سر دعاء ليلة القدر
........................
عن عائشة قالت: يا نبي الله؛ أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر؛ ما أقول؟ قال: «تقولين: اللهم إنك عفو تحبُّ العفوَ؛ فاعفُ عني» .
ومَنْ تأمَّل في هذا الدعاء يجده أفضل ما يمكن أن يُقال في هذا المقام، وهو من جوامع الكلم التي أعطيها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلّم.
وأصل العَفوِ: المحوُ والطمسُ، ومن أفعال الله العفُوِّ -سبحانه - المحوُ المذكورُ في قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)[الرعد: 39]، ومعناه أنَّ الله تعالى يَمحو مما قَدَّر على عباده ما يشاء، ويُثبت ما يشاء.
فهذا الفعل راجعٌ إلى اسم الله تعالى (العفوّ)، أي: الذي يمحو من القدر ما يشاء ويثبت ما يشاء؛ بحكمته وقدرته .
وليلة القدر هي الليلة التي تُستنسخُ فيها الأقدار الحولية من اللوح المحفوظ، كما دلَّ عليه قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم) [الدخان 3: 4]، ولهذا سُمّيت بليلة القدر؛ أي التقدير. وفيها يقضي الله – عزّ وجلّ - كل أمر محكمٍ يكون في السنة كلها إلى مثلها من العام المقبل من الخير والشر والشدة والرخاء والمصائب .
وقد ناسب أن يكون الدعاء فيها بطلب العفو أو المحوِ المستقبليّ؛ أي ردّ أقدار السوء، وإثبات أقدار الخير.
كما يحمل معنى الدعاء بالعفو - ها هنا – طلب العفو عمّا سلف من الذنوب، والعفو والمحو أبلغ من المغفرة، والعفو عن الذنب الماضي من أسباب إصلاح العبد فيما يستقبلُ، فإنّ العبد يُحرم الرزق بالذنب يُصيبه، فإن مُحيَ ذنبُه صار محلًّا صالحًا لتنزُّل الخير، ورفع الشرِّ.
هذا؛ وإنَّ العفو يقتضي المعافاة، وهي تقتضي الإقلاع عن الذنب الحالي، فكأنَّ الداعي بالعفو داعٍ بحصول التوبة؛ بالتوفيق لترك الذنب والإقلاع عنه.
فأنت ترى أنَّ العفو ينتظمُ ذنوب الماضي بمحوِ أصلها وتبعاتها، وذنوب الحاضر بالتخلية منها، والإزعاج عنها، وذنوب المستقبل بمحوِ ما كانَ من قدر السوء، وإثبات ما كان من قدر الخير، فإن بلغ العبدُ ليلة القدر التي تليها من العام المقبل؛ بلغها بخير بإذن الله وتوفيقه، وكان أمامه مجالٌ ليتزوّد لما بعدها، وإن مات قَبلها خُتِم له بخيرٍ، بإذن الله وتوفيقه.
فهذا الدعاء أبلغُ ما يمكنُ أن يدعوَ به العبد المؤمنُ وأحسنُه، وأكثره مناسبةً للمقام، وهو من جوامع الكَلِمِ، ومن عجبٍ أنَّك ترى بعض الأئمة يُطيلون في دعاء القنوتِ طولًا بالغًا، بما يُخالف هدي النبيِّ صلى الله عليه وسلّم، وهم - مع ذلك - لا يدعون بهذا الدُّعاء الجامع المبارك، ولو اقتصروا عليه بعد المأثور لكفى وشفى. والله المستعان.
فاللهم إنَّك عفوٌّ تُحبُّ العفو فاعفُ عنَّا وعن آبائنا وأمهاتنا وسائر المسلمين والمسلماتِ والمؤمنين والمؤمنات. آمين.