وعن هذه الآية: فزعم محمد بن جرير أن معنى قوله جل ثناؤه: إنما النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ما النّسيء إلا زيادة في الكفر، والنسيء مصدر من قول العلماء: نسأ الله في أجلك، أي: زاد الله في أيام عمرك ومدة حياتك، حتى تبقى فيها حيًّا. وكل زيادة حدثت في شيء، فالشيء الحادث فيه تلك الزيادة بسبب ما حدث فيه: "نسيء". ولذلك قيل للمرأة الحُبْلَى: نَسُوءٌ. ونُسِئَت المرأة؛ لزيادة الوَلد فيها. ويقال: "نَسَأْتُ الناقة وأَنْسَأتهُا" إذا زَجَرتَها ليزدادَ سَيْرُها . وقد يحتمل أن يكون: النسيء فعيلًاصُرِف عن مفعول، كما قيل: لَعِينٌوقَتيلٌ. بمعنى: مَلْعونٌ وَمَقْتولٌ . ويكونُ معناه: إنما الشهر المؤخَّر زيادة في الكفر
.وكان محمد بن جرير يقول: كأنّ القول الأوّل أشبه بمعنى الكلام، وَهَو أن يكون: إنما التأخيرالذي يؤخِّره أهل الشرك من شهور الحرم الأربعة، وتصييرهم الحرام منهن حلالا والحلال منهن
حرامًا، زيادة في كفرهم وجحودهم بأحكامَ الله وآياته "يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا " أي: يضل بالنسيء. أي: تروك عن محجة الله التي جعلهالعباده طريقًا يسلكونه إلى مرضاته . وَهذا على قراءة من قرأ يضل بفتح اليَاء.
ومن ضمها فمعناه: يضل الله به الذين كفروا، ثم رده إلى مَالم يسم فاعله. وَأمَا قوله جل وعز: "يحلونه عاما " فإن معـناه: يحل الذين كفروا النسيء، وَالهاء في قوله:يحلونه، عَائدة على النسيء. والمعنى: يحلون الذين أخَّروا تحريمه من الأشهر الأربعة الحرم،
يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله) أي: ليوافقوا بتحليلهم ما حللوا منالشهور، وتحريمهم ما حرموا منها،
عدّة ما حرّم الله فيحلوا منها ما حرّم الله، (زُيِّن لهم سوء أعمالهم)، أي: حُسِّن لهم وحُبِّب إليهم سوء أعمالهم وقبيحها وما خولف به أمرُ الله جل وعزوطاعته "( والله لا يهدى القوم الكافرين)
أي: والله لا يوفق لمحاسن الأفعال وجميلها، ومالله فيه رضًى، القومَ الجاحدين توحيدَ الله، والمنكرين نبوة نبيه محمد .
، ولكنه يخذّلهم عنالهدُى، كما خذَّل هؤلاء الناسئين عن الأشهر الحرم
قال الإمام أأبو بكر الإدفوى: وَمعنى هذا القول مَأخوذ من قول العلماء.روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله جل ثناؤه: " إنما التسىء زيادة فى الكفر":
قال: النسيء أن "جُنَادة بن عوف بن أمية الكناني" كان يوافي الموسم كلَّ عام، يُكنى أباثُمَامة، فيوافي الموسم كل عام فينادي: ألا إنّ أبا ثمامة لا يُحَابُ ولا يعاب، ألا وإن صَفَر العامِالأوَّلِ العامَ حلالٌ، فيحله الناس، ويحرم صَفَر عامًا، ويحرِّم المحرم عامًا، كقوله
جل ثناؤه: إنما النسىء زيادة فى الكفر" إلى قوله ":والله لا يهدى القوم الكافرين:
يقول: يتركون المحرم عامًا، وعامًا يحرِّمونه .
قال أبو جعفر محمد بن جرير : هذا التأويلُ من تأويل ابن عباس، يدل على صحة قراءة من
قرأ:( النَّسْيُ) بترك الهمز وترك المد، وتوجيه معنى الكلام إلى أنه فَعْلٌ، من قول القائل:
نَسِيتُ الشيء أَنْساه. ومن قول الله جل ثناؤه:" نسوا الله فنسيهم"سورة التوبة67
بمعنى: تركوا الله فتركهم.
قال الإمام أبو بكر الإدفوى: وكان أبو عبيد يقول في معنى قول النبي في خطبته: "إن الزمان قد استدار
كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض" السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاثة متوالياتذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مُضر بين جمادى وشعبان .
ألا وإن صَفَر العامِ الأوَّلِ العامَ حلالٌ، فيحله الناس، ويحرم صَفَر عامًا، ويحرِّم المحرم عامًا، كقوله جل ثناؤه:إنما النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ ..
والله أعلم،،،،،
د. محمد فتحي محمد فوزي - شبكة الألوكة - الكتاب والمفكرون