بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين....أما بعد...كتب الدكتور نجيب عبد الوهاب مقالة ممتعة بعنوان(أسرار الآيات والسور)
في جريدة البيان الإماراتية بتأريخ 3/7/2016 ونظرا للفوائد المستخلصة من المقالة أنقلها بنصها ونحاول في وقت
آخر التعليق عليها ان شاء الله تعالى.
نص المقالة-

إنّ من العلوم القرآنية التي قلَّ طارقُوها وكثُر تاركُوها علمٌ يُعرف بالمناسبات بين الآيات والسُّور، فما مِنْ آيةٍ بجوار آية ولا سورةٍ بجوار سُورة إلاّ وبينهما سرٌّ دقيقٌ يكشف عن الارتباط بين الآيات من أوّل القرآن إلى آخره، ذلك أنّ هذا التَّرتيب القرآنّي سُوراً وآياتٍ توقيفيّ كما قرأهُ جبريلُ، عليه السَّلام، على سيّدنا محمد، صلّى الله عليه وسلم، وليس الترتيب بحسب النزول مّما دعا طائفة من العلماء أن يلتمسوا هذه الحِكَم الجليّة والخفيّة فاْهتدوا إلى أربعة أنواع:
1. العلاقةُ بين الآية والآية بجوارها.
2. العلاقةُ بين السّورة والسّورة بجوارها.
3. العلاقةُ بين بداية السّورة ونهايتها.
4. العلاقةُ بين نهاية السّورة وبداية السّورة التي تليها.
فعلى سبيل المثال: سورة «ق» يقول المولى في مطلع السّورُة:
1. ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ وفي ختامها ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴾
2. وبعد ذلك ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فيرد الله عليهم ثانياً قبل الختام: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾.
3. ثم يقول تعالى على لسَان الكفار ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فيرد الله عليهم في الختام: ﴿ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾
4. ثم يقول في البداية: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ فيرد الله عليهم في الختام بالترتيب نفسه ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾.
5. وفي مطلع السورة يقول المولى بعد ذلك: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾، فإذا ما نظرنا إلى آخر السّورة يقول المولى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾.
6. ثم يقول المولى في بداية السورة: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾، وبالترتيب العكسي من آخر السّورة يقول المولى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾
فقد جاءت الآيات في خاتمة السورة داحضة مرتّبة ترتيباً عكسياً لكل دعوى أنكرها الكفّار في مطلع السَّورة.
وفي سورة البقرة تجد المناسبة جليَّة بين فاتحة السورة وخاتمتها ففي البداية يقول تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك﴾ وتأتي خاتمة السورة لتؤكد هذا المعنى وتُقرره فيقول المولى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ * كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾.
ولعلَّ سورة يوسف علية السلام – تكشف علاقة مطلعها بخاتمتها أكثر من غيرها من السُّور ففي أوّل السُّورة:
1. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وفي خاتمتها ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
2. وفي أول السورة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾.
3. ثم يقول تعالى في خاتمة السُّورة مؤكداً هذا المعنى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾.
4. وفي بدايتها: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾، وفي نهايتها تحقيقاً لهذه النبوءة: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ...﴾، فأتم الله عليه النعّمة نبوّةً ومُلْكاً وتأويلاً للأحاديث
5- . وقالَ يعقوبُ – عليه السّلام – في مطلع السورة محذّراً إياَّهم من كيد الشيطان: ﴿... إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ وكذلك في خاتمة السُّورة نَسَبَ سّيدُنا يوسفُ – – صنيع أخوته إلى الشيطان فقال: ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾.تأويل رؤياي
في مطلع سورة يوسف يعرض سّيدنا يوسف على أبيه رؤياه مُسْتفهما تأويله فيحذِّره الأب ﴿َا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ﴾، ويُبشَرّه بتمام النّعمة، وفي خاتمتها يخاطب سيدنا يوسف أباه فيقول: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾.
* أستاذ جامعي وإعلامي) إنتهى.
وفقنا الله تعالى واياكم