روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ، أنه قال: ( أُرسل ملك الموت إلى موسى ، فلما جاءه صكَّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي ربِّ ثم مه؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، فقال رسول الله - - فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق، تحت الكثيب الأحمر).
هذا الحديث الشريف من جملة الأحاديث النبوية التي تطاول من خلالها أقزام المشككين على السنة النبوية والصحيحين وكرام الصحابة، ولم يقصر علماء الأمة لا في القديم ولا في الحديث في الرد على تلك الشبهات، ولكن كاتب هذه السطور يرى بأن هناك قضية هامة غابت عن كثير من الناظرين في هذا الحديث، تستحق التجلية والإبراز.
لقد تمحورت شبهات المشككين، وردود العلماء عليهم كذلك، حول بداية الحديث وإعطاب موسى عين ملك الموت، لكنهم انشغلوا في خضم ذلك عن بيت القصيد والقضية الأساسية والمحورية في هذا النص الكريم، ألا وهي الإدناء من الأرض المقدسة رمية بحجر، والتي يمكن من خلالها حل ما قد يرد من إشكالات.
بداية فإن موسى كما يبدو لم يكن متيقنا من أن هذا الذي جاءه هو ملك الموت، ربما لكونه جاء على صورة آدمي، ولأن الأنبياء في العادة يخيرون قبل قبض أرواحهم، وهو جاءه مخبراً لا مخيراً ، لكن ردة فعل موسى السريعة العصبية العنيفة تدفعنا للتفكير في اتجاه آخر، يؤكد ما قاله الملك لربه سبحانه وهو أن موسى: ( عبد لا يريد الموت)، والسؤال هو لماذا لا يريد موسى الموت؟
الإجابة على السؤال يظهرها سؤال موسى ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، ذلك أن للأرض المقدسة مع موسى قصة لم تنته فصولها، إذ قاد قومه بعد إخراجهم من ظلم الفراعنة إلى مشارفها ليحرروها من الوثنيين ويقيموا دين الله فيها، لكنهم جبنوا عن الدخول فحرمها الله عليهم أربعين سنة وعاقبهم بالتيه، ولذلك فإن موسى كما يتجلى في هذا الحديث كان لا يزال يرى أن عليه أن يكمل المهمة ويمتثل الأمر الإلهي، ما يشير أيضاً إلى أنه كان يعد ويستعد طيلة الفترة السابقة، وأنه كان يتهيأ للحظة التي يكتمل لديه العدد والعدة الكافيان لتحرير الأرض المقدسة، ولعله أخذ على نفسه، أو سيطرت عليه فكرة أنه لن يموت، أو لا ينبغي أن يموت، حتى يوفي لله بتحرير الأرض المقدسة وإقامة دين التوحيد فيها، ولذلك فاجأه الملك بأنّ أجله قد حان، وكأنه لا يريد أن يصدق أنه سيموت دون بلوغ المهمة التي نذر نفسه لها، ومن هنا كان لطمه لوجه الملك وفقء عينه مؤشراً على رفض فكرة الموت أكثر منه عدم تصديق للملك بأنه رسول من الله إليه لقبض روحه، كما أنه يفيد من جهة أخرى أن موسى مع أنه في أواخر سني حياته، إلا أنه كان لا يزال يتمتع بقوة بدنية كالتي كانت لديه في عنفوان شبابه حين وكز رجلاً فقضى عليه، ما يعني أنه كان في كامل جهوزيته البدنية للقتال مثلما هو في كامل الجهوزية الروحية والنفسية.
أما لماذا لم يطلب دخول الأرض المقدسة واكتفى بأن يدنى منها رمية بحجر، فلأن قصده لم يكن أن يدفن في مكان مبارك مقدس، وإنما كان الذي يشغله هو أن يأتي من بعده من يكمل المهمة وينجز التحرير، ولذلك فإنه أراد أن يكون موته قرب الأرض المقدسة رسالة تحفيزية لمن بعده أن يكملوا ما بدأه ووقف عنده، حيث أراد أن ينصب من نفسه قدوة لأتباعه أن يتابعوا العمل ويكرروا المحاولة حتى بلوغ الغاية.
إن عبارة ( رمية بحجر) تؤدي دوراً تحريضيا تشجيعياً تهوّن فيه على الجنود القادمين تلك المهمة بوصف المسافة التي سيقطعونها بالقصر الشديد، ومن جهة أخرى فكأنها تتحدث عن الجهد المبذول إذا صدقت النوايا بأنه ليس أكثر من رمية بحجر.
إن عظماء الرجال من أصحاب الرسالات والمناضلين الكبار يشق عليهم أن يموتوا دون أن يحققوا ما نذروا نفوسهم له، لكنهم إذ يوقنون أن ليس من الموت بد وأن الآجال مقدرة فإنهم ينصبون من أنفسهم قدوات لمن بعدهم ويرسمون لهم علامات على الطريق ليكملوا من بعدهم المسار ويحققوا الآمال.
وفي التاريخ الإسلامي أمثلة عديدة، من أبرزها أبو أيوب الأنصاري الذي خرج مع جيش معاوية لفتح القسطنطينية وعمره ثمان وثمانون سنة، ورفض العودة لأن الله استنفر الخفاف والثقال ولم يعذر أحدا منهم، ثم لما حضرته الوفاة أثناء الحصار طلب أن يدفن في أقرب نقطة إلى السور، ليكون وجود قبره هناك محفزا ومحرضاً إضافيا للمسلمين مع وعد الرسول بفتح القسطنطينية.
ولا يفوتنا أن نذكر بأن بن غوريون قد أوصى أن يدفن في صحراء النقب، ليكون قبره جاذباً للمستعمرين الصهاية كي يستوطنوا ذاك الجزء الحبيب من الأرض المقدسة .





- See more at: رابطة العلماء السوريين