قبل أن أدْلُف إلى موضوعي أقول رحم الله ابن غنَّام ورحم الله مملوكه الذي كان يخدمه ، فقد عاشا قبل ثلاثة قرون في الجزيرة العربية . ابن غنام مزارع نشيط وتاجر تمور بارع ، لكن فيه طمعٌ وتسلُّط ، ومملوكه كان خادماً يعمل بلا كلل ولا ملل ، لكنه ملول وهِمتُه ضعيفة ، ولا يعرف كيف يحتال لنفسه ! .
ابن غنام سأله مملوكه : إلى متى نزرع محصول الصيف ؟ ، فقال إلى قرب الشتاء ، فقال المملوك ثم ماذا بعده ، فقال ابن غنام : نبدأ في محصول الشتاء ثم محصول الصيف ثم محصول الشتاء ! ، فما كان من المملوك إلا أن رمى بنفسه في البئر وأهلك نفسه جزعاً وحُزناً على حاله !
أيقن المسكين أن حياته ضنك وكَبد ونصب إلى آخر عمره.
لم يكن ابن غنام عادلاً في معاملة عبده ، ولم يكن مملوكه مصيباً في إزهاق روحه ، فكلاهما آثمٌ بلا ريب .
يتضح من القصة السالفة أن الكيان البشري لا يمكن أن ينهض ويشتدَّ عُوده إلا بتحقيق المصالح للطرفين بالعدل والإنصاف ، فكل يقوم بواجبه ومسؤولياته ، فإن حدثت بينهما فجوة فكلاهما إلى جرفٍ هارٍ والعياذ بالله تعالى .
الشباب الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق فقط ، والذين يقولون إن صاحب الكبيرة كافر ، كلاهما على خطأ وضلال وإنحراف عن جادة الصواب . والعلمانيون والليبراليون الذين يقولون بأن الإسلام هو سبب مصائبنا ، خطيئتهم أعظم من خطيئة أهل الغلو والتشدُّد والتطرف ، وكما قال الشاعر : ولا تغلُ في شيءٍ من الأمر واقتصد .. فكلا طرفي قصد الأمور ذميمُ .
الأحداث المؤلمة التي نسمعها ونشاهدها اليوم في العالم الإسلامي والعالم الغربي من تفجير وتخريب وتدمير لخيرات الأوطان ، لا شك أنها محرمة وعبثية ولا تجوز، لا شرعاً ولا عقلاً . وكل الأديان والأعراف تمنع أشكال العنف جملة وتفصيلاً تحت أيِّ مُبرِّر !
إن ربط أعمال العنف أو الإرهاب – مع التحفُّظ على هذا المصطلح – بالإسلام أو بأهل المساجد أو بأهل القرآن أو بأهل الخير والصلاح ، كما يُشاع اليوم في بعض وسائل الإعلام ، ضربٌ من ضروب الإنحراف في التفكير والعدل وقول الحق ، وهو مصادم للفِطر السليمة والنفوس المعتدلة التي جَبل الله العباد عليها .
هناك إحصائية جرت في بعض الدول العربية أن أكثر المتفوقين دراسياً وإبداعيا ًهم من رواد المساجد وحلقات تحفيظ القرآن ، ومن أسر محافظة وغير مُتحرِّرة وليست غنية .
كثير من الباحثين كتبوا ،وكثير من المؤتمرات عُقدت ورتبت، لاستخلاص أسباب العنف وإتلاف الأنفس والأموال ، لكن النتائج للأسف محدودة أو عديمة الجدوى والفائدة.
ما السبب ؟! ، لأنها تُصاغ من زاوية محدودة ، أو من أناس غير مُتخصِّصين أو غير مُنصفين في حكمهم .
للقضاء على هذه المصيبة التي شوَّهت جَمال الإسلام في صدور الغربيين ، يجب معرفة الأسباب ومعالجتها بصدق وإخلاص ، حسب المخرجات الممكنة والمتاحة كُّل بحسب استطاعته ومقدراته ، سواء على مستوى الحكومات أو الأفراد.
وهذه تقييِّدات قيدتُها لنفسي ولطلابي ، أؤمن في قرارة نفسي أنها سبب رئيس لوأد نبتة العنف في المجتمعات .
1-تطوير أساليب فهم أحكام الكتاب والسنة بدون المساس بجوهرهما ، على ضوابط الشرع. فلا يصح أن يُلقَّن الطالب تلقيناً حرفيا للمنهج كحال العلماء قديماً ، لأن المكان والزمان والعقول ليسوا كما مضى من الوقت . وقد قال العز ابن عبد السلام ( ت: 660هـ) تعالى: ” كل تصرف تقاعد عن تحصيل مطلوبه فهو باطل ” .
2-غرس العقيدة الصافية من هدي الرسول في قلوب الناس بإشراف العلماء الثقات ، وإلزام الأئمة في المساجد والمدارس بتوضيح ذلك للناس لإقامة الحجة على القريب والبعيد . وقد قال ابن القيم( ت: 751هـ ) تعالى إن البصيرة في الأمر والنهي مرتبة من مراتب إياك نعبد وإياك نستعين .
3-معالجة الفقر في البلاد الإسلامية بالقرض الحسن والتمويل والزكاة على حسب الحال والمكان والمصلحة. ومن المعيب على أغنياء المسلمين أن يكون صندوق النقد ومنظمة الصليب الأحمر ، أكثر إنفاقاً منهم وأعظم إيثاراً في سبيل الفقراء والمعوزين .
4-ضرورة تطبيق قاعدة العدالة الإجتماعية بين أفراد المجتمع . فالعدل توأم للأمن يدوم بدوامه ، والعكس صحيح .
5- إقامة الحدود وعدم التهاون في تطبيقها ، والناس سواسية في ذلك . قال الله تعالى : ” ومن يتعدَّ حُدود الله فأُولئك هم الظالمون ” ( البقرة : 229 ) .
6- إصلاح السجون لتكون دوراً للتهذيب وتطهير النفوس . فلا يصح أن تكون مأوى للمجرمين والمخرِّبين بلا هدف مقصود . وقد قال بعض السلف : ” كُن عبد الله كالأسد لا يشربُ ما ورد عليه كَلْب ” .
7- مراقبة الشباب أصحاب السوابق والعناية بتأهيلهم إجتماعياً ونفسياً ودينياً . وفي المرفوع :” ما من أميرٍ يَلِي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة” أخرجه مسلم ..
8- تفعيل وزارة الشؤون الإجتماعية لتقوم بدورها في حماية الأسر الضعيفة والمنكسرة ووضع برامج تأهيل شاملة للإصلاح . وعن عمرو بن مرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله --: “ما من إمام أو والٍ يُغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة، إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته” أخرجه أحمد بإسناد صحيح .
9- إصلاح التعليم الذي بات لا يؤدِّي واجبه كما هو مأمول منه ، ابتداءاً من المعلم مروراً بالوسيلة ، إلى الطالب ، مع مراعاة الجانب النفسي والصحي في كل المراحل .
10- وضع مُحفِّزات من الدولة للأُسر التي تحمي أبنائها من العنف والتخريب وإيذاء النفوس . والنبي -- لما فتح مكة وتسلَّم مفاتيح الكعبة من بني شَيبة، طلبها منه العباس؛ ليجمع له بين سِّقاية الحاج، وسدانة البيت، فأنزل الله أمره بدفع مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة .
11-فتح قنوات حكومية للشباب للتعبير عن رأيه في الإعلام بمجالاته المختلفة ، لمعرفة آفاق التفكير عندهم وللوقوف على معاناتهم ومطالبهم ومعالجتها ، بدلاً من الكبت على حرية التعبير مما يُولِّد لديهم الحقد على أنظمتهم وبلدانهم .
12- مراقبة العمالة الوافدة وضبط أنشطتهم والوقوف على مصادر التمويل عندهم ، والنظر في مجالات التحويل المالي ، لكشف شبهات التمويل ورصد قنواته حذراً من مخاطر الفساد والإفساد . وكما قيل : إحذروا من الذئاب المُتفرقة ، فهي تفكر بالنهار لتفترس بالليل ! .
والمقصود مما تقدَّم أن رزَّ الوتد في الأرض لا يحصل إلا بتربة طيبة متماسكة ، ويدٍ قوية حاذقة ، وحديدٍ صلبٍ نافذ في الأرض ، فكلٌّ في هذه البسيطة يُعين من طَرفه ليشارك غيره في عمارة الأرض .
وعلى كل حال فإن الخطأ مُغتفر إن شاء الله تعالى ، إن لم يكن عن عمدٍ وإصرارٍ ورذيلة نفسية توسوس في النفس بالباطل ، لقول الله تعالى : ” قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنَّا كُنَّا خاطئين ” ( يوسف : 97) وهذه مسألة أصولية معروفة ومُتقرِّرة عند الأصوليين ، وهي من اجتهد ثم لم يصادف الحق هل يأثم ؟ وهي من المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين ،ولها فروع كثيرة يعرفها أهل العلم .
والعدل مع المخالف والمحكوم واجب ومُتحتِّم للحصول على الأمن والإحسان من الله تعالى . وقد ثبت أن عبد الله بن رواحة لما أرسله رسولُ الله إلى يهود خيبر لجباية الخَراج منهم ، شعر أن اليهود يخشون جَوره وظلمه لهم ، فقال مقولته الشهيرة : ” والله إنكم لأبغض خلق الله إليَّ، ولكن هذا لا يحملني على ألا أعدل بينكم ” .
ومن المعاني الجميلة أن أبا بكر لما ولي الخلافة قال: ” أيّها الناس إِني قد وُلّيت عليكم، ولستُ بخيركم، فإن رأيتموني على حقّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطلٍ فسدّدوني، أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عصيته فلا


طاعة لي عليكم. ألا إن أقواكم عندي الضعيفُ حتى آخذ الحقّ منه ” .
بهذه الجملة البليغة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم ، قعَّد أبو بكر رضي الله عنه قاعدة تقوم على التعاون والعدل في سبيل المصلحة العامة ، وأسس بذلك تأكيد رقابة الأُمّة على تصرفات الحاكم في إدارة شؤون الدولة. وسار عمر على خُطى سلفه أبي بكر، وأوصى أحد القضاة فقال :
وإجعل الناس عندك سواء، لا تُبالي على من وجب الحق ، ثم لا تأخذك في الله لومة لائم. وإياك والأثرة والمحاباة فيما ولَّاك الله”
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )
عَبْد ابن غنَّام ! | مدونة المتوقِّد