فراسة
قال الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ : كُنْتُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ بِرُقْعَةِ فَقَرَأَهَا ، وَوَقَّعَ فِيهَا ، وَمَضَى الرَّجُلُ ، فَتَبِعْتُهُ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَا تَفُوتُنِي فُتْيَا الشَّافِعِيِّ ؛ فَأَخَذْتُ الرُّقْعَةَ مِنْ يَدَهِ ، فَوَجَدْتُ فِيهَا :
سَلِ الْعَالِمَ الْمَكِّيَّ هَلْ مِنْ تَزَاوُرٍ ... وَضَمَّةِ مُشْتَاقِ الْفُؤَادِ جُنَاحُ
فَإِذَا قَدْ وَقَّعَ الشَّافِعِيُّ:
فَقُلْتُ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُذْهِبَ التُّقَى ... تَلَاصُقُ أَكْبَادٍ بِهِنَّ جِرَاحُ
قَالَ الرَّبِيعُ : فَأَنْكَرْتُ عَلَى الشَّافِعِيِّ أَنْ يُفْتِيَ لِحَدَثٍ بِمِثْلِ هَذَا ! فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، تُفْتِي بِمِثْلِ هَذَا شَابًّا ؟ فَقَالَ لِي : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، هَذَا رَجُلٌ هَاشِمِيٌّ قَدْ عَرَّسَ فِي هَذَا الشَّهْرِ - يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ - وَهُوَ حَدَثُ السِّنِّ ، فَسَأَلَ هَلْ عَلَيْهِ جُنَاحٌ أَنْ يُقَبِّلَ أَوْ يَضُمَّ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ ؟ فَأَفْتَيْتُهُ بِهَذِهِ الْفُتْيَا .
قَالَ الرَّبِيعُ : فَتَبِعْتُ الشَّابَّ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَالِهِ ، فَذَكَرَ لِي أَنَّهُ مِثْلَ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، فَمَا رَأَيْتُ فِرَاسَةً أَحْسَنَ مِنْهَا ... ( حلية الأولياء : 9/ 150)