تصوير كاميرات الحرم المكي للكعبة المشرفة ولِباحات وساحات وأروقة المسجد الحرام ، عملٌ جليلٌ وشاقٌ وليس من السهولة بمكان .
وقد أخبرني أحد العاملين في المسجد الحرام أن عدد الكاميرات ثمَانمِائَة كاميرا تُغَطِّي مساحات الحرم المكي داخله وخارجه .
فهذه المئات من الكاميرات مع الإفادة منها في الجانب الأمني ، يمكن أيضاً الإفادة منها في الجانب التعبُّدي الإيماني أثناء النقل الحيّ . ولا شك أن ذلك من الإيمان ومن مُقوِّياته . وهو أرجح لأنه الأنفع . وقد قال الإمام الزركشي(ت: 794هـ ) تعالى : ” إذا تحقق الترجيح وجب العمل بالراجح وإهمال الآخر ” .

ومن الغلط تفويت المصالح وتقييِّدها للبثِّ الحيِّ المُجرَّد من الحكمة التعبدية التوعوية المحضة . وهناك عِلم يُدرَّس الآن في أوروبا بمُسمَّى عِلم الجودة ، ويقصد به تحصيل الأنفع للمتلقِّي والمستفيد كُّل حسب تخصُّصه .
ولأن المسجد الحرام جاء ذكره في خمسة عشر موضعاً في كتاب الله ، وحتى يجتمع الأجر مع نية الصبر للعامِل والمحتسب ، فلا بد من المكاشفة وبذل النصح لإخواننا المشرفين على تصوير عبادات الزائرين والمعتمرين ، وقد قال ابن المبارك ( ت: 181هـ) تعالى : ” رُبَّ عملٍ صغيرٍ تُعَظِّمة النِّية ، ورُبّ عملٍ كبيرٍ تُصغِّره النية ”

. من محاسن تصوير الحرم المكي إظهار شعائر العبادات ، وعرض جهود الدولة في خدمة بيت الله الحرام وزُوَّاره ، وإيناس المُشاهد بتوسعة الحرم المكي ، وجمال التنظيم ودقِّته بشكل بديع ، وهذه من نعم الله تعالى التي تُوجب الشُّكر .
ولأن الناقد بصير، فثمَّت ملاحظات ظهرت لي حال متابعتي للبثِّ الحيِّ للحرم المكي بساحاته وباحاته وأروقته ، على مدى شهور رصدت خلالها جملة من الإيجابيات والسلبيات . وقد قال الله تعالى : ” فذكِّر إن نفعت الذِّكرى ” ( الأعلى :9 ) وفي الحديث مرفوعاً : ” لا تحقرنَّ من المعروف شيئاً ” أخرجه مسلم .

1- من الخطأ إستنساخ طريقة التصوير العادي وتنزيله على تصوير أماكن العبادات ، فلا بُدَّ من مُحتسبٍ شرعيٍ على القائمين بالتصوير في الحرم المكي . وقد تقرر عند أهل العلم أن الوسائل لها أحكام المقاصد . وسُليمان لما أمر بعرض الخيل عليه اختار أفضلها وأجودها كما قال تعالى : ” إذ عُرِض عليه بالعشيِّ الصافنات الجياد ” ( ص: 3 ) والمكان الشرعي المشرَّف بتشريف الله له ، أعظم من بلاط الملوك ، وله مكانة في القلوب ، فلا يليق أن يتولَّاه إلا من أحاط بشي من العلم الشرعي ، وله قدرة على عرض أماكن السُّنن والواجبات بطريقة إحترافية متقنة ، خالية من المحظورات والمبتدعات . فإن عُدم ذلك فلا مانع من الإشراف على المُصوِّرين بمستشار شرعي لتنوير المصوِّرين في عملهم . والتصوير العادي لا يتعلَّق به فائدة شرعية للمُكلَّف في العادة . لكن في الحرم المكي تجب مراعاة أُمور كثيره عند البثِّ بنوعيه : الحي والمسجَّل . فالمكان مُعظَّم والخطأ فيه مذموم ، والملايين يشاهدون ويتأملون وبعضهم يتعبَّد بما يرى ويُقلِّد ما يشاهده ، وقد يُقلِّد بمخالفة شرعية لجهله وقصور فهمه ، فيفوت عليه خير كثير .

2- تجاهل تصوير صلاة الإمام ومواضع القدوة منه: من الخطأ البيِّن عدم عرض صلاة الإمام أو بعضها في التصوير الحيِّ . وفي عرض صلاة الإمام جملة فوائد . وفي حديث ابن عمر أن النبي كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ، وإذا كبر للركوع ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما ، كذلك أيضا ، وقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، وكان لا يفعل ذلك في السُّجود ” متفق عليه . ففي الحديث ضرورة معرفة كيفية تطبيق الأركان والواجبات والهيئات والِّلباس ومواضع النظر عند الركوع والسُّجود . وفي البثِّ الحي ِّصُور تظهر لمصلين ينظرون الى سطح الحرم أو يلتفتون أو لا يلتزمون بالسُّنن ، فهؤلاء للأسف يعودون إلى ديارهم ، ولم يستفيدوا لا من مشايخهم ولا صلاة أئمة الحرم. ومن الفوائد معرفة كيفية سلام الإمام وموضع رفع يديه وقبضهما ونحوها من هيئات الصلاة . وقد جاء في الحديث: ” صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي ” متفق عليه . والتربية بالقدوة أعظم أثراً من التربية بالوعظ . والمقصود أن يقوم المشرفون على التصوير الحيِّ في الحرم المكي بتصوير ركعة كاملة أحياناً من صلاة الإمام ، لإظهار التطبيق الصحيح لهيئة الصلاة ، وللحذر من الزلل في صلوات العامة . وبهذه الطريقة مع الأيام والشهور يستفيد ملايين المسلمين وهم في بيوتهم وبين أهاليهم من المحافظة على أركان الصلاة وواجباتها وسُننها . ويمكن إختصار ذلك بشريطٍ في أسفل الشاشة يُوضِّح الهدي الشرعي .

3- التركيز على تصوير الحرم من الكاميرات العلوية البعيدة مما يُفوِّت على المشاهد معرفة مواضع القدوة ومواضع المخالفات في أرضية الحرم وأروقته عند معرفته للحكم أو الدليل . وليس معنى هذا المنع المطلق من التصوير البعيد ، لكن الأولى التصوير القريب للإفادة من تطبيق السُّنن عند أهل العلم عند توفُّر الدليل .

4- تعمُّد إطالة تصوير وإظهار سطح الكعبة للمشاهد لدقائق طويلة مما يُوحي أن له عبادة مخصوصة ، وهذا خطأ لا يُتَابع عليه . والنظر المشروع في النصوص يكون لشخص الكعبة لا لسطحها . والصحيح ضرورة التركيز على مواضع البيت الفاضلة: كاستلام الحجر الأسود وتقبيله ، واستلام الركن اليماني دون تقبيله والإشارة إليه ، واستلام الملتزم والدعاء عنده ، والحجر وهو جزء من الكعبة ولا يصح الطواف دونه ، ومقام إبراهيم ، ومكانه الآن ليس المكان الأصلي له ، وبئر زمزم ، والصفا والمروة .وتُذيَّل الشاشة بشريط مُختصر يُوضِّح هدي الرسول في هذه المواضع من حيثُ مشروعيتها أو التحذير من الغلو فيها .

5- من الضروري الحرص على إظهار ما له قيمة مُتصلة بالحرم ، وقد أشار إلى هذا الإمام النووي(ت: 676هـ) تعالى ، وابن القيِّم (ت: 751هـ ) تعالى ، كما في المجموع شرح المهذب ، وأحكام أهل الذمة ، وهو أن المسجد الحرام يُراد به : البيت والمسجد حوله والحرم كُّله ومكة . فيمكن أثناء التصوير لهذه المواضع الإشارة بشريطٍ توعوي أسفل الشاشة إلى هذا المعنى ، لِتعْظُم هيبة المكان في القلوب عند ربطها بأقوال أهل العلم .

6- نسمع كثيراً عن مخالفات عظيمة بعضها تقشعر منها الأبدان في مكة شرَّفها الله تعالى ، وسبب ذلك والله أعلم بعد زيغ القلوب ، عدم معرفة عَوام الناس لحدود الحرم ، وعدم معرفتهم بِعظمِ الذنب فيه ، وهذا من واجبات الإعلامييِّن أثناء البثِّ الحي ، باللغات الحية لتوعية الناس وتبصيرهم .

7- تصوير زخارف جدران المسجد الحرام ونقوشه لا بأس به ، لكن الأنفع للناس تصوير مواضع القدوة في المسجد الحرام ابتداءاً من الدخول من أبواب الحرم أو حدوده ، وتعريف العوام بشريطٍ أسفل الشاشة بعبادات الرسول في تلك المواضع، وما يُمنع منها وما يُشرع باللغات الحية ، إحتساباً للأجر وإحياءاً للسُّنن المهجورة .

8- عند نزول المطر على مكة والمسجد الحرام ، لا يتمُّ في البثِّ الحيِّ إيقاظ غفلة الناس بإتِّباع هدي الرسول عند نزول المطر . وكذلك عند الصلاة على الأموات . ويمكن إختصار ذلك بشريطٍ مُختصر أسفل الشاشة لتوضيح الهدي الشرعي .

9- يُلاحظ -في بعض الأحيان – في البثِّ تصويرٌ واضحٌ لوجوه النساء ، خاصة عند الرجوع من المروة صعودا إلى الصفا ، في المسعى ، وهذا وإن كان غير مقصودٍ ، فالواجب عدم عرضه أو عدم إطالة التصوير في حال الإعلام به ، تنزُّهاً من مشاهدة محاسن النساء لغير محارمهن .

10- بعد إنتهاء الصلوات لا تَعرض كاميرات الحرم في البثِّ الحيِّ مشاهد عن عمارة المسجد الحرام عبر التاريخ ، مُزودة بالأدلة وأقوال أهل العلم ، ولو بشكل مختصر ،ولو مرة في الشهر ، وهذا الأمر مهمًّ ليقف الناس على الجهود العظيمة التي بُذلت – عبر التأريخ – وتُبذل في سبيل راحة الزائرين والحجاج والمعتمرين. فالمسجد الحرام من المساجد التي تُشدُّ الرِّحال إليها ، لفضله الذي اختصَّه اللهُ به .

فمن تمام النِّعمة عرض صفة بنائهِ ومراحل البناء ، ليقف المُشاهد على عظمة هذا البيت وتتعلَّق القلوب بحُبِّه والصلاة فيه . ما تقدَّم من الملاحظات يُستدلُّ لها بقاعدة استصحاب الوصف وهي قاعدة أصولية قرَّرها الأُصوليون في مبحث الاستصحاب في إحدى مراتبه ، وقد شرحها شرحاً وافياً العلامة محمد أبو زهرة( ت: 1394هـ) تعالى في كتابه ” أصول الفقه ” ، فلتُراجع . ويُستدلُّ لها كذلك بأدلة الحثِّ على فعل الخير، وفعل الأكمل من محاسن الأخلاق والأعمال ،وربط الوسيلة بالمقصد ، ووجوب تحصيل المصالح ، ونحوها من القواعد وأدلتها القطعية في الشريعة ، وليس هذا موضع بسطها . والله الهادي .

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي
( منقول )
مُلاحظات على كامِيرات الحرم | مدونة المتوقِّد