الإمام أبى بكر الإدفوى
أذكر اليوم بشيخ المفسرين بالقرن الرابع الهجرى العاشر الميلادى وما كُتب فى نفس الملتقى عن الشيخ إعترافا بجهوده فى خدمة القرآن الكريم ونواتجه
إمامنا العامل بكتاب الله وسنة رسوله هو : "محمد بن على بن أحمد بن إدريس بن على بن يوسف بن عبد الرحيم العلوي بن إدريس الميمون بن مصطفى بن عبد الستار بن عبد الصمد بن عبد المعطى الشاش بن هشام بن حسين بن عثمان بن منصور بن محمد بن أحمد بن محمد وُيكنى بأبي بكر بن نور الدين بن عبد الوهاب بن عز الدين بن عمر النجاتى بن سعيد البكري بن إبراهيم الحارثى بن المُنير بن محمود بن محمد بن القاسم بن إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله بن الحسن المُثنى بن الحسن السبط بن الإمام على بن أبى طالب(كرم الله وجهه)،ويُكنى بالإدفوى نسبة إلى مدينة إدفو بمحافظة أسوان بمصر. ومن ألقابه ( المتولى - أبو بكر- أبو الفقيه- أبو الفقهاء- الإدريسى)وهو أحد حفدة القاسم بن إدريس.، والذي كانت له ولاية طنجة المشتملة على :مدن سبته ، وقلعة حجر النسر، وبلاد مصمودة. وكانت عائلة القاسم ترنو وتحن للمشرق، واضحا ذلك من خلاف القاسم مع شقيقه الأكبر محمد، عندما رفض أمره في محاربة شقيقه عيسى والاستيلاء على ولايته؛ لتجاورهما وألقى شعرا في ذلك قائلا: "سأترك للراغب الغرب نهبا.. وإن كنت في الغرب قبلا وندبا ، واسعوا إلى الشرق في همة.. يعز فيها رتب من أحيا." فيبدومن هذا أن القاسم كان زاهدا في أرض المغرب رغم ما كان له فيها من مركز مرموق راغبا في العودة إلى المشرق ويظهر هذا في ما نفذه أبناءه فيما بعد فاستجاب شقيقهما عمر للأمر وحارب عيسى واستولى على أملاكه، ثم سار ؛ لتأديب القاسم ونجح في هزيمته ،وانتهى أمره إلى اعتزاله الحياة العامة وإقباله على الزهد والتعبد في رباط بناه لنفسه على ساحل البحر وقد سار أبناءه وحفدته على نهجه في البلدان التي هاجروا إليها عقب انهيار الدولة الإدريسية في المغرب الأقصى.
ُولد الحفيد الإدفوى في شهر صفر سنة :-( 304 ه/ 916م. بمدينة إدفو .).
ترعرع بها مشتغلا بتجارة الأخشاب؛ لتعينه على مصاعب الحياة؛ فتعددت سفرياته إلى الفسطاط حيث تلقى علمه في جامع عمرو بن العاص ، ثم جامع أحمد بن طولون ُملتقى العلماء المغاربة، وبعدها تردد على مشايخ العلم لينهل من مواردهم بالقاهرة وتصدى بعد ذلك لتدريس علوم القراءات والنحو والتفسير عن طريق النحو فى الجامع الطولونى. فأنشأ تلميذه الشيخ" على بن سعيد الحوفى" علما جديدا بتصنيف كتابه " علوم القرآن" الذي كان بمثابة الفهرس لجميع غرائب القرآن الكريم ومجازاته وأمثاله وقد ُذكر هذا في طبقات المفسرين للداودى في ترجمته رقم(332 صفحة388 طبعة بيروت) . وذكره الراحل الأستاذ الدكتور "شوقي ضيف" رئيس مجمع الخالدين السابق في كتابه (مدارس النحو في مصر) .
وابنه الأوحد هو(عبد الرحمن بن محمد بن على الإدفوى) وكنيته (أبو القاسم وأبو محمد) نسبة لأجداده الأدارسة ، وكان يعمل برواية الحديث وفيما يبدو أنه هو الذي أنجب ذرية الشيخ الإمام الإدفوى والمُكونِين للقوة البشرية لمركز إدفو صُلبا ونسبا ،ومن البارزين من أسباطه من جهة الأم المؤرخ والأديب والفقيه(كمال الدين وعد الله أبى الفضل جعفر بن ثعلب بن جعفر بن مطهر الإدفوى المنتهى نسبه إلى ثعلبة بن مطاعن بن عبد الكريم بن موسى بن عيسى بن سليمان بن عبد الله بن أبى الكرام بن موسى الجون بن عبد الله بن الحسن المُثنى بن الحسن السبط بن على بن أبى طالب والمدفون بالقاهرة خارج مقابر باب النصر وكان مولده بمدينة إدفو عام(685ه-1286م وتوفى عام748ه-1347م).
وُيذكر تسرب أول مخطوطة مكتوبة على ورق البردي والظاهر أنها من( مكتبة سيدى الإدفوى) التي لم يُعثر عليها حتى الآن و ترجع المخطوطةإلى القرن الثالث الهجري وهى كتاب الجامع في الحديث تصنيف" عبد الله بن وهب" أحد تلاميذ (الإمام مالك) توفى عام 197ه وهى محفوظة بدار الكتب( العربية تطور وتاريخ د. كريم زكى حسام الدين/مكتبة النهضة المصرية.ص194) – والإدفوى من علماء القرن الرابع الهجرى.
ومن تصنيفات الشيخ الإدفوى(120) مجلدة في تفسير القرآن الكريم بعنوان( الاستغناء فى علوم القرآن) موجود بعض منها بدار المحفوظات بالقلعة بمصر و"ذكر سزكين المجلد الأول فقط في سليم آغا ولكن يوجد في سليم آغا/ اسطنبول ثلاث مجلدات أخرى: المجلد الرابع برقم 564 ويقع في 456 ورقة. المجلد الخامس برقم 65 ويقع في 456 ورقة.المجلد السابع برقم 66 ويقع في 456 ورقةوتوجد قطعة في تونس ذكرها الباحث الدكتور /عبد اللّه بن عبد الغني كحيلان في رسالته للماجستير:"الأدفوي مفسرا" وتحقيق سورة الفاتحة من تفسيره".
قال مكي *1:« جمعت أكثر هذا الكتاب يقصد كتابه فى التفسير:«الهداية إلى بلوغ النهاية في معانيالقرآن وتفسيره وأنواع علومه» من كتاب شيخناأبي بكر الأدفوي – – وهو الكتاب المسمى«بكتاب الاستغناء» المشتمل على نحوثلاثمائة جزء في علوم القرآن، اقتضبت من هذا الكتاب نوادره وغرائبه ومكنون علومه معما أضفت إلى ذلك من الكتاب الجامع في تفسير القرآن، تأليف أبي جعفر الطبري، وماتخيرته من كتب النحاس ،وكتاب أبي إسحاق الزجاج،وتفسير ابن عباس، وابنسلام، ومن كتاب الفراء.. ومن غير ذلك من الكتب في علوم القرآن والتفسيروالمعاني والغرائب والمشكل، انتخبته من نحو ألف جزء أو أكثر، مؤلفة في علوم القرآن،مشهورة مروية».
ويُضيف الدكتور أحمد حسن فرحات عن كتاب (الإستغناء) لأبى بكر الإدفوى فى سياق نفس الموضوع:
«إن هذاالكتاب يعتبر من أوسع ما كُتب في التفسير، حيث بلغت مجلداته مائة وعشرين مجلدا، ولميزد عليه في عِظم التأليف إلا عبد السلام القزويني شيخ المعتزلة ببغداد المتوفى سنة 483ه، فإنه ألف تفسيرا في ثلاثمائة مجلد، منها سبعة مجلدات في الفاتحة، وقد ألف الأدفوي هذا الكتاب في اثنتي عشرة سنة، ويبدو أنه فقد، ولا يوجد منه الآن أى نسخةفيما أعلم من فهارس المخطوطات التي اطلعت عليها»، ثم استدرك الدكتور في الحاشية فقال: «وجد من كتاب الاستغناء جزء صغير في المكتبة الوطنية التونسية، كما يوجد نسخةكاملة من الكتاب في تركيا، ويعمل أحد طلابنا في تحقيقه».
والظاهر مما ذكره الدكتور فرحات، أن هذا الكتاب ( الاستغناء) قصد مؤلفه إلى أن يستغني القارئ به عن غيره، كما يدلعليه العنوان، وكأنه كان يهدف إلى جمع حصيلة الفهوم والعلوم التي حامت حول كتابالله .
ولم أعثر لحد الآن على ذِكر للإ دفوي داخل«الهداية» باستثناء ما جاءفي تفسير الآية 164 من سورة الأنعام : أن الأدفوي روى بسنده عن ورش أنه اختار من نفسه الفتح في (مَحْيَايَ). قال محقق الجزء الذي يضم هذه الآية:«ولا ندري – على التحقيق – أأخذ هذا الإسناد من كتاب "الاستغناء" وهو الظاهر، لما ورد في مقدمة مكي، أم أخذه من غيره من مؤلفات الأدفوي شيخه، أم حفظه مكي عنه».
ويمكن تفسير غياب الأدفوي في الهداية أن (مكيا) اكتفى بالإحالة العامة في المقدمة، إلا أنه لا ريب في أن من فوائد العلم والمنهج أن مكيا لو ذكر شيخه ( الإدفوى)في موطن الاستشهاد أو نقل عنه نصوصا مع نسبتها إليه لتبين لنا نوع ما نقله من كتاب الاستغناء، ولأمكننا ذلك – من خلال المقارنة مع المصادر الأخرى – من تبين ملامح المنهج الذي سلكه في اعتماد هذاالكتاب.
إن بقاء هذا الكتاب الإستغناء للإدفوى مخطوطا حتى الآن يضعنا أمام مُشكل، وذلك أن عبارة مكي في المقدمة صريحة في أن أساس تفسيره «الهداية» كتاب «الاستغناء للإدفوى»، مع أن الذي يدل عليه حال «الهداية» من خلال مقابلته بجامع البيان للطبري – هو أن الطبري حاضر بقوة في «الهداية»، سواء أتعلق الأمر بالنقول والأحاديث والأقوال المأثورة، أم بالمعاني التي ينهى بها الآيات مباشرة، أي إن الطبري حاضر بما يقوله وبما ينقله ويرويه.
والحق أننا لا نستطيع أن نجزم بشيء في هذه المسألة ما دام كتاب( الاستغناء للإدفوى) ليس بين أيدينا،لاحتمال أن يكون مكي قد نقل عن الطبري بواسطة الأدفوي، فيزول حينئذ ذلك الإشكال،غير أنا نحتاج حينئذ أيضا إلى التمييز بين طريقة نقل الأدفوي عن الطبري وبين طريقةنقل مكي عن الطبري، وذلك من أجل تحديد المادة المنقولة عن كل مصدر من مصادر مكي في التفسير، وفي غياب ذلك لا يبقى لنا إلا أن نستند إلى كلام مكي في تقديمه لكتاب(الاستغناء للإدفوى) على كتاب جامع البيان...".
*2ويخبرنا الدكتورحكمت بشير ياسين فى صحة وجود تفسير ( الإستغناء للإدفوى) بقوله :
"....وقد سبق هذا التحضير عملي في تحقيق المجلد الثاني من تفسير ابن أبي حاتم الرازي (ت 327 ه) من أصحاب التفاسير المفقودة كالإمام مالك والشافعي وأحمد …..وقد واكب هذا العمل اكتشاف تفسير ....وظهور بعض التحقيقات في التفسير وعلوم القرآن كتفسير ....والنسائي وابن أبي حاتم الرازي (ت 327 ه) ، وأبي بكر محمد بن علي بن أحمد الأدفوي (ت 388 ه) ويسمى تفسيره: (الاستغناء في علوم القرآن).
ويشرح الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله الفاضل:*3" . يُقصد بعلوم القرآن الكريم : الأبحاث التي تتعلق بهذا الكتاب المجيد الخالد ، من حيث النزول ، والجمع ، والترتيب ، والتدوين ، ومعرفة أسباب النزول ، والمكي منه والمدني ، ومعرفة الناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ، وغير ذلك من الأبحاث الكثيرة التي تتعلق بالقرآن العظيم ، أو لها صلة به " (الصابوني ، 1408ه ، ص 12) أوالأبحاث التي تتعلق بهذا الكتاب المجيد الخالد ، من حيث النزول .والمراد بعلوم القرآن : العلم الذي يتناول الأبحاث المتعلقة بالقرآن من حيث معرفة أسباب النزول ، وجمع القرآن وترتيبه ، ومعرفة المكي والمدني ، والناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ، إلى غير ذلك مما له صلة بالقرآن." وقد يسمى هذا العلم بأصول التفسير ، لأنه يتناول المباحث التي لا بد للمفسر من معرفتها للاستناد إلــيــــــــــــها فــــي تفسير
القرآن
وألف محمد بن علي الأدفوي المتوفى سنة388ه الاستغناء في علوم القرآن ثم تتابع التأليف بعد ذلك في إعجاز القرآن فألف الشيخ علي بن إبراهيم بن سعيد الحوفي المتوفى سنة430ه في إعراب القرآن...
أما جمع هذه المباحث وتلك الأنواع كلها أو جلها في مؤلف واحد فقد ذكر( الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني) في كتابه مناهل العرفان في علوم القرآن أنه ظفر في دار الكتب المصرية بكتاب مخطوط ل (علي بن إبراهيم بن سعيد الشهير بالحوفي) ، اسمه البرهان في علوم القرآن يقع في ثلاثين مجلداً يوجد منها خمسة عشر مجلداً غير مرتبة ولا متعاقبة ، حيث يتناول المؤلف الآية من آيات القرآن الكريم يترتيب المصحف فيتكلم عما تشتمل عليه من علوم القرآن ، مفرداً كل نوع بعنوان ، فيجعل العنوان العام في الآية ( القول في قوله ويذكر الآية ، ثم يضع تحت هذا العنوان ( القول في الأعراب ) ويتحدث عن الآية من الناحية النحوية واللغوية ، ثم ( القول في المعنى والتفسير ) ويشرح الآية بالمأثور والمعقول ، ثم ( القول في الوقف والتمام ) ويبين ما يجوز من الوقف وما لا يجوز ، وقد يفرد القراءات بعنوان مستقل فيقول ( القول في القراءة ) وقد يتكلم عن الأحكام التي تؤخذ من الآية عند عرضها . والحوفي بهذا النهج يعتبر أول من دون علوم القرآن ، وإن كان تدوينه على النمط الخاص الآنف الذكر ، وهو المتوفى سنة430ه.
هذا عن مصنف الإمام الإدفوى( الإستغناء فى علوم القرآن) بصفته مفسرا،وهناك حديث كامل ورد فى الطالع السعيد للشيخ المؤرخ جعفر بن ثعلب الإ دفوى عن عبد الرحمن إبن الشيخ الإدفوى:
... عن أبى بكر الإدفوى عن أبى الطيب أحمد بن سليمان الحريرى عن أبى القاسم الإدفوى(عبد الرحمن بن محمد بن الإمام أبو بكر الإدفوى وكنيته أبو القاسم وأبو محمد) عن جعفر القضاعى أن رسول الله قال:"إن الله تعالى يُعطى الدنيا على نية الآخرة، وأبا أن يعطىالآخرة على نية الدنيا).
كما صنف وألف الإمام الإدفوى مجلدة في علم النحو، وكتاب" الإقناع في أحكام السماع" وهو على ما يبدو في علم القراءات لترتيل وتجويد القرآن الكريم ( علما بأن إختلاف القراءات فى القرآن الكريم ونزوله على سبعة أحرف كان للتخفيف على الناس والدليل على نزوله هكذا قول بن عباس عن رسول الله قال": أقرأنى جبريل على حرف ؛ فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى إنتهى إلى سبعة أحرف" رواه البخارى فى صحيحه ج6 ص184. وقد نزل القرآن بدايةً بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ثم أُبيح للعرب بأن يُقرأ بلهجاتهم التى جرت عاداتهم باستعمالها رخصة لهم لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد لعدم ؛علمهم جميعا بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ ،ولما تيسرت الكتابة والحفظ زال العذر وألتزموا لسان قريش خوفا من الإختلاف ولهذا فإن لعثمان بن عفان رضى الله عنه وجهة نظر تبرر قبوله جمع الناس على مصحف واحد كما حدث بالفعل)*9 ويعرِّفه ُالوزير القِفطى صاحب مجلدات" إنباه الرواه على أنباه النحاه" بقوله:" كان سيد أهل عصره في مصره وغير مصره" وأيضا الإمام السيوطى ، توفى يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الأول عام(388ه-998م). زار مدفنه بمدينة إدفو فضيلة الشيخ المغفور له بإذن الله الإمام محمد متولي الشعراوى في الثمانينات في طريقه لأبى الحسن الشاذلي بحميثرة رضوان الله عليهم جميعا كما أن له مدفنا فى القاهرة بسفح جبل المقطم يطلق عليه " تربة الإدفوى"، وكما قال الشيخ السخاوى عن رسول الله "من ورخ -أرخ -مؤ منا فكأنما أحياه )
د. محمد فتحي محمد فوزي - شبكة الألوكة - الكتاب والمفكرون