر أن النصرانية ليست دين الله سبحانه بل هي دين محرَّف ، و كفَّر من اعتنقه كفرا مخلدا في النار ، كما هو واضح جلي في الآيات السابقة ، ثم العلماء قد قرروا هذا كما قرروه في اليهودية :
قال السمرقندي:"والنصارى : الذين تركوا دين عيسى وَتسَمَّوْا بالنصرانية . واليهود الذين تركوا دين موسى وتسمَّوا باليهودية"[101] .
قال ابن الأنباري : "هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون : الأنبياء كلهم يهود أو نصارى ، فقال تعالى : يحكم بها النبيون الذين أسلموا يعني الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية ، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه"[102] .
قال رشيد رضا :"وأنتم تعلمون أيضا أن اسمي اليهودية والنصرانية حدثا بعد هؤلاء ، بل حدث اسم اليهودية بعد موسى واسم النصرانية بعد عيسى كما حدث لليهود تقاليد كثيرة صار مجموعها مميزا لهم ، وأما النصارى فجميع تقاليدهم الخاصة بهم المميزة للنصرانية حادثة ، فإن عيسى كان عدو التقاليد ، ولهذا كان النصارى على كثرة ما أحدثوا أقرب إلى الإسلام ؛ لأنهم لم ينسوا جميعا كيف زلزل روح الله تقاليد اليهود الظاهرة ما كان منها في التوراة وما لم يكن، ولكن الذين ادعوا اتباعه زادوا عليهم من بعده في ابتداع التقاليد والرسوم "[103].
**
وبعد ما تقدم من النصوص الصريحة فيما ذكرنا نورد دليلا يزيد الأمر وضوحا ، ويبين أنهم لم يكونوا على دين سيدنا عيسى ، وهذا الدليل هو آيتان جاء فيهما هذا التعبير :الذين قالوا إنا نصارى وهو تعبير خاص ذو دلالة خاصة ، فلم يقل ومن النصارى كما هو الظاهر الأخصر بل اختار القرآن طريق الإطناب بأن قال" قالوا إنا نصارى" :
وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) المائدة
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82)المائدة .
ولنستعرض توجهات العلماء في كل موضع من الموضعين:
أولا : الموضع الأول : وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ:
وفي توجيه هذه الزيادة في الآية الأولى ثلاثة أقوال:
القول الأول:

قالوا : ليدل على أنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء أنهم أنصار مبالغون[104] في نصرة الله سبحانه تعالى وما يأمر به ، ونصرة المسيح و دينه و الحق وأنبياء الله ، ثم إنهم كذبوا وخالفوا ما قالوا في اعتقادهم وقولهم وفعلهم ، ونسوا حظا عظيما مما ذكروا به فكفروا بالله ووصفوه بما لا يليق به من الولد ، وخالفوا ما في الإنجيل من التبشير بنبينا صلى الله عليه الذي أخذ ميثاقهم على لسان رسوله عيسى ، وعهد إليهم في الإنجيل أن يؤمنوا به ، واختلفوا أحزابا [105] ، فتسموا بما لم يفوا به حيث قالوا إنا نصارى ، و قالوها دعوى لا حقيقة لها ، وهي تقوّلٌ محضٌ بمعزلٍ من الصدق والاستحقاق ، ، فهم ليسوا من نُصْرة الله تعالى في شيء وهي نصرة ادعائية لا واقعية ، فليسوا على منهاج الذين اتّبعوا المسيح في زمانه من الحواريين ، وهم الذين كانوا حققوا النصرة الحقيقة للمسيح؛ لأن أولئك كانوا مُوَحِّدَةً مؤمنين ، وهؤلاء مُثَلِّثَةٌ مشركون فهي في الحقيقة نصرة للشيطان ،وفيه إظهار لكمال تناقضهم ، فجاءت هذه العبارة موبخة لهم على ذلك ، وأكدوا قولهم بـ(إنا) رداً على من يرتاب فيه.
ونكتة تخصيص في قوله تعالى وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) بإسناد النصرانية إلى دعواهم أنه لما كان المقصود في هذه الآية ذمهم بنقض الميثاق [106] المأخوذ عليهم في نصرة الله تعالى ناسب ذلك أن يصدر الكلام بما يدل على أنهم لم ينصروا الله تعالى ولم يفوا بما واثقوا عليه من النصرة وما كان حاصل أمرهم إلا التفوه بالدعوى وقولها دون فعلها .
اختاره الجمهور : الزمخشري و ابن عطية والرازي والبيضاوي وابن جزي والبقاعي وأبو السعود واطفيش في التيسير والهميان و سيد قطب وابن كثير و النيسابوري وابن المنير[107] والصابوني و رشيد رضا و الشوكاني و ابن عجيبة وزكريا الأنصاري و أبو حيان و سعيد حوّى وقدمه ذكرا ابن عاشور والآلوسي.
فإن قيل لم ذكرهم في أكثر مواضع القرآن باسم "النصارى" ولم يقل قالوا "إنا نصارى"، فإن كان الأمر ادعاء ومحض دعوى فلم لم يقل في كل موضع "قالوا إنا نصارى" : فالجواب أنهم اشتهروا به وصار سمة لهم وعلامة أطلقه عليهم ، لا أنه يقر أنهم أنصار لعيسى ، قال أبو حيان:"وحيث جاء النصارى من غير نسبة إلى أنهم قالوا عن أنفسهم ذلك ، فإنما هو من باب العَلم لم يلحظ فيه المعنى الأول الذي قصدوه من النصر ، كما صار اليهود علماً لم يلحظ فيه معنى قوله هُدنا إليك" [108].
القول الثاني: وهو قريب من الأول ولا يتعارض معه

قالوا انما لم يقل : من النصارى لأنه أراد تعالى بذلك أن يدل على أنهم ابتدعوا النصرانية التي هم عليها اليوم ، وتسموا بها .
الحسن و القرطبي و الخازن والطوسي والطبرسي .
القول الثالث:

قالوا الموجود في كتب اللغة والتاريخ أن النصارى نسبت إلى بلدة ( ناصرة ) أي التي نشأ فيها المسيح وتربى فيها وأعلن دعوته منها نسبة إلى الناصرة ، فنسب اليها فقيل : يشوع الناصري، أي: عيسى الناصري ، فلما نسب أصحابه إليه قيل النصارى نسبة إلى الناصرة التي نسب إليها المسيح ، لذلك كان بنو إسرائيل يدعونه يشوع الناصري فهذا وجه تسمية أتباعه بالنصارى؛ فلذلك كان معنى النسبة ، النسبة إلى طريقته وشرعه وقد كان أتباعه من الحواريين في زمانه صادقين في اتباعه واتباع شرعه فقد كانوا نصارى حقيقيين لكن كلّ من حاد عن شرعه من الذين قالوا بالتثليث لم يكن حقيقاً بالنسبة إليه إلاّ بدعوى كاذبة ، فلذلك قال : قالوا إنَّا نصارى وأنهم ليسوا على منهاج الذين اتّبعوا المسيح في زمانه من الحواريين ، وهم الذين كانوا نصارى في الحقيقة ؛ لأن أولئك كانوا مُوَحِّدَةً مؤمنين ، وهؤلاء مُثَلِّثَةٌ مشركون.
اختاره : الشهاب الخفاجي والجصاص وأبو زهرة وأجازه ابن عاشور والآلوسي واطفيش والقاسمي وسيد طنطاوي .
قال الشهاب:" فلو قيل في الآية: إنهم على دين النصرانية وليسوا عليها لعدم عملهم بموجبها ومخالفتهم لما في الإنجيل من التبشير بنبينا - لكان أقرب من وجه التسمية الذي ذكروه"[109].
قال أبو زهرة:"ولم يقل النصارى للإشارة إلى أن ادعائهم النصرانية التي هي الدين الذي دعا إليه المسيح قول يقولونه بأفواههم ولا يتبعونه بقلوبهم ، إذ هجروا لب تعاليم المسيح وهو الوحدانية . يصنعون [110] .
قال ابن عاشور:"؛ فإن كان النّصارى اسم جمع ناصريّ ، بمعنى المنسوب إلى الناصري ، والناصري عيسى ، لأنّه ظهر من مدينة الناصرة . فالناصري صفة عرف بها المسيح عليه السّلام في كتب اليهود لأنّه ظهر بدعوة الرسالة من بلد النّاصرة في فلسطين ؛ فلذلك كان معنى النسبة إليه النسبة إلى طريقته وشرعه ؛ فكلّ من حاد عن شرعه لم يكن حقيقاً بالنسبة إليه إلاّ بدعوى كاذبة ، فلذلك قال : قالوا إنَّا نصارى [111] ".
هذه هي الآية الأولى التي ورد فيها " قالوا إنا نصارى"
ثانيا : الموضع الثاني الذي ورد فيه قالوا إنا نصارى وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى:
( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) [المائدة : 82]
في الآية قولان:
القول الأول:

الذين قَالُوا إِنَّا نصارى عبر عنهم بذلك إشعاراً بقرب مودتهم حيث يدّعون أنهم أنصارُ الله وأَوِدّاءُ أهل الحق وإن لم يظهروا اعتقاد حقية الإسلام ، وعلى هذه النكتة مبنى الوجه الثاني في تفسير قوله تعالى : وَمِنَ الذين قَالُوا إِنَّا نصارى أَخَذْنَا ميثاقهم [ المائدة ، الآية
أبو السعود والآلوسي وابن عاشور[112] والقونوي[113].
القول الثاني:

قالوا : إشارة إلى أن المعاصرين لهذه الأمة أمة سيدنا محمد من النصارى ليسوا على حقيقة النصرانية بل كونهم نصارى قول منهم وزعم، ومناسبة ذكر الذين قالوا في هذا السياق أن في وصفهم بأنهم أقرب مودة مدح لهم ، فقد يظن بعض الناس أنه تصحيح لعقيدتهم فدفع هذا بـ(قالوا إنا نصارى" احتراسا من هذا الوهم ، قال أبو زهرة :" يلاحظ أن الذين قالوا نحن أنصار الله هم الحواريون، والذين كانت بينهم مودة المسلمين ليسوا هم الحواريين الذين سلمت عقيدتهم، أما الذين يتحدث عنهم فهم كانوا من أهل التثليث ثم تاب الله تعالى عليهم، ولقد ذكرهم بهذا العنوان: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى). في مقام الذم، فقد قال تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. . .).ولأجل هذا لَا نقول إن التعبير بـ(قالوا) إنا نصارى فيه تشريف، إنما هو بيان أن هؤلاء يقولون "إنهم نصارى، ولكنهم ليسوا نصارى عيسى - - وإن كانوا من بعد ذلك قد اهتدوا".
اختاره : ابن عطية وأبو حيان[114] وابن كثير[115] والبقاعي[116] وأبو زهرة
يقول علي هاني: القولان اللذان ذكرا في تفسير الآية الثانية (قالوا إنا نصارى) لا تعارض بينها بل كل منهما أشار إلى جزء من المراد.
وبعد كل ما سبق نعود إلى الترجيح بين الأقوال السابقة في اشتقاق النصارى هل الأرجح: 1) أنهم سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح ؛ لأن الحواريين قالوا: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ حين قال لهم سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام : مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ،فهي لفظة مشتقة من النصر، ولكن هؤلاء الذين يصفهم القرآن ادعوا ذلك وليسوا بصادقين في هذا النصر كالحواريين الصادقين في النصر 2) أو نسبة إلى قرية الناصرة .
يقول علي هاني: كلا القولين له وجاهة وليس من السهل الترجيح بينهما لكن يمكن أن نذكر عدة مرجحات ترجح القول الأول :
1) المرجح الأول: إن أمكننا أن نرجح بكثرة القائلين من العلماء بكل قول أو بكبرهم وعظمتهم ، نجد أن القائلين بالقول الأول هم جمهور العلماء ، وأيضا الذين قالوا إن اشتقاق الكلمة من النصرة هم أكبر العلماء فقد اختاره سيبويه والزمخشري و الطبري كما تقدم .
2) المرجح الثاني: أننا إن نظرنا إلى آية إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ نجد أن كل وصف منها يشير إلى عمل عملته كل جماعة فالذين آمنوا أحدثوا الإيمان ، والذين هادوا ـ كما رجحنا ـ أحدثوا التوبة عن عبادة العجل فأشارت إلى شيء عظيم فعلوه وهي التوبة من عبادة العجل بذبح النفس فخلدها القرآن ، وكذلك الصابئة كما سيأتي ، فالأنسب أن يكون النصارى هم الذين نصروا المسيح ، وأن الذين قالوا: إنا نصارى نسبوا إلى شيء عظيم فعله أتباع سيدنا عيسى وهو أنهم نصروا المسيح حين كفر به الناس وأعانوه على أهل الباطل والكفر وهو أمر عظيم لا بد أن يخلد حتى طلب الله من هذه الأمة الاقتداء بهم في نصرة رسوله يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) لكن النصارى الذين سموا بذلك في القرآن ادعوا ذلك ادعاء فهم ليسوا مثل الحواريين الصادقين في النصرة قل قالوا إنا نصارى ادعاء لا واقع له .
3) المرجح الثالث: يمكن أن يرجح أيضا أن جمع نصران على نصارى وارد مثله نحو : نْدمان ونَدامى، سكران وسكارى، وأما نسبة نصراني إلى ناصرة ليس على القياس بل من شواذ النسب .
وعلى كل فأي القولين كان هو الواقع ، فليس هذا هو الموضوع الأهم ، بل الأهم في هذا البحث أن أتباع المسيح الذين كانوا في زمن المسيح كانوا صادقين ، مخلصين موحدين سائرين على منهاج الله الذي أنزله، نصروا المسيح وقالوا نحن أنصار الله ولم يصفهم القرآن بأنهم نصارى بل سماهم الحواريين لكن على التسليم به فسواء تسموا بذلك لنصرتهم للمسيح ـ كما عليه الجمهورـ وهي نصرة صادقة ، أو نسبوا إلى مدينة الناصرة التي نسب إليها المسيح فيكون معنى النسبة إليها النسبة إلى طريقته وشرعه فهم غير الذين أرادهم القرآن باسم " النصارى" ، فاسم النصارى في القرآن أطلق على الذين جاءوا بعد ذلك فحرفوا وبدلوا وابتعدوا عن دين سيدنا عيسى وملة إبراهيم ، فوصفهم القرآن الكريم بالكفر، وقال عنهم " قالوا إنا نصارى" فهم على كل الأقوال في اشتقاق النصارى ليسوا نصارى حقيقيين ، ليسوا أتباع سيدنا عيسى وهذا واضح جدا من استعراض آيات القرآن معلوم من الدين بالضرروة كما تقدم في الآيات التي استعرضناها وأكرر بعضها زيادة في الإيضاح :
وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)ويزيد هذا قوة ما قاله الدكتور جواد علي :" والذي نعرفه أن قدماء النصارى حينما كانوا يتحدثون عن أنفسهم كانوا يقولون: "تلاميد" Discipies، "تلاميذ المسيح"، ذلك أنهم كانوا ينظرون إلى المسيح نظرتهم إلى معلم يعلمهم وكذلك نظروا إلى حوارييه، فورد "تلاميذ يوحنا" وقصدوا بذلك النصارى، وهذه التعابير من أقدم التعابير التي استعملها النصارى للتعبير عن أنفسهم " .

المسألة العاشرة: السر في أنه تعالى في حق اليهود لم يقل قالوا إنا يهود بل قال اليهود وفي حق النصارى قال:" قالوا إنا نصارى"

أقول : أن اسم اليهود في القرآن أطلق على الدين المحرف الذي ادعى اتباعه أنهم على دين موسى لكنهم حرفوه ، وقوام دينهم تفضيل أنفسهم وقولهم: إنهم أولياء لله من دون الناس وأنهم َيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ، ووصفهم بالجرأة على الله بقوله : وقالت اليهودُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ والجرأة على عباد الله، والسياق في الآية جاء لبيان أنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا فهذه التسمية حقيقية وكافية في بيان عداوتهم وليس فيها ادعاء لا سيما إن كان اشتقاق اليهود من (ه ، و، د)، الدال على عدم تصلب في الدين الحق أوأنهم مالوا عن دين الإسلام دين موسى وهو خير إلى الكفر والشر ، بخلاف النصارى فسواء قلنا أصل الكلمة النصرة أو الانتساب إلى سيدنا عيسى وشريعته ففي كلا الاحتمالين تعليل لهذه المودة هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أنه لما مدح النصارى فقد يتوهم صحة ما هم عليه وأنهم أنصار عيسى حقيقة أو منسوبون إليه حقيقة بين أنهم ليسوا على دين صحيح بقوله قالوا إنا نصارى[117] والله أعلم .
انظر تكملة الموضوع في الجزء الثاني من البحث



[1] قال البقاعي : "ـ ـ أو يقال إنّه لما أخبر تعالى بأنهم ألزموا الخزي طوق الحمامة وكان ذلك ربما أوهم أنه لا خلاص لهم منه وإن تابوا وكانت عادته سبحانه جارية بأنه إذا ذكر وعداً أو وعيداً عقبه حكم ضده ليكون الكلام تاماً ، اعلموا أن باب التوبة مفتوح والرب كريم على وجه عام" نظم الدرر(1/454)).

[2] قال أبو حيان :"ومناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه لما ذكر الكفرة من أهل الكتاب ، وما حل بهم من العقوبة ، أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم ، دالاً على أنه يجزي كلاً بفعله". البحر المحيط (1/389)

[3] قال الآلوسي:" إِنَّ الذين ءامَنُواْ لما انجر الكلام إلى ذكر وعيد أهل الكتاب قرن به ما يتضمن الوعد جرياً على عادته سبحانه من ذكر الترغيب والترهيب ، وبهذا يتضح وجه توسيط هذه الآية وما قبلها بين تعداد النعم" روح المعاني(1/289).

[4] قال ابن عاشور: "توسطت هاته الآية بين آيات ذكر بني إسرائيل بما أنعم الله عليهم وبما قابلوا به تلك النعم من الكفران وقلة الاكتراث فجاءت معترضة بينها لمناسبة يدركها كل بليغ وهي أن ما تقدم من حكاية سوء مقابلتهم لنعم الله تعالى قد جرت عليهم ضرب الذلة والمسكنة ورجوعهم بغضب من الله تعالى عليهم ، ولما كان الإنحاء عليهم بذلك من شأنه أن يفزعهم إلى طلب الخلاص من غضب الله تعالى لم يترك الله تعالى عادته مع خلقه من الرحمة بهم وإرادته صلاح حالهم فبين لهم في هاته الآية أن باب الله مفتوح لهم وأن اللجأ إليه أمر هين عليهم وذلك بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات ، ومن بديع البلاغة أن قرن معهم في ذلك ذكر بقية من الأمم ليكون ذلك تأنيساً لوحشة اليهود من القوارع السابقة في الآيات الماضية وإنصافاً للصالحين منهم ، واعترافاً بفضلهم ، وتبشيراً لصالحي الأمم من اليهود وغيرهم الذين مضوا مثل الذين كانوا قبل عيسى وامتثلوا لأنبيائهم ، ومثل الحواريين ، والموجودين في زمن نزول الآية مثل عبد الله بن سَلاَم وصهيب ، فقد وفَّت الآية حق الفريقين من الترغيب والبشارة ، وراعت المناسبتيْن للآيات المتقدمة مناسبةَ اقتران الترغيب بالترهيب ، ومناسبةَ ذكر الضد بعد الكلام على ضده " اهـ .

[5] قال أبو زهرة -:"الناس جميعا سواء أمام الله يجزيهم إن آمنوا اختص الله الآيات السابقة ببني إسرائيل وكفرهم بالآيات المتتالية آية بعد آية ، وبتكرار وتوالي ذلك الكفر ليبين انصرافهم عن الحق مع كثرة الآيات ، وكفرهم بالنعم بعد تواليها . وكأن القارئ للقرآن الكريم يحسب أن العبر تنزل لمن يكفر بها ، والآية المعجزة تتوالى على من ينكرها . . فيبين الله تعالى أن الغاية من هذه النعم هي الإيمان ، وأنهم إن كفروا بها فباب التوبة مفتوح لهم ولغيرهم ، وأن الله تعالى خلق الخلق ليتفكر الناس فيؤمنوا وليجدوا فيها البرهان فيؤمنوا وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( 56 ) [ الذاريات ] ، وقد قضى الله تعالى أن الإيمان مقبول من كل الطوائف والملل ، وقد جعل سبحانه ذلك الحكم الخالد الأبدي معترضا في أخبار بني إسرائيل ليفتح باب الإيمان لهم ، ولغيرهم ، فقال تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا .

[6] قال الشيرازي في الأمثل:" القانون العام للنّجاةبعد عرض لمقاطع من تاريخ بني إسرائيل ، تطرح هذه الآية الكريمة مبدأ عاماً في التقييم وفق المعايير الإلهية . وهذا المبدأ ينص على أن الإِيمان والعمل الصالح هما أساس تقييم الأفراد ، وليس للتظاهر والتصنّع قيمة في ميزان الله : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) . هذه الآية تكررت مع اختلاف يسير في سورة المائدة ، الآية 72 وفي سورة الحج الآية 17 . سياق الآية في سورة المائدة يشير إلى أن اليهود والنصارى فخِروا بدنيهم ، واعتبروا أنفسهم أفضل من الآخرين ، وادّعوا بأن الجنّة خاصة بهم دون غيرهم . ولعل مثل هذا التفاخر صدر عن بعض المسلمين أيضاً ، ولذلك نزلت هذه الآية الكريمة لتؤكد أن الإِيمان الظاهري لا قيمة له في الميزان الإلهي ، سواء في ذلك المسلمون واليهود والنصارى وأتباع الأديان الأخرى . ولتقول الآية أيضاً : إن الأجر عند الله يقوم على أساس الإِيمان الحقيقي بالله واليوم الآخر إضافة إلى العمل الصالح . وهذا الأساس هو الباعث الوحيد للسعادة الحقيقة والإِبتعاد عن كل خوف وحزن ".

[7] قال البقاعي :" ولما بين سبحانه أنهم لما تعنتوا على موسى كما مر ويأتي عن نصوص التوراة مرة بعد مرة أورثهم كفراً في قلوبهم فمردوا على العصيان والتجرّؤ على مجاوزة الحدود فضرب عليهم الذلة والمسكنة وأحلهم الغضب ، وكان في ذلك تحذير لمن طلب سلوك ذلك الصراط المستقيم من حالهم ، وإعلام بأن المتقين المستجاب لهم في الدعاء بالهداية ليسوا في شيء من ذلك بل قالوا : اهدنا ، عن يقين وإخلاص متبرئين من الدعاوى والاعتراض على الرسل نبه على أن من عمل ضد عملهم فآمن منهم أو من غيرهم من جميع الملل كان على ضد حالهم عند ربهم فلا يغضب عليهم بل يوفيهم أجورهم ويورثهم الأمن والسرور المتضمنين لضد الذلة والمسكنة ، فقال تعالى إن الذين آمنوا "نظم الدرر(1/60).

[8] قال البقاعي : " ـ ـ أو يقال إنه سبحانه لما علّل إهانة بني إسرائيل بعصيانهم واعتدائهم كان كأنه قيل : فما لمن أطاع ؟ فأجيب بجواب عام لهم ولغيرهم ". نظم الدرر (1/454) قال الفخر الرازي : " واعلم أن عادة الله إذا ذكر وعدا أو وعيدا عقبه بما يضاده ليكون الكلام تاما فهنا لما ذكر حكم الكفرة من أهل الكتاب وما حل بهم من العقوبة أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم والثواب الكريم دالا على أنه يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته كما قال : ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى فقال : إن الذين آمنوا " التفسير الكبير (3/535).

[9] قال ابن كثير:" لما بين الله تعالى حال من خالف أوامره وارتكب زواجره ، وتعدى في فعل ما لا إذن فيه وانتهك المحارم ، وما أحلّ بهم من النكال ، نبه تعالى على أن مَنْ أحسن من الأمم السالفة وأطاع ، فإن له جزاء الحسنى ، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة ؛ كُلّ من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية ، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه ، ولا هُمْ يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه ، كما قال تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ يونس : 62 ] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [ فصلت : 30 ]" تفسير ابن كثير (1/284)

[10] وهناك ربط ذكره سيد قطب على قول السدي وهو أن الآية لبيان أن الفضل ليس بالجنس والعرق إنما هو بالإيمان :
قال " لم يشهد تاريخ أمة ما شهده تاريخ إسرائيل من جحود واعتداء وتنكر للهداة . فقد قتلوا عددا من أنبيائهم - وقد كفروا أشنع الكفر ، واعتدوا أشنع الاعتداء ، وعصوا أبشع المعصية . وكان لهم في كل ميدان من هذه الميادين أفاعيل ليست مثلها أفاعيل !
ومع هذا كله فقد كانت لهم دعاوى عريضة عجيبة . كانوا دائما يدعون أنهم هم وحدهم المهتدون ، وهم وحدهم شعب الله المختار ، وهم وحدهم الذين ينالهم ثواب الله ؛ وأن فضل الله لهم وحدهم دون شريك . . وهنا يكذب القرآن هذه الدعوى العريضة ، ويقرر قاعدة من قواعده الكلية ، التي تتخلل القصص القرآني ، أو تسبقه أو تتلوه . يقرر قاعدة وحدة الإيمان . . ووحدة العقيدة ، متى انتهت إلى إسلام النفس لله ، والإيمان به إيمانا ينبثق منه العمل الصالح . وإن فضل الله ليس حجرا محجورا على عصبية خاصة ، إنما هو للمؤمنين أجمعين ، في كل زمان وفي كل مكان ، كل بحسب دينه الذي كان عليه ، حتى تجيء الرسالة التالية بالدين الذي يجب أن يصير المؤمنون إليه :
فالعبرة بحقيقة العقيدة ، لا بعصبية جنس أو قوم . . وذلك طبعا قبل البعثة. الظلال (1/75).

[11] من ذلك : وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)

[12] وهو قول السدي وابن كثير .

[13] انظر التحرير والتنوير ابن عاشور(1/531)

[14] انظر الآلوسي ( 1 /279 ) والرازي (5/376) .

[15] وقال ابن عاشور: "وقد استشكل ذكر الذين آمنوا في عداد هؤلاء ، وإجراء قوله : من آمن بالله عليهم مع أنهم مؤمنون فذكرهم تحصيل للحاصل ، فقيل أريد به خصوص المؤمنين بألسنتهم فقط وهم المنافقون . وقيل أراد به الجميع وأراد بمن آمن من دام بالنسبة للمخلصين ومن أخلص بالنسبة للمنافقين . وهما جوابان في غاية البعد . وقيل : يرجع قوله : من آمن بالله واليوم الآخر لخصوص الذين هادوا والنصارى والصابين دون المؤمنين بقرينة المقام لأنهم وصفوا بالذين آمنوا وهو حسن . وعندي أنه لا حاجة إلى شيء من ذلك ، لأن الشرط والصلة تركبت من شيئين الإيمان والعمل الصالح . والمخلصون وإن كان إيمانهم حاصلاً فقد بقي عليهم العمل الصالح فلما تركب الشرط أو الصلة من أمرين فقد علم كل أناس مشربهم وترجع كل صفة لمن يفتقر إليها كلاً أو بعضاً ".التحرير والتنوير(1/521).

[16] قال الطوسي :" اما " الذين آمنوا " وهم المصدقون برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بما اتاهم من الحق من عند الله" التبيان( 1/ 277) .

[17] قال الفخر الرازي: "وثالثها : المراد من قوله : إن الذين آمنوا هم المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام في الحقيقة وهو عائد إلى الماضي ، ثم قوله تعالى : من آمن بالله يقتضي المستقبل فالمراد الذين آمنوا في الماضي وثبتوا على ذلك واستمروا عليه في المستقبل وهو قول المتكلمين" التفسير الكبير(3/536).


[18] الفخر الرازي: " أحدها : وثانيها : أنه تعالى ذكر في أول هذه السورة طريقة المنافقين ثم طريقة اليهود ، فالمراد من قوله تعالى : إن الذين آمنوا هم الذين يؤمنون باللسان دون القلب وهم المنافقون ، فذكر المنافقين ثم اليهود والنصارى والصابئين فكأنه تعالى قال : هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي صار من المؤمنين عند الله وهو قول سفيان الثوري.التفسير الكبير (3/536 )

[19] قال الزمخشري:" إن الذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون والذين هَادُواْ والذين تهوّدوا . يقال : هاد يهود . وتهوّد إذا دخل في اليهودية ، وهو هائد ، والجمع هود . والنصارى وهو جمع نصران . يقال : رجل نصران ، وامرأة نصرانة ، قال : نصرانة لم تحنف . والياء في نصرانيّ للمبالغة كالتي في أحمريّ . سموا لأنهم نصروا المسيح . والصابئين وهو من صبأ : إذا خرج من الدين وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة مَنْ ءامَنَ من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً ودخل في ملة الإسلام دخولاً أصيلاً وَعَمِلَ صالحا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ الذي يستوجبونه بإيمانهم وعملهم ". الكشاف (1/ 146 ).

[20] قال أبو السعود:" إِنَّ الذين آمَنُواْ أي بألسنتهم فقط وهم المنافقون بقرينة انتظامِهم في سِلك الكفرة ، والتعبيرُ عنهم بذلك دون عُنوانِ النفاقِ للتصريح بأن تلك المرتبةَ وإن عُبِّر عنها بالإيمان لا تُجديهم نفعاً أصلاً ولا تُنْقِذُهم من ورطة الكفر قطعاً " (1/108).

[21] قال الآلوسي وفي المراد ب الذين آمنوا هنا أقوال ـ ــ ـ وأقل الأقوال مؤنة أولها [يعني هذا القول].

[22] قال الطباطبائي:" تكرار الإيمان ثانيا وهو الاتصاف بحقيقته كما يعطيه السياق يفيد أن المراد بالذين آمنوا في صدر الآية هم المتصفون بالإيمان ظاهرا المتسمون بهذا الاسم فيكون محصل المعنى أن الأسماء والتسمي بها مثل المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين لا يوجب عند الله تعالى أجرا ولا أمنا من العذاب كقولهم : لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، وإنما ملاك الأمر وسبب الكرامة والسعادة حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ، ولذلك لم يقل من آمن منهم بإرجاع الضمير إلى الموصول اللازم في الصلة لئلا يكون تقريرا للفائدة في التسمي على ما يعطيه النظم كما لا يخفى وهذا مما تكررت فيه آيات القرآن أن السعادة والكرامة تدور مدار العبودية ، فلا اسم من هذه الأسماء ينفع لمتسميه شيئا ، ولا وصف من أوصاف الكمال يبقى لصاحبه وينجيه إلا مع لزوم العبودية ، الأنبياء ومن دونهم فيه سواء ، فقد قال تعالى في أنبيائه بعد ما وصفهم بكل وصف جميل : و لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون : [ الأنعام – 88 ] ، وقال تعالى في أصحاب نبيه ومن آمن معه مع ما ذكر من عظم شأنهم وعلوقدرهم : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما : [ الفتح – 29 ] ، فأتى بكلمة منهم وقال في غيرهم ممن أوتي آيات الله تعالى : و لو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه : [ الأعراف – 176 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الناصة على أن الكرامة بالحقيقة دون الظاهر" (1/279) .

[23] قال الخليلي مفتي سلطنة عمان: "وهو قول مرفوض إذ لم يُعهد وصف المنافقين في القرآن بالإيمان بل نفى الله عنهم الإيمان بقوله : وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 8 ] ، وقوله : وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 14 ] ، وقوله : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [ المنافقون : 1 ] . ـ ـ ـ وتخصيص التقييد ببعض المذكورين دون بعض دعوى لا دليل عليها.

[24] لكن المظهري فسر اليهود والنصارى بمن كان على الدين الباطل ثم آمنوا إيمانا صحيحا بالنبي ، وأما البيضاوي :ففسر الذين هادوا بمن كان على دين سيدنا موسى الصحيح قبل مجيء سيدنا عيسى وفسر النصارى بمن كان كان على دين عيسى الصحيح قبل مجيء سيدنا محمد فقال: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم، يريد به المتدينين بدين محمد صلّى الله عليه وسلّم المخلصين منهم والمنافقين،مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ. مصدقاً بقلبه بالمبدأ والمعاد، عاملاً بمقتضى شرعه. وقيل من آمن من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً، ودخل في الإسلام دخولاً صادقاً" أنوار التنزيل (1 /84 ).

[25] قال أبو السعود : "وقد قيل : المرادُ بالذين آمنوا المتديّنون بدين الإسلام المُخلِصون منهم والمنافقون ، فحينئذ لا بد من تفسير مَنْ آمن بمن اتصف منهم بالإيمان الخالصِ بالمبدأ والمَعاد على الإطلاق ، سواءٌ كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه كإيمان المُخلصين أو بطريق إحداثه وإنشائه كإيمان مَنْ عداهم من المنافقين وسائر الطوائف ، وفائدةُ التعميم للمخلصين مزيدُ ترغيبِ الباقين في الإيمان ببيان أن تأخيرَهم في الاتصاف به غيرُ مُخلَ بكونهم أسوةً لأولئك الأقدمين في استحقاق الأجرِ وما يتبعه من الأمن الدائم" إرشاد العقل السليم "(1/108).

[26] في سورة المائدة يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ(5/41) وفي سورة الحج وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) (22/11).

[27] الفرق بين الذين آمنوا والمؤمنين :
الفرق الأول: الذين آمنوا تدل على أمرين: 1) الأولى يدل على أنهم فعلوا الإيمان وأحدثوه أي أوجدوه بعد أن لم يكن وفيه مدح عظيم لهم بإيجاد الإيمان ، وإفادة الفعل ذلك بالوضع لتضمنه الزمان 2) الثاني : أنهم داموا عليه وثبتوا عليه ، وهذا يدل عليه بالالتزام ، فهو يدل على تَحَقُّقَ الْإِيمَانِ فِيمَا مَضَى بِالصَّرَاحَةِ وَدَوَامَهُ بِالِالْتِزَامِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَلَّا يَتَغَيَّرَ ومثله صدقوا وجد منهم الصدق وثبتوا عليه ، ولأنه يدل على هذين الأمرين يؤتى بعدها بالتكليفات غالبا يا أيها الذين آمنوا ـ .
أما المؤمنون بصيغة اسم الفاعل فهو يدل على الاتصاف بصفة الإيمان بدون نظر أنهم أحدثوه أي التركيز على الاتصاف بالصفة لا على إحداث الصفة فليس فيه تعرض لحدوثه أصلًا أو تجدده ـ وأيضا المؤمنون لا يدل على زمن ، وقد يدل في بعض السياقات على الثبوت والقوة والرسوخ وعليه فالمؤمنون في بعض السياقات معناه الذي اتصفوا بالإيمان الثابت فاسم الفاعل صيغة منبئة عن الثبات والدوام.
الفرق الثاني: التعبير بالذين آمنوا يشمل قوي الإيمان وضعيفه بل يدخل أحيانا المنافقون فمعنى الذين آمنوا أحدثوا الإيمان ولو كانوا في أدنى مراتب .
الفرق الثالث:الموصول الذين آمنوا يُؤْذِنُ بالاشْتِهَارِهِمْ بِالْإِيمَانِ .ولنأخذ مثالا اجتمع فيه اسم الفاعل والاسم الموصول

في قوله تعالى : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) قال البقاعي : والذين آمنوا وإن كانوا في أدنى درجات الإيمان والله أي بما له من صفات الكمال - وليهم ، هذا الأصل ، ولكنه قال : ولي المؤمنين * ليعم الأنبياء كلهم وأتباعهم من كل فرقة ، ويعلم أن الوصف الموجب للتقريب العراقة في الإيمان ترغيباً لمن لم يبلغه في بلوغه ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان.

آيات اجتمع فيها اسم الفاعل والموصول:
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ) [العنكبوت : 11] ففيه ترغيب أن الله يعلم كل إيمان فكل إيمان عنده له أجر ، وأما في النفاق فهو يرغب الذين نافقوا أن يتركوا فالتهديد منصب على الذين ثبتوا على النفاق وكذلك فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) فعند الأمر ذكرهم بأمر عظيم فعلوه وهو الإيمان والثبات عليه وأنهم مشهورون بهذه الصفة ، فكما احدثوا الإيمان فليحدثوا التذكر ، ثم بين أن المؤمن الكامل في الإيمان يوكل أموره لله ، وليقس ما لم يقل.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) 6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) نَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُإِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)

[28] قال أبو السعود:" وَرَحْمَةً عطفٌ على أذنُ خيرٍ أي وهو رحمةٌ بطريق إطلاقِ المصدرِ على الفاعل للمبالغة
للذين آمنوا مِنكُمْ أي للذين أظهروا الإيمانَ منكم حيث يقبله منهم لكن لا تصديقاً لَهُم في ذلك بل رفقاً بهم وترحماً عليهم ولا يكشف أسرارَهم ولا يهتِك أستارَهم وإسنادُ الإيمان إليهم بصيغة الفعلِ بعد نسبتِه إلى المؤمنين بصيغة الفاعل المنبئةِ عن الرسوخ والاستمرارِ للإيذان بأن إيمانَهم أمرٌ حادثٌ ما له من قرار". إرشاد العقل السليم (4/77).

[29] قال البيضاوي: "من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ ، مصدقا بقلبه بالمبدأ والمعاد ، عاملا بمقتضى شرعه . وقيل من آمن من هؤلاء الكفرة إيمانا خالصا ، ودخل في الإسلام دخولا صادقا". أنوار التنزيل (1/85).

[30] جامع البيان (2/154) ، تنبيه : الطبري اختار القول الأول في المراد باليهود والنصارى والصابئين لكنه هنا يوجه القول الثاني عندما حكاه.

[31] الفخر الرازي أحدها : وثانيها : أنه تعالى ذكر في أول هذه السورة طريقة المنافقين ثم طريقة اليهود ، فالمراد من قوله تعالى : إن الذين آمنوا هم الذين يؤمنون باللسان دون القلب وهم المنافقون ، فذكر المنافقين ثم اليهود والنصارى والصابئين فكأنه تعالى قال : هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي صار من المؤمنين عند الله وهو قول سفيان الثوري.

[32] قال الخليلي مفتي سلطنة عمان: "وهو قول مرفوض إذ لم يُعهد وصف المنافقين في القرآن بالإيمان بل نفى الله عنهم الإيمان بقوله : وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 8 ] ، وقوله : وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 14 ] ، وقوله : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [ المنافقون : 1 ] . ـ ـ ـ وتخصيص التقييد ببعض المذكورين دون بعض دعوى لا دليل عليها.

[33] وردت عدة روايات في هذا المعنى وقد جمعها الإمام ابن حجر العسقلاني تعالى ، في كتاب" العجاب في بيان الأسباب" وحكم على بعضها بالصحة حيث قال:
أخرج الواحدي من تفسير أبي الشيخ عبد الله بن محمد بن حيان الحافظ الأصبهاني بسند له صحيح إلى ابن جريج عن عبد الله بن كثير عن مجاهد قال:" لما قص سلمان الفارسي على رسول الله قصة أصحابه الذين كان يتعبد معهم قال: "هم في النار" قال سلمان: فأظلمتْ عليَّ الأرض فنزلت، قال: فكأنما كُشف عني جبل " لكن محقق كتاب العجاب عبد الحكيم محمد الأنيس كتب بهامشه : فيه انقطاع؛ مجاهد لم يسمع من سلمان، انظر "جامع التحصيل في أحكام المراسيل" للعلائي "ص336-337".
وقال الحافظ ابن حجر رحمه : وأخرج الواحدي أيضا من "تفسير إسحاق بن راهويه" بسنده القوي إلى السدي قال:" نزلت في أصحاب سلمان لما قدم على رسول الله جعل يخبره عن عبادتهم واجتهادهم وقال يا رسول الله كانوا يصلون ويصومون ويؤمنون بك ويشهدون أنك تبعث نبيا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال: "يا سلمان هم من أهل النار"، فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الآية" .
لكن محقق كتاب العجاب كتب في هامشه:" في السند أسباط بن نصر وهو مختلف فيه: وثقه ابن معين وابن حبان، ووصفه بالصدق البخاري في "الأوسط"، وتوقف فيه أحمد وضعفه النسائي وأبو نعيم والساجي، ومرة قال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن حجر" صدوق كثير الخطأ يغرب، وقال في التهذيب": علق له البخاري حديثًا في الاستسقاء، وقد وصله الإمام أحمد والبيهقي في "السنن الكبرى" [3/ 352] وهو حديث منكر أوضحته في التغليق" [في الأصل: بالعين المهملة وهو خطأ] .انظر "التاريخ الكبير" "2/ 53" و"الجرح والتعديل" "1/ 322" و"تهذيب الكمال" "2/ 357" و"التهذيب" "1/ 211" و"التقريب" "ص98 "321" و"تغليق" "2/ 390" وزاد أن البيهقي في "الدلائل" ولم يوضح أنه منكر سوى أنه ساق السند وقد وثقه أحمد شاكر انظر تعليقه على مسند أحمد في الحديث رقم "1286" اهـ.
يقول علي هاني: وقد جمع كتاب" الاستيعاب في بيان الاسباب" لسليم الهلال وموسى نصر جميع الروايات الورادة في القصة وحكما على الروايات بالضعف وإليك نص كلامهما:
الرواية الأولى: عن مجاهد : عن سلمان --؛ قال: سألت النبي - - عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم؛ فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى. . .. [ضعيف] أخرجه ابن أبي عمر العدني في "مسنده"؛ كما في "الدر المنثور" (1/ 179) -ومن طريقه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (1/ 198 رقم 638 - البقرة) -: ثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عنه به.قلنا: وسنده ضعيف؛ للانقطاع بين مجاهد وسلمان؛ فهو لم يسمع منه؛ كما في "جامع التحصيل" (ص 336، 337)، وقال الحافظ في "العجاب" (1/ 256): "وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن مجاهد"، ولم ينبه على الانقطاع.
الرواية الثانية: عن مجاهد: "لما قص سلمان على النبي - - قصة أصحاب الدير؛ قال: "هم في النار"، قال سلمان: فأظلمت عليّ الأرض؛ فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا إلى قوله: يَحْزَنُونَ قال: فكأنما كشف عني جبل. [ضعيف] أخرجه أبو الشيخ في "تفسيره"؛ كما في "العجاب" (1/ 255) -ومن طريقه الواحدي في "أسباب النزول" (ص 14) - من طريق يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير عن مجاهد به.قلنا: وهذا سند ضعيف؛ فيه علتان: الأولى: الإرسال.الثانية: عنعنة ابن جريج.قال الحافظ ابن حجر -- في "العجاب" (1/ 255): "أخرج الواحدي من تفسير أبي الشيخ عبد الله بن محمد بن حيان الحافظ الأصبهاني بسند له صحيح إلى ابن جريج".قلنا: ولم يتكلم على العلتين اللتين ذكرناهما.وأخرجه ابن جرير في "جامع البيان" (1/ 256) من طريق الحسين بن داود: ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد به.وهذا سند ضعيف؛ سنيد؛ ضعيف؛ كما في "التقريب"، وفيه تدليس ابن جريج، وأسقط من سنده عبد الله بن كثير، أضف إلى هذا أنه مرسل.
الرواية الثالثة: عن السدي؛ قال: نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي، فبينا هو يحدث النبي - -؛ إذ ذكر أصحابه؛ فأخبره خبرهم فقال: كانوا يصومون، ويصلون، ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبياً، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم؛ قال له نبي الله - -: "يا سلمان! هم من أهل النار"؛ فاشتد ذلك على سلمان؛ فأنزل الله -تعالى- هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. [ضعيف جدًا] أخرجه إسحاق بن راهويه في "تفسيره"؛ كما في "العجاب" (1/ 256) -ومن طريقه الواحدي في "أسباب النزول" (ص 15) -، وابن أبي حاتم في "التفسير" (1/ 198، 199 رقم 640 - البقرة)، وابن جرير الطبري في "جامع البيان" = = (1/ 254 - 256) من طريق عمرو بن حماد القناد ثنا أسباط بن نصر عن السدي.
قلنا: وسنده ضعيف جداً؛ فيه علتان:الأولى: الإعضال.الثانية: أسباط بن نصر؛ ضعفه النسائي وأحمد وأبو نعيم وابن معين والساجي.قال الحافظ ابن حجر في "العجاب" (1/ 256، 257): "وأخرج الواحدي -أيضاً- من تفسير إسحاق بن راهويه بسنده القوي إلى السدي".قلنا: فيه نظر؛ كما تقدم.
الرواية الرابعة: عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود: الآية في أصحاب سلمان نزلت، وكان من أهل جند سابور، وكان من أشرافهم، وكان ابنُ الملك صديقاً له ومواخياً، وكانا يركبان إلى الصيد، فبينما هما في الصيد إذ رفع لهما بيتٌ من عباء، فأتياه، فإذا هما برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه، ويبكي، فسألاه: ما هذا؟ قال: الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما، فانزلا. فنزلا إليه، فقال: هذا كتاب جاء من عند الله أمر فيه بطاعته، ونهى عن معصيته، فيه: أن لا تزني ولا تسرق، ولا تأخذ أموال الناس بالباطل، فقصَّ عليهما ما فيه، وهو الإنجيل. فتابعاه فأسلما، وقال: إن ذبيحة قومكما عليكما حرام. ولم يزل معهما يتعلّمان منه حتى كان عيد للملك فجعل طعاماً، ثم جمع الناس والأشراف، وأرسل إلى ابن الملك، فدعاه ليأكل. فأبى، وقال: إني عنك مشغول. فلما أكثر عليه، أخبر أنه لا يأكل من طعامهم. فقال له الملك: من أخبرك بهذا؟ فذكر له الراهبَ. فطلب الراهب وسأله، فقال: صدق ابنك. فقال: لولا أن الدم عظيم لقتلتُك. اخرج من أرضنا، فأجّله أجلاً. فقمنا نبكي عليه، فقال: إن كنتما صادقين، فأنا في بيْعة في المَوْصِل مع ستين رجلاً نعبد الله، فائتونا. فخرج، وبقي سلمان وابن الملك. فجعل سلمان يقول لابن الملك: انطلق بنا، وابن الملك يقول: نعم. فجعل يبيعُ متاعه يريد الجهاز، وأبطأ، فخرج سلمان حتى أتاهم، فنزل على صاحبه وهو ربُّ البيعة.فكان سلمان معه يجتهد في العبادة، فقال له الشيخ: إنك غلام حدث، وأنا خائف أن تفتر، فارفق بنفسك، قال: خل عني. ثم إن صاحب البيعة دعاه، فقال: تعلم أن هذه البيعة لي، ولو شئت أن أخرج هؤلاء، لفعلت، ولكني رجل أضعف عن عبادة هؤلاء، وأنا أريد أن أتحول إلى بيعة أهلها أهون عبادة، فإن شئت أن تقيم ها هنا، فأقم. فأقام بها يتعبد معهم، ثم إن شيخه أراد أن يأتي بيت المقدس، فدعا سلمان، وأعلمه، فانطلق معه، فمروا بمقعد على الطريق، فنادى: يا سيد الرهبان، ارحمني. فلم يكلمه حتى أتى ببيت المقدس، فقال لسلمان: اخرج فاطلب العلم، فإنه يحضر المسجد علماء أهل الأرض. فخرج سلمان يسمع منهم، فخرج يوماً حزيناً، فقال له الشيخ: مَا لَكَ؟ قال: أرى الخير كله قد ذهب به من كان قبلنا من الأنبياء وأتباعهم. قال: أجل، لا تحزن فإنه قد بقي نبي ليس من نبي بأفضل تبعاً منه، وهذا زمانه، ولا أراني أُدركه، ولعلك تدركه. وهو يخرج في أرض العرب، فإن أدركته فآمِن به. قال: فأخبرني عن علامته. قال: مختوم في ظهره بخاتم النبوة، يأكل الهديّة، ولا يأكل الصدقة. ثم رجعا حتى بلغا مكان المقعد. فناداهما: يا سيد الرهبان، ارحمني يرحمك الله؛ فعطف إليه حماره، فأخذ بيده، ثم رفعه، فضرب به الأرض ودعا له، فقال: قم بإذن الله، فقام صحيحاً يشتد، وسار الرهبان، فتغيب عن سلمان وتطلّبه سلمان. فلقيه رجلان من كلب، فقال: هل رأيتما الراهب؟ فأناخ أحدهما راحلته وقال: نعم، راعي الصِّرمة هذا فانطلق به إلى المدينة. قال سلمان: فأصابني من الحزن شيء لم يصبني قط. فاشترته امرأة من جهينة، فكان يرعى عليها هو وغلام لها يتراوحان الغنم، وكان سلمان يجمع الدراهم ينتظر خروج محمد - -. فبينما هو يرعى إذ أتاه صاحبه، فقال: أشعرت أنه قدم المدينة رجل يزعم أنه نبي؟
فقال: أقِم في الغنم حتى آتي، فهبط إلى المدينة، فنظر إلى النبي - -، ورأى خاتم النبوة، ثم انطلق فاشترى بدينار بنصفه شاة فشواها، وبنصفه خبزاً وأتى به، فقال النبي - -: "ما هذا؟ " قال: صدقة، قال: "لا حاجة لي بها" أخرجها يأكلها المسلمون. ثم انطلق فاشترى بدينار آخر خبزاً ولحماً، فأتى به، فقال: هذا هدية، فأكلا جميعًا.
وأخبره سلمان خبر أصحابه، فقال: كانوا يصومون ويُصلُّون، ويشهدون أنك ستبعث. فقال: "يا سلمان! هم من أهل النار"، فاشتد ذلك على سلمان. وقد كان قال: لو أدركوك صدّقوك واتّبعوك ، فأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَوعن مرة عن ابن مسعود عن ناس من أصحاب رسول الله - "قلنا: هذا موصول؛ لكن في السند أسباط بن نصر، وهو ضعيف.

[34] إرشاد العقل السليم(1/109)

[35] روح المعاني (1/280)

[36] التحرير والتنوير (1/520).

[37] القول السادس: قالوا : المراد بالذين آمنوا : هم طلاب الدين الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه مثل قس بن ساعدة وسلمان الفارسي ، فمنهم من أدرك النبي وتابعه ومنهم من لم يدركه فكأنه تعالى قال : إن الذين آمنوا قبل مبعث النبي وَالَّذِينَ هَادُواْ يعني الذين كانوا على دين موسى ولم يبدّلوا ولم يغيّروا . وَالنَّصَارَى : الذين كانوا على دين عيسى ولم يبدّلوا وماتوا على ذلك .
ذكره الثعالبي والبغوي وقريب منه جواد مغنية.


القول السابع: مثل القول السابق لكن الفارق في تفسير الذين هادوا والنصارى

قالوا : هم طلاب الدين مثل قس بن ساعدة وسلمان الفارسي ، فمنهم من أدرك النبي وتابعه ومنهم من لم يدركه والمراد بالذين هادوا والنصارى والصابئين من كان منهم على الدين الباطل، فكأنه تعالى قال : إن الذين آمنوا قبل مبعث النبي ، وَالَّذِينَ هَادُواْ على الدين الباطل. وَالنَّصَارَى: على الدين الباطل.اختاره : الخازن وذكره الرازي.
القول الثامن : قالوا الآية منسوخة : وهو مروي عن ابن عباس كما قال الطبري وابن عطية والقرطبي وأبو حيان، فقد روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أول الإسلام ، وقرر الله بها أن من آمن بمحمد ومن بقي على يهوديته ونصرانيته وصابئيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر فله أجره ، ثم نسخما بقوله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه [ آل عمران : 85 ] ورُدَّت الشرائع : كلها إلا شريعة سيدنا محمد .
قال الطبري :"وقال ابن عباس بما : حدثني المثنى ، ـ ـ ـ عن ابن عباس قوله : إنّ الّذِينَ آمَنُوا والذِين هادُوا وَالنّصَارَى وَالصّابِئِينَ إلى قوله : ولا هُمْ يَحْزَنُونَ . فأنزل الله تعالى بعد هذا : وَمَنْ يَبْتَغِ غيرَ الإسْلامِ دِينا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ . وهذا الخبر يدلّ على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا من اليهود والنصارى والصابئين على عمله في الاَخرة الجنة ، ثم نسخ ذلك بقوله : وَمَنْ يَبْتَغِ غيرَ الإسْلامِ دِينا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ."(جامع البيان( 2/551).
قال أبو حيان :" وروي عن ابن عباس أنها نزلت في أوّل الإسلام ، وقدر الله بها أن من آمن بمحمد ، ومن بقي على يهوديته ونصرانيته وصابئيته ، وهو مؤمن بالله واليوم الآخر ، فله أجره ، ثم نسخ ما قدر من ذلك بقوله : ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وردّت الشرائع كلها إلى شريعة محمد .وقال غير ابن عباس : ليست بمنسوخة" . (البحر المحيط (1 / 388) .قال القرطبي: "الثامنة : روي عن ابن عباس أن قوله : " إن الذين آمنوا والذين هادو " [ الحج : 17 ] الآية . منسوخ بقوله تعالى : " يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه " [ آل عمران : 85 ] الآية . وقال غيره : ليست بمنسوخة . وهى فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين بالنبي " أحكام القرآن(1 / 436) .
يقول علي هاني: وهذا قول ضعيف لا أظنه يصح عن ابن عباس؛ لأنه من المقرر المعروف أن الأخبار لا تنسخ ، لذلك نجد العلماء قد أولوا ما نسب إلى ابن عباس أو ضعفوا نسبته إليه : قال الطوسي: "وروي عن ابن عباس : أنها منسوخة بقوله تعالى : " ومن يبتغ غير الاسلام دينا ، فلن يقبل منه ". وهذا بعيد ، لان النسخ لا يجوز أن يدخل في الخبر الذي يتضمن الوعيد . وانما يجوز دخوله فيما طريقه الاحكام الشرعية التي يجوز تغييرها " (التبيان ( 1/281 ) ووجهه ابن كثير توجيها آخر حيث قال: "قلت : وهذا لا ينافي ما روى عَليّ بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ الآية فأنزل الله بعد ذلك : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ آل عمران : 85 ] ، فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا إلا ما كان موافقًا لشريعة محمد بعد أن بعثه الله بما بعثه به ، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة ، فاليهود أتباع موسى ، ، الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم" .
وقد وجه الراغب في تفسيره قول ابن عباس وأيده القاسمي قائلا: " قال الراغب في ( تفسيره ) : وقول ابن عباس : ( إن هذا منسوخ بقوله : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه يعنون أن هذه الأديان كلها منسوخة بدين الإسلام ، وأن الله جعل لهم الأجر قبل وقت النبي ، فأما في وقته ، فالأديان كلها منسوخة بدينه . اه تفسير الراغب (1/215) محاسن التأويل (1/317). أي فليس مراد ابن عباس ، ومن وافقه ، أنه تعالى كان قد وعد من عمل صالحا من اليهود ، ومن ذكر معهم على عمله في الآخرة الجنة ، ثم نسخه بآية ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه بل مراده ما ذكر الراغب . وهذا ما لا شبهة فيه . ".
وقد رد ابن عاشور ما روي عن ابن عباس ثم وجهه: قائلا " وبهذا يعلم أن لا وجه لدعوى كون هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه [ آل عمران : 85 ] إذ لا استقامة في دعوى نسخ الخبر إلا أن يقال إن الله أخبر به عن مؤمني أهل الكتاب والصابئين الذين آمنوا بما جاءت به رسل الله دون تحريف ولا تبديل ولا عصيان وماتوا على ذلك قبل بعثة محمد فيكون معنى الآية كمعنى قوله فيما ذكر من يؤتى أجره مرتين : " ورجل من أهل الكتاب آمن برسوله ثم آمن بي فله أجران " .
وأما القائلون بأنها منسوخة ، فأحسب أن تأويلها عندهم أن الله أمهلهم في أول تلقي دعوة رسول الله إلى أن ينظروا فلما عَاندُوا نسخها بقوله : ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه لئلا يفضي قولهم إلى دعوى نسخ الخبر .التحرير والتنوير (1/522).

[38] ينظر محمد حسن جبل في المعجم الاشتقاقي، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، والتحقيق للمصطفوي


[39] ثم رأيت المصطفوي في التحقيق (11/20) مادة هود. قال:[39]: قال في القاموس العبري لقوجمان: (هود) مجد ، جلال ، عز. (هودِه ): شكر [39]"اهـ قال المصطفوي: فهي مأخوذة من العبريةولا يخفى ما بين المفهوم اللغوي العربي والعبري من التناسب فإن الحركة والميل إلى الارتياح والرواح يصدق على المجد والشكر والعظمة.

[40] وهناك أقوال قريبة من هذا: فقيل: هو من الهَوادة وهي الخضوعُ ولين الجانب والسكون ، ومنه قولهم: إنا هدنا إليك أي لانت قلوبنا ، وقيل: " هدنا إليك " أي : سكنا إلى أمرك . والهوادة : السكون والموادعة . وقيل: هو من التَّهْويد وهو النطق في سكون ووقار ، وأنشدوا :
وخُودٌ من اللائي تَسَمَّعْنَ بالضُّحى قَريضَ الرُّدافَى بالغِناءِ المُهَوَّد وقيل: والأصلُ : هاد يَهِيد ، أي : تحرَّك ومنه سُمِّي اليهودُ لتحرُّكهم سموا بذلك لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة أبو عمرو بن العلاء" .الدر المصون (1/405).


[41] ولا يلزم من هذا الاسم أنهم كلهم عبدوا العجل.

قال أبو حيان في سورة المائدة: " وحيث جاء النصارى من غير نسبة إلى أنهم قالوا عن أنفسهم ذلك ، فإنما هو من باب العَلَم لم يلحظ فيه المعنى الأول الذي قصدوه من النصر ، كما صار اليهود علماً لم يحلظ فيه معنى قوله هُدنا إليك" قال ابن عاشور: " وقد تنوسي منه هذا المعنى وصار علماً بالغلبة على بني إسرائيل فنودوا به".


[43] . قال أبو حيان :"هاد : ألفه منقلبة عن واو ، والمضارع يهود ، ومعناه : تاب ، أو عن ياء والمضارع يهيد ، إذا تحرك ، والأولى الأول لقوله تعالى : إنا هدنا إليك "(البحر (1/385).

[44] قال الشنقيطي: "هادوا " المراد بالذين هادوا هنا : اليهود ، والعرب تقول : " هاد يهود " إذا تاب من ذنبه ورجع إلى الصواب . وهذا معروف في كلام العرب ، ومنه قول الله في الأعراف عن نبيه موسى : واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك ( الأعراف : الآية106 ) أي : تبنا ورجعنا منيبين إليك . فمعنى( هاد ، يهود ) : إذا رجع تائبا إلى الحق ، متنصلا من ذنبه . واسم فاعله : ( هائد ) ، ويجمع على ( هود ) ، ومنه : كونوا هودا أو نصارى ( البقرة : الآية 135 ) وجمع( الفاعل ) على ( فعل ) مسموع في أوزان قليلة ، وكهائد وهود ، وحائل وحول ، وعائذ وعوذ ، وبازل وبزل: وإنما قيل لليهود : الذين هادوا لأنه في تاريخهم توبة عظيمة سجلها لهم القرآن ، وهي توبتهم من عبادة العجل ، لما رجع موسى من الميقات من الطور ، ووجدهم يعبدون العجل ، جاء الوحي بأن الله لا يقبل توبة أحد منهم حتى يقدم نفسه للموت ، كما قدمنا إيضاحه في البقرة في قوله : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ( البقرة : الآية 54 ) أي : فقدمتم أنفسكم فتاب عليكم . هذه التوبة التي تجر الإنسان إلى أن يقدم نفسه لله صابرا محتسبا على الموت توبة عظيمة سجلها لهم القرآن ، ولذلك ربما أطلق عليهم اسم : ( الذين هادوا ) : تابوا . أي : بتلك التوبة المعروفة" (العَذْبُ النَّمِيرُ مِنْ مَجَالِسِ الشَّنْقِيطِيِّ فِي التَّفْسِيرِ/ محمد الأمين(2 / 387).

[45] قال محمد رشيد رضا:" الذين هادوا هم اليهود من قولهم الآتي في سورة الأعراف إنا هدنا إليك ( الأعراف 156 ) أي رجعنا وتبنا ، وأصل الهود الرجوع برفق قاله الراغب" (المنار (8/150).

[46] وهناك قول آخر أنه الابن الرابع : فقد جاء في قاموس الكتاب المقدس:" وهو الرابع من أبناء يعقوب من زوجته ليئه وهو الذي منع من قتل يوسف ونجاه".

[47] قال أمير عبد العزيز:" لكنني أرجح الرأي الأول القائل بأن هادوا نسبة الى يهوذا الابن الأكبر ، لأن الرأيين الآخرين أساسهما الاشتقاق في العربية مع أن بني إسرائيل ما كانوا يتكلمون العربية في زمانهم بل كانوا ينطقون بلغة التوراة .
ومن جهة أخرى فإن نسبة القولين الأخريين إلى التوبة والهوادة وهي اللين والرقة أمر لا يستند الى دليل يقول علي هاني: أما قوله هم لم يتكلموا بالعربية نقول هم تكلموا باللغات العربية القديمة فالعبرية هي عامية العربية كما حققه محمد محفل المتخصص باللغات القديمة وإن شئت قل هم تكلموا باللغات السامية التي تشترك مع اللغة العربية في الأصول وفي أمور كثيرة فلذلك نجد كلمات عربية كثيرة موجودة عندهم وهذا يعرفه من درس اللغات العربية القديمة التي سميت لغات سامية ، واما قوله لا يستند إلى دليل ففيه نظر ، يعرف مما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى" .

[48] المحكم والمحيط الأعظم / ابن سيده (4/411) .

[49] التحرير والتنوير (1/515).

[50] وقال ابن عاشور في موضع آخر:"والّذين هادوا هم اليهود ، وهو اسم يرادف معنى الإسرائليين ، إلاّ أنّ أصله يختصّ ببني يهوذا منهم ، فغلب عليهم من بعد ، كما قدّمناه عند قوله تعالى : إنُّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والنّصارى والصابئين الآية في سورة البقرة ( 62 )" .

[51] قال المصطفوي في التحقيق(11/20) مادة هودوفي قاموس الكتاب المقدس مملكة يهودا تشمل أراضي سبط يهودا وأكثر أراضي بنيامين واستدامت سلطنة سبط يهودا بعد داوود متسلسلا إلى تسعة عشر سلطانا وبقيت بعد سنة 1135 سنة بعد تخريب مملكة إسرائيل ثم رجع منهم من الإسارة وسموا يهودا وبقي هذا الاسم فيهم "


· [52] قال المصطفوي في التحقيق(11/20) مادة هود:"قال في قاموس العبري لقوجمان (هود) مجد ، جلال ، عز، هودِه : شكر جاء في سفر التكوين : (29/35) وحبلت أيضا وولدت ابنا وقالت هذه المرة أحمد الرب لذلك دعت اسمه يهوذا ثم توقفت عن الولادة".
· وفي قاموس الكتاب المقدس مملكة يهودا تشمل أراضي سبط يهودا وأكثر أراضي بن يامين واستدامت سلطنة سبط يهودا بعد داوود متسلسلا إلى تسعة عشر سلطانا وبقيت بعد سنة 1135 سنة بعد تخريب مملكة إسرائيل ثم رجع منهم من الإسارة وسموا يهودا وبقي هذا الاسم فيهم ".
· قال القاسمي: "وإنما لزمهم هذا الاسم، لأن الإسرائيليين الذين رجعوا من جلاء سبعين سنة، ومن سبي بابل إلى وطنهم القديم، كان أكثرهم من نسل يهوذا بن يعقوب (بالذال المعجمة- فقلبتها العرب دالا مهملة)" محاسن التأويل(1/ 318).

[53] عبارة البيضاوي :" والذين هادوا تهودوا ، يقال هاد وتهود إذا دخل في اليهودية ، ويهود : إما عربي من هاد إذا تاب ، سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل ، وإما معرب يهوذا وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب " (أنوار التنزيل/(1/84). .وقال أبو السعود : " والذين هَادُواْ أي تهوَّدوا من هادَ إذا دخَل في اليهودية ، ويهودُ إما عربي من هاد إذا تاب سُموا بذلك حين تابوا من عبادة العجل وخُصوا به لما كانت توبتُهم توبةً هائلة ، وإما معرَّبُ يهوذا كأنهم سُمّوا باسم أكبرِ أولادِ يعقوبَ عليه الصلاة والسلام " (إرشاد العقل السليم (1/108). وقال الآلوسي: " والذين هَادُواْ أي تهودوا يقال : هاد وتهود إذا دخل في اليهودية ، ويهود إما عربي من هاد إذا تاب سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل ، ووجه التخصيص كون توبتهم أشق الأعمال كما مر ، وإما معرب يهوذا بذال معجمة وألف مقصورة كأنهم سموا بأكبر أولاد يعقوب . روح المعاني (1/279).

[54] في سورة الجمعة

[55] في سورة المائدة

[56] في سورة البقرة

[57] قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

[58] قال أبو السعود في تفسير فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا [النساء : 160] "لعل ذكرَهم بهذا العنوانِ للإيذان بكمالِ عِظَمِ ظلمهم بتذكير وقوعِه بعد ما هادُوا أي تابوا من عبادة العجلِ مثلَ تلك التوبةِ الهائلةِ المشروطةِ ببخْع النفوسِ إثرَ بيانِ عِظَمِه في حد ذاتِه بالتنوين التفخيميِّ ، أي بسبب ظلمٍ عظيمٍ خارجٍ عن حدود الأشباهِ والأشكالِ صادرٍ عنهم. إرشاد العقل السليم". (2/253)

[59] قال الآلوسي فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ :" أي تابوا من عبادة العجل ، والتعبير عنهم بهذا العنوان إيذان بكمال عظم ظلمهم بتذكير وقوعه بعد تلك التوبة الهائلة إثر بيان عظمه بالتنوين التفخيمي أي بسبب ظلم عظيم خارج عن حدود ".(روح المعاني (3/189)


[60] محاسن التأويل (3/ 445).

[61] قال السمرقندي :الذين هَادُواْ يعني : مالوا عن الإسلام والحق إلى اليهودية .

[62] الشنقيطي في أضواء البيان (8/119):"ومعنى هادوا : أي رجعوا بالتوبة إلى الله من عبادة العجل ، ومنه قوله تعالى : إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ [ الأعراف : 156 ] ، وكان رجوعهم عن عبادة العجل بالتوبة النصوح : حيث سلموا أنفسهم للقتل توبة وإنابة إلى الله كما بينه بقوله : فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إلى قوله فَتَابَ عَلَيْكُمْ [ البقرة : 54 ]"

[63] اعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى لليهود المنكرين لوجوب الرجم ، وترغيب لهم في أن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم والأنبياء المبعوثين إليهم ، يحكم بها النبيون أي أنبياءُ بني إسرائيلَ الذين أَسْلَمُواْ صفة أجريت على النبيين على سبيل المدح دون التخصيص والتوضيح ، كالصفات الجارية على الله سبحانه ، فهذه الصفة لا للقصد إلى مدحهم بذلك حقيقة ؛ فإن النبوة أعظم من الإسلام قطعاً بل للتنويه بشأن الصفة فإن إبرازَ وصفٍ في معرِض مدح العظماء مُنبئٌ عن عِظَم قدر الوصْفِ لا محالة كما في وصف الأنبياءِ بالصلاحِ ووصفِ الملائكة بالإيمان ، ولذلك قيل : أوصافُ الأشراف أشرافُ الأوصاف ، ومعنى الذين أسلموا أعطوا قيادهم لربهم سبحانه حتى لم يبق لهم اختيار أصلاً أَسْلَمُوا لله وفوضوا أمورهم كلها اليه بعد ما تحققوا بتوحيده ، وأريد بإجرائها:
أ) التعريض باليهود ، وأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث وإلا لاتبعوا أنبياءهم فيه ، فكانوا يؤمنون بكل من قام الدليل على نبوته ، وأنّ اليهودية بمعزل منها والتنبيه على قبح طريقة هؤلاء اليهود المتأخرين.
ب) وأيضا للرد على اليهود والنصارى َبأنهم بُعَدَاءُ مِنْ هَذَا الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ، وَأَنَّهُ كَانَ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ؛ لأن بعضهم كانوا يقولون : الأنبياء كانوا يهود أو نصارى ، فقال تعالى : يحكم بها النبيون الذين أسلموا يعني الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية ، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه فأَنْبِيَاؤهُمْ كَانُوا يَدِينُونَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي دَانَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، للذين هادوا: واللام في قوله : للّذين هادوا للأجل والاختصاص وليست لتعدية فعل يحكم إذ الحكم في الحقيقة لهم وعليهم كأنه قيل : لأجل الذين هادو ، فهي للاختصاصُ، فتشمل مَنْ يحكم له ومَنْ يحكم عليه.

[64] لكن عبارة القاسمي: لِلَّذِينَ هادُوا وهم اليهود. و (هاد) بمعنى تاب ورجع إلى الحق.

[65] قال الزمخشري:" الذين أَسْلَمُواْ صفة أجريت على النبيين على سبيل المدح ، كالصفات الجارية على القديم سبحانه لا للتفصلة والتوضيح ، وأريد بإجرائها التعريض باليهود ، وأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث ، وأنّ اليهودية بمعزل منها، وقوله : الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ مناد على ذلك".(الكشاف (1/636).

[66] قال أبو حيان:" وَفِي قَوْلِهِ: لِلَّذِينِ هَادُوا، تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، بَلْ هُمْ بُعَدَاءُ مِنْ ذَلِكَ". البحر المحيط (4/267).

[67] قال النيسابوري: "قال الكشاف: "قوله تعالى: الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا مناد على أن اليهود بمعزل عن الإسلام. قلت: هذا بناء على أن صفة الحاكمين يلزم أن تكون مغايرة لصفة المحكومين. ولقائل أن يقول: بعد تسليم ذلك إنه لم لا يكفي مغايرة العام للخاص؟" (غرائب القرآن ورغائب الفرقان/ نظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري ( 2 / 595).

[68] أبو حيان من قبل أن تنزل التوراة :" قال أبو البقاء : مِن متعلقة بحرم ، يعني في قوله : إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه ، ويبعد ذلك ، إذْ هو من الاخبار بالواضح ، لأنه معلوم أنّ ما حرم إسرائيل على نفسه هو من قبل إنزال التوراة ضرورة لتباعد ما بين وجود إسرائيل وإنزال التوراة ، ويظهر أنه متعلق بقوله : كان حلاً لبني إسرائيل ، أي من قبل أن تنزل التوراة ، وفَصَلَ بالاستثناء إذ هو فصل جائز وذلك على مذهب الكسائي وأبي الحسن : في جواز أن ، يعمل ما قبل إلاّ فيما بعدها إذا كان ظرفاً أو مجروراً أو حالاً نحو : ما حبس إلا زيد عندك ، وما أوى إلا عمرو إليك ، وما جاء إلا زيد ضاحكاً" البحر (/265).
وخالف ابن عاشور في التعلق فقال: "وقوله : من قبل أن تنزل التوراة تصريح بمحلّ الحجَّة من الردّ إذ المقصود تنبيههم على ما تناسوه فنُزلوا منزلة الجاهل بكون يعقوب كان قبل موسى ، وقال العصام : يتعلّق قوله : من قبل أن تنزل التوراة بقوله : حِلاًّ لئلاّ يلزم خلوّه عن الفائدة ، وهو غير مُجد لأنّه لمّا تأخّر عن الاستثناء من قوله حلاّ وتبيّن من الاستثناء أنّ الكلام على زمن يعقوب ، صار ذكر القيد لغواً لولا تنزيلهم منزلة الجاهل ، وقصد إعلان التّسجيل بخطئهم والتعريض بغباوتهم " التحرير والتنوير (4/9).

[69] الكشاف (1/ 385).

[70] قال البقاعي :" حرمنا عليهم طيبات أحلت أي كان وقع إحلالها ، في التوراة لهم كالشحوم التي ذكرها الله تعالى في الأنعام" (نظم الدرر(5/500).

[71] قال محمد رشيد رضا:" وتوقف بعضهم فلم يجزم بتعيين ما حرم عليهم ، ولم يعرف ما نكره الكتاب . وفي الفصل الحادي عشر من سفر الأوليين ( الأحبار ) تفصيل ما حرم عليهم في التوراة من حيوانات البر والبحر وهي كثيرة جدا . وكانت قد أحلت لهم بقاعدة كون الأصل في الأشياء الحل بإحلالها لسلفهم كما ورد في قوله تعالى : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة " (المنار (6/50).

[72] نظم الدرر (6 / 145).

[73] المنار (6/ 329).

[74] قال أبو حيان في سورة المائدة: " وحيث جاء النصارى من غير نسبة إلى أنهم قالوا عن أنفسهم ذلك ، فإنما هو من باب العَلَم لم يلحظ فيه المعنى الأول الذي قصدوه من النصر ، كما صار اليهود علماً لم يحلظ فيه معنى قوله هُدنا إليك" قال ابن عاشور: " وقد تنوسي منه هذا المعنى وصار علماً بالغلبة على بني إسرائيل فنودوا به".


[75] النقطة الأولى كانت في بيان اشتقاق هادوا.

[76] وإليك بعض النقولات التي تعطي بعض الفوائد عن هذا الاسم : قال السمين الحلبي :"اليهودُ مِلَّةٌ معروفةٌ ، والياءُ فيه أصليةُ لثبوتِها في التصريفِ ، وليست من مادَّةِ هَوَد من قوله : هُوداً أَوْ نَصَارَى [ البقرة : 111 ] وقد تقدَّم أن الفراء يَدَّعي أنَّ " هوداً " أصلُه : يَهود فَحُذِفت ياؤُه ، وتقدَّم أيضاً عند قولِه : " والذين هادوا " أنَّ اليهودَ نسبةُ ليهوذا ابن يعقوب . وقال الشلوبين : " يَهُود فيها وجهان ، أحدُهما : أن تكونَ جمعَ يهودي فتكونَ نكرةً مصروفةً . والثاني : أَنْ تكونَ عَلَماً لهذه القبيلةِ فتكونَ ممنوعةُ من الصرف . انتهى ، وعلى الأولِ دَخَلَتْ الألفُ واللامُ ، وعلى الثاني قولُه :أولئك أَوْلَى من يهودَ بمِدْحَةٍ إذا أنتَ يوماً قُلْتَها لم تُؤَنَّبِ وقال :فَرَّتْ يهودُ وأَسْلَمَتْ جيرانُها . . . . . ولو قيل بأنَّ " يهود " منقولٌ من الفعلِ المضارع نحو : يَزيد ويشكر لكان قولاً حسناً . ويؤيِّدُه قولُهم : سُمُّوا يهوداً لاشتقاقِهم من هاد يَهُود إذا تَحَرَّك". الدر المصون ( 2 /113 ). وقال السعدي :"الوجه الثاني : أن اليهود ينتسبون إلى أحكام التوراة ، والنصارى ينتسبون إلى أحكام الإنجيل ، والتوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم ، فكيف ينسبون إبراهيم إليهم وهو قبلهم متقدم عليهم ، فهل هذا يعقل ؟ ! فلهذا قال أفلا تعقلون أي : فلو عقلتم ما تقولون لم تقولوا ذلك ". (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 134 ) ، وقال ابن عاشور :"عطف على جملة وإذا جاؤوكم قالوا آمنّا [ المائدة : 61 ] ، فإنّه لمّا كان أولئك من اليهود والمنافقين انتقل إلى سوء معتقدهم وخبث طويتهم ليظهر فرط التنافي بين معتقدهم ومعتقد أهل الإسلام ، وهذا قول اليهود الصرحاء غير المنافقين فلذلك أسند إلى اسم ( اليهود ) ".(التحرير والتنوير (6/ 248) وقال دروزة :" ولقد تكرر ورود هذا الاسم كثيرا في السور المدنية . وجاء في بعضها مختزلا بصيغة ( هود ) وجاء في بعضها منسوباً ( يهوديا ) وورد في بعض الأحاديث بدون حرف تعريف وغير مصروف كأنه اسم أعجمي حيث روى الترمذي بسند صحيح عن زيد بن ثابت قال : «أمرني رسول الله أن أتعلّم له كتاب يهود قال : والله ما آمن يهود على كتاب . قال فما مرّ بي شهر حتى تعلمته له . فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم ، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم » ومن المفسرين من يرجع تسمية ( اليهود ) و( يهود ) و( هود ) إلى ذلك الجذر العربي ، غير أن الأكثر على أنها تعريب يهوذا اسم أكبر أبناء يعقوب . وأبو السبط الذي منه داود وسليمان وعيسى . ولقد سميت المملكة التي قامت في بيت المقدس بعد سليمان باسم مملكة يهوذا ؛ لأن سبط يهوذا كان يقيم في منطقة بيت المقدس وكان أكبر وأشهر أسباط بني إسرائيل ونحن نرجّح ما عليه الأكثر وعدم صرفه في الحديث قد يكون داعما لهذا الترجيح . ونرجّح أن تسمية ( اليهود ) و( يهود ) و( هود ) للذين كانوا يدينون بالدين الموسوي سابقة للبعثة ، وأصبحت بذلك جزءاً من اللغة العربية ؛ لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين . وقد غدت كذلك بعد البعثة وصار منها اشتقاق فصار يقال : تهوّد لمن صار يهوديا ، ومن ذلك الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي قال : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه » يقول علي هاني: قد تقدم نقاش أنه مشتق من يهوذا " التفسير الحديث (6/ 21) قال الواحدي في البسيط: "فأما اليهود، فقال الليث: سُمّوا يهودًا اشتقاقًا من هادوا، أي تابو امن عبادة العجل فعلى هذا القول لزمهم الاسم في ذلك الوقت. وقال غيره: سموا بذلك لأنهم مالوا عن دين الإسلام وعن دين موسى ، وعلى هذا إنما سموا يهودا بعد أنبيائهم. وقال ابن الأعرابي: يقال: هاد إذا رجع من خير إلى شر أو من شر إلى خير سمي اليهود بذلك لتخليطهم، وكثرة انتقالهم من مذاهبهم.وقيل: اليهود معرب من يهوذا بن يعقوب، عُرِّب يهوذا إلى يهود ثم نسب الواحد إليه فقيل: يهودي، ثم حذف الياء في الجمع فقيل يهود، وكل جمع منسوب إلى جنس فهو بإسقاط ياء النسبة، كقولهم: زنجي وزنج ورومي وروم" البسيط (2/ 608).

[77] قال السمين الحلبي :" فإنَّ هوداً جمعُ هائد على أظهر القولين ، نحو : بازِل وبُزْل وعائِد وعُود وحائل وحُول وبائِر وبُور" الدر المصون (2 / 69 ) ، قال ابن عاشور :"والهود جمع هائد أي متبع اليهودية ( وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فقوله تعالى وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا بيان لعقيدة الفريقين في التفرق في الدين والضمير في ( وقالوا ) لأهل الكتاب و " أو " للتوزيع أو التنويع ، أي إن اليهود يدعون إلى اليهودية التي هم عليها ويحصرون الهداية فيها والنصارى يدعون إلى النصرانية التي هم عليها ويحصرون الهداية فيها والحنيف في اللغة : المائل . وإنما أطلق على إبراهيم . لأن الناس في عصره كانوا على طريقة واحدة وهي الكفر ، فخالفهم كلهم وتنكب طريقتهم ولا يسمى المائل حنيفا إلا إذا كان الميل عن الجادة المعبدة . وفي الأساس : من مال عن كل دين أعوج . ويطلق على المستقيم ، وبه فسر الكلمة بعضهم وأورد له شاهدا من اللغة وهو أقرب . ومن التأويلات البعيدة . ما روي من تفسير الحنيف بالحاج ووجه القول به أنه مما حفظ من دين إبراهيم " التحرير والتنوير (1/ 673).
قال رشيد رضا :"وأنتم تعلمون أيضا أن اسمي اليهودية والنصرانية حدثا بعد هؤلاء ، بل حدث اسم اليهودية بعد موسى واسم النصرانية بعد عيسى كما حدث لليهود تقاليد كثيرة صار مجموعها مميزا لهم . وأما النصارى فجميع تقاليدهم الخاصة بهم المميزة للنصرانية حادثة ، فإن عيسى كان عدو التقاليد ، ولهذا كان النصارى على كثرة ما أحدثوا أقرب إلى الإسلام ، لأنهم لم ينسوا جميعا كيف زلزل روح الله تقاليد اليهود الظاهرة ما كان منها في التوراة وما لم يكن . ولكن الذين ادعوا اتباعه زادوا عليهم من بعده في ابتداع التقاليد والرسوم ".المنار ( 1/ 402 ) .



[79] البسيط(5/338).

[80] جامع البيان (3/125)

[81] تفسير الطبري (6/17) .

[82] الكشاف ( 1 / 371).

[83] الكشاف ( 1/ 386 ).

[84] البسيط للواحدي (2/ 609).

[85] وهو نكرة يعرف بالألف واللام ولذلك دَخَلَتْ عليه أَلْ وَوُصِفَ بالنكرةِ

[86] قال المصطفوي في التحقيق الأصل الواحد في المادة أي مادة (ن ، ص، ر) هو إعانة في قبال مخالف ، أما الإعانة فهي تقوية شيء في نفسه ومن دون نظر إلى غيره "(12/155).قال محمد حسن جبل: " المعنى المحوري: "الإمداد بما فيه زيادة مناسبة وقوة ومن ملحظ الإمداد بالزيادة والقوة جاءت النصرة : حسن المعونة ".

[87] قوله: (مُحنَّفا). تحنف: صار إلى الحنيفية، والمراد أنه مستقبل القبلة، (شامس) مستقبل الشمس كما يستقبلها نصراني،
قال أحمد محمد شاكر في تحقيقه على الطبري (2/144): لم أعرف قائله. الأضداد لابن الأنباري: 155 ، ورواه: "تراه ويضحى وهو. . " ونقله أبو حيان في البحر المحيط 1: 238 عن الطبري، وفيهما"إذا دار العشي" وأخطأ والبيت في صفة الحرباء. و"محنفا": قد تحنف، أو صار إلى الحنيفية. ويعني أنه مستقبل القبلة. وقوله: "لديه"، أي لدى العشي، ويريد قبل أن يستوي العشي أو لدى الضحى، ويكون قد ذكره في بيت قبله. وقوله: "شامس"، يريد مستقبل الشمس، قبل المشرق. يقول يستقبل الشمس كأنه نصراني، وهو كقول ذي الرمة في صفة الحرباء أيضًا: إذا حول الظل العشى رأيته ... حنيفا، وفي قرن الضحى ينتصر

[88] قال الزمخشري :"الياءُ في نَصْرانيّ للمبالغة كالتي في أَحْمَري" الكشاف (1/ 146) .

[89] قال الماوردي :"و والنصارى ، جمع وواحده " نصرانيٌّ " ، وقيل : " نصران " بإسقاط الياء ، وهذا قول سيبويه ، وقال الخليل بن أحمد : واحده نصْرِي ، والأول هو المستعمل والنصارى " (النكت والعيون/132 ) .

[90] قال ابن عاشور:" إما جمع ناصري أو نصري"، وقال المصطفوي في التحقيق :"على هذا إما جمع ناصريّ أو نصريّ أو نصرانيّ" (6/ 146).

[91] قال في معجم البلدان:" ناصرة قرية بينها وبين طبرية ثلاثة عشر ميلا " (معجم البلدان /ياقوت الحموي (5 /251 )،قال ابن عطية: "ويقال نصريا ويقال نصرتا"، قال القاموس:" ونَصْرَانَةُ: قرية بالشامِ، ويُقالُ لها ناصِرَةُ ونَصورِيَةُ أيضاً، يُنْسَبُ إليها النصارى، أو جَمعُ نَصْرانٍ، كالنَّدامَى جمعُ نَدْمانٍ، أو جمعُ نَصْرِيٍّ، كمَهْرِيٍّ ومَهارَى" (القاموس المحيط/ 482 فصل النون ) ، وقال تاج العروس: "قَالَ ابنُ دُرَيْد: النَّصارى منسوبون إِلَى نَصْرَانة، وَهِي مَوْضِع، هَذَا قَول الأصمعيّ، وَقيل: هِيَ قرية بِالشَّام، وَيُقَال لَهَا ناصِرَة، وَهِي الَّتِي طَبَرِيَّة، وَقد تقدّم عَن اللَّيْث، قَالَ غيرُه: هِيَ نَصُوريَة، بِفَتْح النُّون وَتَخْفِيف التحتيَّة، كَمَا ضَبطه الصَّاغانِيّ. وَيُقَال فِيهَا أَيْضا: نَصْرَى بِالْفَتْح، ونَصْرُونة، يُنسَب إِلَيْهَا النَّصارى قَالَ ابنُ سِيدَه: هَذَا قولُ أهلِ اللُّغَة، قَالَ: وَهُوَ ضعيفٌ إلاّ أنّ نادرَ النَّسَبِ يسَعُه، أَو النَّصارى جمعُ نَصْرَانٍ، كالنَّدامى جمع نَدْمَان، وَلَكنهُمْ حذفوا إِحْدَى الياءَيْن، كَمَا حذفوا من أُثْفِيَّة وأبدلوا مَكَانهَا ألفا كَمَا قَالُوا صَحارى، وَهَذَا مذهبُ الخليلِ وَنَقله سِيبَوَيْهٍ. أَو النَّصارى جَمْعُ نَصْرِيٍّ، كمَهْرِيٍّ وإبلٍ مَهارى، فَهِيَ أَقْوَال ثَلَاثَة" تاج العروس(14/ 229"
قال الآلوسي :" يقال لها ناصرة أو نصورية ". روح المعاني(3 / 268 ) .


[92] قال السيوطي في المزهر: دل على هذا أنهم يُسَمُّون النصارى: أنصاراً. قال الشاعر:
(لمّا رأيتُ نَبَطاً أنصارا ... (شمَّرتُ عن رُكْبَتِيَ الإِزارا ... )
(كنتُ لها من النصارى جارا ... )

[93] قال ابن عطية: "ويقال نصريا ويقال نصرتا". (المحرر الوجيز (1/ 157)، قال القاموس:" ونَصْرَانَةُ: ة بالشامِ، ويُقالُ لها ناصِرَةُ ونَصورِيَةُ أيضاً، يُنْسَبُ إليها النصارى، أو جَمعُ نَصْرانٍ ـ ـ " تقدم، قال الواحدي في الوسيط: "وسموا نصارى لأنهم كانوا من قرية يقال لها: نصرة (1/ 149)..

[94] وقد خرجت مريم من الناصرة قاصدة بيت المقدس فولدت المسيح في بيت لحم.

[95] ذكراه في سورة المائدة في تفسير ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم

[96] ولذلك كان بنو إسرائيل يلقبونه بيشوع الناصري، وقد جاء في الإنجيل ( يسوع الناصري ).

[97] هذا جواب اعتراض يقول: هذا الاشتقاق بعيد، فإن قياس النسبة إليه: ناصري، والجمع ناصرون،ويجاب عما اعترض به بأن هذا من شواذ النسب التي جاءت على غير القياس، كقولهم: لحياني ورقباني ، ومروزي.

[98] قال الراغب في تفسيره: "والأقرب ما قال بعضهم إن المسيح كان من قربة يقال لها نصران، فإما أن سموا باسمها، ثم جمعته العرب على نصارى نحو: " سكران " و " سكارى " أو جعلوا منسوبين إليها ثم جمعت نحو: " مهرى " و " مهارى " تفسير الراغب الأصفهاني (1/ 214).

[99] قال ابن سيده: "هذا قول أهل اللغة، قال: وهو ضعيف، إلا أن نادر النسب يسعه" (المحكم والمحيط الأعظم (8 /300).

[100] وهناك قول رابع:" أنها لفظة مشتقة من النصر أيضا لكن سموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم أي لنصرة بعضهم بعضا ، قال الشاعر :لما رأيت نبطاً أنصارا شمرت عن ركبتي الإزارا ، رجحه الطبري والطوسي، قال الطبري: وهذه الأبيات التي ذكرتها تدل على أنهم سُموا نصارى لنصرة بعضهم بعضا وتناصرهم بينهم يعني بالابيات:
تَرَاهُ إذَا زَارَ العَشِيّ مُحَنّفا ويُضْحِي لَدَيْهِ وَهْوَ نَصْرانُ شَامِسُ
فكِلْتاهُما خَرّتْ وأسْجَدَ رأسُها كما سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لمْ تَحَنّفِ
لَمّا رأيْتُ نَبَطا أنْصَارَا شَمّرْتُ عَنْ رُكْبَتِي الإزارَا
وهناك أقوال أخرى في اشتقاق الكلمة قالها المستشرقون:" جاء في كتاب" المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام " للدكتور جواد علي ولفظة "النصرانية" ,"نصارى" التي تطلق في العربية على أتباع المسيح، من الألفاظ المعربة، يرى بعض المستشرقين أنها من أصل سرياني هو: "نصرويو" Nosroyo، "نصرايا" Nasraya1، ويرى بعض آخر أنها من Nazereneds التسمية العبرانية التي أطلقها اليهود على من اتبع ديانة المسيح ، وقد وردت في العهد الجديد في "أعمال الرسل" حكاية على لسان يهود، ويرى بعض المؤرخين أن لها صلة "بالناصرة" التي كان منها "يسوع" حيث يقال: "يسوع الناصري" أو أن لها صلة بـ "الناصريين" "Nazarenes= Nasarenes إحدى الفرق القديمة اليهودية المتنصرة. وقد بقي اليهود يطلقون على من اتبع ديانة المسيح "النصارى"، وبهذا المعنى وردت الكلمة في القرآن الكريم، ومن هنا صارت النصرانية علما لديانة المسيح عند المسلمين " يقول علي هاني: السريانية والعبرانية من اللغات العربية القديمة كما سيأتي أو على الأقل يقال: فيها إنها من اللغات السامية التي تشترك مع العربية في الأصل فلا يبعد هذا عن قول القائلين إنها من النصر، وأما الذين قالوا اطلقها اليهود على من اتبع ديانة المسيح فهذا لا يتطابق مع اطلاق القرآن الكريم فقد أطلقها القرآن على الذين حرفوا دين المسيح وقالوا بالتثليث وادعوا إنهم نصارى كما سيأتي ، وقد جاء في آيتين قالوا إنا نصارى فهي مجرد دعوى لا تصح ، وأما قول من قال إنها إحدى الفرق اليهودية فهذا بعيد لأن اليهود في اصطلاح القرآن الكريم غير النصارى .
قم قال المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام "ولعلماء اللغة الإسلاميين آراء في معنى هذه الكلمة وفي أصلها، هي من قبيل التفسيرات المألوفة المعروفة عنهم في الكلمات الغريبة التي لا يعرفون لها أصلا، وقد ذهب بعضهم إلى أنها نسبة إلى الناصرة التي نسب إليها المسيح وزعم بعض منهم أنها نسبة إلى قرية يقال لها "نصران"، فقيل نصراني وجمعه نصارى وذكر أن "النصرانة" هي مؤنث النصراني، ولم أعثر حتى الآن على نص جاهلي منشور وردت فيه هذه التسمية. أما في الشعر الجاهلي، وفي شعر المخضرمين، فقد ذكر أن أمية بن أبي الصلت ذكرهم في هذا البيت:
أيام يلقى نصاراهم مسيحهم ... والكائنين له ودا وقربانا
وذكر أن شاعر جاهليا ذكر النصارى في شعر له، وهو:
إليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا في بطنها جنينها
مخالفا دين النصارى دينها غير أن هذه الأبيات وأمثالها إن صح إنها لشعراء جاهليين حقًّا، هي من الشعر المتأخر الذي قيل قبل الإسلام ، أما قبل ذلك، فليس لنا علم بما كان العرب يسمون به النصارى من تسميات. المفصل.
والذي نعرفه أن قدماء النصارى حينما كانوا يتحدثون عن أنفسهم كانوا يقولون: "تلاميد" Discipies، "تلاميذ المسيح"، ذلك أنهم كانوا ينظرون إلى المسيح نظرتهم إلى معلم يعلمهم وكذلك نظروا إلى حوارييه، فورد "تلاميذ يوحنا" وقصدوا بذلك النصارى، وهذه التعابير من أقدم التعابير التي استعلمها النصارى للتعبير عن أنفسهم ، وقد عرف النصارى بـ Christians نسبة إلى Christos اليونانية التي تعني "المسيح" Messiah، أي المنتظر المخلص الذي على يديه يتم خلاص الشعب المختار ، ويسوع هو المسيح، أي المنتظر المخلص الذي جاء للخلاص كما جاء في عقيدة أتباعه، ولذلك قيل لهم أتباع المسيح. فأطلقت عليهم اللفظة اليونانية، وعرفوا بها، تمييزا لهم عن اليهود. وقد وردت الكلمة في أعمال الرسل وفي رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتوس ، أما في القرآن الكريم وفي الأخبار، فلم ترد هذه اللفظة اليونانية الأصل. ولهذا نجد أن العربية اقتصرت على إطلاق "نصارى" و"نصراني" و"نصرانية" على النصارى تمييزا لهم عن أهل الأديان الأخرى. أما مصطلح "عيسوي" و"مسيحي"، فلم يعرفا في المؤلفات العربية القديمة وفي الشعر الجاهلي، فهما من المصطلحات المتأخرة التي أطلقت على النصارى وقد قصد في القرآن الكريم بـ "أهل الإنجيل"النصارى، إذ لا يعترف اليهود بالإنجيل. وقد أدخل بعض علماء اللغة اللفظة في المعربات" (ج12/161)



[101] بحر العلوم/ أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي (المتوفى: 373هـ) (1/ 59)

[102] نقله عنه الرازي (12/ 366) والقرطبي (6/ 431) وأبو حيان 1/ 660

[103] تفسير المنار(1/ 402).

[104] بما أشار له ووزن فعلان لأن نصارى جمع نصران كما تقدم.

[105] الأرثوذكس ، والكاثوليك ، والبروتستانت ، والمارون ؛ اليوم ، ومن قبل كان اليعقوبيون ، والملكانيون والنساطرة

[106] اخذنا ميثاقهم: أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره ، والإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، أخذناه عليهم بالتزام أحكام الإنجيل ، وأن يؤمنوا بالله وحده لا شريك له ، ولا صاحبة ولا ولد ، وأعظم من ذلك كلّه أن ينصروا النبيءَ المبشَّر به في التَّوراة والإنجيل الّذي يجيء بعد عيسى قبل منتهى العالم ويخلِّص النّاس من الضلال وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لَمَا آتيتكم من كتاب وحكمة ثُمّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمِنُنّ به ولتَنْصُرُنَّه ،وهذا هو الحظ الذي نسوه مما ذكروا به ؛ ونسيانه هو الذي قاد بعد ذلك إلى كل انحراف، وإلى الخلاف بين الفرق حتى بلغت حد الحروب الطاحنة فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ، فنسيانه هو الذي نشأ من عنده الخلاف بين الطوائف والمذاهب والفرق ، التي لا تكاد تعد في القديم وفي الحديث .

[107] قال ابن المنير في ( الانتصاف ) : وبقيت نكتة في تخصيص هذا الموضع بإسناد النصرانية على دعواهم . ولم يتفق ذلك في غيره . ألا ترى إلى قوله تعالى : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ؟ فالوجه في ذلك- والله أعلم- إنه لما كان المقصود في هذه الآية ذمهم بنقض الميثاق المأخوذ عليهم في نصرة الله تعالى ، ناسب ذلك أن يصدر الكلام بما يدل على أنهم لم ينصروا الله ولم يفوا بما واثقوا عليه من النصرة . وما كان حاصل أمرهم إلا التفوه بدعوى النصرة وقولها دون فعلها . والله أعلم (حاشية الانتصاف على الكشاف: (1/ 616).

[108] البحر (4/ 207)

[109] حاشية الشهاب على البيضاوي (3/ 225)

[110] زهرة التفاسير (4/ 2085)

[111] التحرير والتنوير: (6/ 146).

[112] قال ابن عاشور :" المقصودِ منه إقامة الحجّة عليهم بأنّهم التزموا أن يكونوا أنصاراً لله قال الحواريّون نحن أنصار اللّهِ [ الصف : 14 ] ، كما تقدّم في تفسير نظيره ، فالمقصود هنا تذكيرهم بمضمون هذا اللقب ليزدادوا من مودّة المسلمين فيتّبعوا دين الإسلام"(7/6).

[113] قال القونوي:" إنهم سموا بالنصارى لنصرهم روح الله كالحواريين فبعد ذلك بدلوا دين الله ولا يبعد أن يكون قوله تعالى قالوا إنا نصارى إشارة إلى ذلك" .


[114] قال أبو حيان وفي قوله تعالى : الذين قالوا إنا نصارى إشارة إلى أنهم ليسوا متمسكين بحقيقة النصرانية ، بل ذلك"البحر المحيط(4/ 343).

[115] قال ابن كثير :"وقوله : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أي : الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله".(تفسير القرآن العظيم(3/ 167).

[116] قال البقاعي: "قالوا ا إنا نصارى : وفي التوريك على قولهم إشارة إلى أنهم ما كانوا على حقيقة النصرانية إنا نصارى

[117] وللشيخ الشربيني رأي آخر حيث قال:"إنما أسند تسميتهم نصارى إليهم دون تسمية اليهود لأنهم الذين سموا أنفسهم نصارى حين قال لهم عيسى : من أنصاري إلى الله ( آل عمران ، 52 ) الآية ، أو لأنهم كانوا يسكنون قرية يقال لها : ناصرة وكلهم لم يكونوا ساكنين فيها ، وعلى التقديرين فتسميتهم نصارى ليست حقيقة بخلاف تسمية اليهود يهوداً فإنها حقيقة سواء سموا بذلك لكونهم أولاد يهودا بن يعقوب أو لكونهم تابوا عن عبادة العجل بقولهم : إنا هُدْنا إليك أو لتحرّكهم في دراستهم" . السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير للشربيني (1/ 391).


انظر التكملة في الجزء الثاني في الموقع نفسه