يقول تعالى "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) الكهف
تحدثت عن هذا الموضوع آية الأنعام أيضا يقول تعالى"وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَاعَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)الأنعام
وسورة الأنعام اسبق في النزول من سورة الكهف فكان الأمر في البداية النهي عن طرد الضعفاء " ولا تطرد الذين يدعون ربهم " ثم لم يكتفي القران بالنهي فقط بل أمر بالصبر عليهم والعناية بهم ويوضح هذا الحديث الذي رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال كنا مع النبي ستة نفر فقال المشركون للنبي اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا ; قال وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست اسميهما فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله ان يقع فحدث نفسه فانزل الله ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وكان رسول الله بعد ذلك يصبر نفسه معهم كما أمره الله في قوله واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم فكان لا يقوم حتى يكونوا هم الذين يبتدئون القيام
لقد سارت مدرسة الانحراف ألكبري بقيادة عميدها الأول إبليس عليه من الله اللعنة على احتقار الأقوياء للضعفاء فالأقوياء يعتبرون أنفسهم السادة و الأشراف في المجتمع الإنساني، ولهم النعمة والكرامة، ولأجلهم انعقد المجتمع، وسارت حركة الحياة وغيرهم من الضعفاء... مخلوقون لأجلهم، فلا يليق بهم ان يجالسوهم أو ياكلوا معهم او يكون رؤوسهم برؤوسهم
هكذا أوحى للمنحرفين معلمهم الاول ابليس فقد سبق ان قال هو نفسه بصلف وكبر وغرور "ااسجد لمن خلقت طينا " "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " وهم على اثره متبعون فالضعيف في المجتمع... إنسان منحط أو حيوان في صورة إنسان. وهو داخل المجتمع يشارك في الحياة ليستفيد الشريف من عمله وينتفع من كده، والضعيف في المجتمع محروم من الكرامة، مطرود عن حظيرة الشرف.. فهذا هو الذي كانوا يرونه، ومن ثم كان من الطبيعي ان يعتبروا دعوة الأنبياء خطرا عليهم وعلى امتيازاتهم التي اغتصبوها ظلما وعلوا فدعوة الأنبياء تريد ان تسوي بين البشر في الحقوق والواجبات وتعيد للإنسان كرامته وتعتقه من عبودية البشر ليعبد الله وحده ليكون الناس كلهم عبيدا لله فلا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله دعوة الأنبياء تريد ان تتعامل مع الإنسان كانسان لا فرق بينهم لا بلونه ولا بجنسه ولا بلغته وهذا بطبيعة الحال يمثل خطرا كبيرا على أتباع مدرسة الانحراف فوقفوا في وجه شيخ الأنبياء نوح في مطلع عالم الرسالات والنبوات " قالوا له "أنؤمن لك واتبعك الارذلون " وقالوا له " ما نراك اتبعك إلا الذين هم اراذلنا بادي الرأي ".ولقد كان الرد الصارم والقاطع من نوح " وما أنا بطارد المؤمنين "
ولم يكن محمد بدعا من الرسل فقام الكبراء من قومه في وجه وقالوا له نفس الكلام " في الحديث الذي رواه ابن ماجه في السنن عن خباب قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول الله مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي حقروهم، فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: نعم. قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا. قال: فدعا بصحيفة ودعا عليا ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبرائيل فقال: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ الأنعام:52 ونقل عنهم القران قولهم "لو كان خيرا ما سبقونا اليه " انظر الى الغرور يظنون انهم كما استحوذوا على الدنيا فمن حقهم الاستحواذ على الآخرة أيضا فهم يريدون ان يحددوا من يجلس مع النبي ومن لا يجلس معه دفعهم هذا الغرور وهذا الكبر ان يطلبوا من النبي ان يطرد هؤلاء الضعفاء فكان الرد الطبيعي منه كما فعل نوح غير آن القوم حاولوا محاولة اخرى عرضوا عليه ان يجعل لهم مجلسا آخر غير مجلس الضعفاء وقد هم النبي ان يفعل ذلك كما جاء في الرواية وقيل ان عمر كان يري ذلك أي يوافقهم هذا الراي ولينظر ماذا يفعلون والانسان عندما يحسبها بالعقل ربما يقول ماذا لو ووصل معهم الرسول الى توافق وحل وسط خاصة أنهم وافقوا على عدم طرد المؤمنين فقط يفرد لهم مجلسا بعيدا عنهم لأنهم يتعيرون من الجلوس إليهم فنزل الوحي " ولا تطرد الذين يدعون ربهم " لقد فضل القران ان يخسر الرسول أشخاص ويخسر مواقف ولا يخسر في عالم القيم لقد فضل القران الانتصار في عالم القيم على الانكسار في عالم الأشخاص وموازين القوى ليس مهما أن يخسر الرسول رجالا أيا ما كانوا رجالا اقوياء ليذهب هؤلاء الى الجحيم يؤمنوا أو لا يؤمنوا لكن لن يخسر قيمة المساواة بين البشر ولن يتخلى الرسول عمن جاءه يسعي وهو يخشي حتى لو كان ضعيفا او فقيرا
في هذه الآيات وهذا الموقف أعلى الإسلام من شان الإنسان بعيدا عن الانتهازية او البرجماتية وحافظ على ما جاء به من القيم ومبادئ حتى لو خسر خسارة عاجلة في عالم الأشخاص
لقد أثبتت الايام صحة هذا المبدأ فقد تجندل هؤلاء المتكبرين بكبرهم وغرورهم في قليب بدر ولاقوا مصيرهم المحتوم وقام الضعفاء ينشروا هداية الله ونوره في ربوع الأرض لقد كان من شان هذه القيم العليا في الحفاظ على إنسانية الإنسان أن جعلت من الموالي والعبيد الذي كانوا محل احتقار المتغطرسين من أهل مكة جعل منهم الإسلام روادا لأعظم حضارة عرفتها التاريخ هل تعلم أن الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان صاحب اكبر مدرسة فقهية في العالم كله كان من الموالي ؟ وهل تعلم أن القراء الذين يقرا بقراءتهم العالم الإسلامي كله وتنتهي إليهم أسانيد القراءة هل نعلم انهم جميعا عدا الإمام عبد الله ابن عامر من الموالي وليسوا من العرب ؟ هل نعلم ان أمير المؤمنين في الحديث وباقي أئمة الحديث لم يكونوا من العرب؟ البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وابو داوود وغيرهم الكثير كلهم ليسوا عربا ولا يعرف احد أصولهم والي من ينتسبون لكنا نعرف أنهم أصبحوا سادتنا الخ ..... كل هذا بفضل هذا الموقف الإنساني المتألق الرائع الذي اتخذه القران مبكرا من قيمة الإنسان والحفاظ عليها وعدم التفريط فيها ..