الحمد لله الذي أنزل على خاتم الرسل والأنبياء أكمل كتاب ،فكشف به ظلمات الجهل وأسباب العذاب ، وأماط به عن نفائس العلوم وذخائرها الحجاب ، وكشف به عن حقائق الدين وأسراره ومحاسنه النقاب ، وأخلص به العبادة للعزيز الوهاب ، وفتح به لنيل مآرب الدارين الباب ، وأغلق باتباعه والعمل به دون الشر جميع الأبواب ، تحيى بوابل علومه القلوب النيرة أعظم مما تحيى الأرض بوابل السحاب ، يتميز بتدبر آياته الخطأ من الصواب ، والقشور من اللباب ، وتجل ألفاظه ومعانيه وأحكامه وأخباره عن الوصمةوالعاب، أحمده سبحانه وأشكره ومن مساوي عملي أستغفره، وأشهد ألا اله إلا الله وحده لا شريك له، إله يحي العظام البالية، ويحي القلوب الميتة، وينزل الغيث من بعدما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمداً عبده ورسوله ، الذي كان خلقه القرآن ، بعثه الله بالسبعِ المثاني والقرآن العظيم ليُنذر به قوماً لداً ، اللهم صلِّ عليه ما ذكره الذاكرون، وغفلِ عن ذكره الغافلون، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد فاتقوا الله فإن تقوى الله خلف من كل شئ قال تعالى مواصياً أهل الإيمان( يايها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) ، عباد الله إن الله إذا أرسل نبيا كان ولابد أن يرسل معه من الآيات البينات والمعجزات الواضحات ما يثبت نبوته وبه يؤمن الناس، وتكون هذه المعجزة من جنس ما يبدع فيه قومه ويتفوقون فيه ، فموسى كان بنو اسرائيل من أهل السحر وكانوا مبدعين ومتفوقين فيه على غيرهم فاعطى الله موسى العصا التي تصير لثعبان حين يلقيها، وكان قوم عيسى مبدعين ومتفوقين في الطب فجعل الله عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذنه تعالى، وأما العرب فقد كانوا متوفقين ومبدعين في البلاغة والفصاحة وكانوا يتفاخرون بالأشعار في إجتماعتهم وأسواقهم كسوق عكاظ حتى علقوا المعلقات السبع المشهورة على الكعبة ، فاعطى الله نبينا معجزة هي من جنس ما يبرع فيه العرب من البلاغة والفصاحة ، ولم يعطه معها أي معجزة أخرى لأنها كانت كافية، فالقرآن معجزٌ وقد أعجز العرب ،وتحداهم الله بأن يأتوا بسورة من مثله أو بعشر آيات من مثله، قال تعالى (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، وقد كان العرب يعلمون أن هذا ليس بكلام بشر كما قال الوليد بن المغيرة حينما سمعه فرَّقَ قلبَُه له فجاءه أبو جهل فقال له قل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له أو أنك كاره له، قال: وماذا أقول؟! فو الله ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته)، فقد أيقنوا بإعجازه ولم يقدروا أن يطعنوا فيه فلجأوا للطعن في شخصه فوصفوه بالشاعر والكاهن والمجنون ، ولما علموا صدق ما جاء به واعجازه أمروا الناس بألا يستمعوا له؛ لعلمهم أنه إذا استمعوه سيحدث في انفسهم تأثيرا بالغا ،وسيسلم بذلك الكثيرين قال تعالى مخبرا عن كيدهم هذا (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)، ولما عرف عمر بخبر إسلام أخته ثم رجع إليها هي وزوجها وضربها ثم أخذ منها الصحيفة وقرأ سورة طه أخذ يبكي ثم ذهب لدار الأرقم ليسلم، بسورة واحدة! أسلم ،
أيها الأحباب إن المتأمل لحالنا مع القرآن ليشعر بالرهبةوالخوف والاشفاق من مظاهر هذه الحال، فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا قوما ليسوا بها بكافرين، إذ أنه قد هجر كتاب علام الغيوب، فتحجرت العيون عند سماعه وقست القلوب حال قراءته، بل قُرئ والقلوب لاهيةٌ ساهيةٌ في لججِ الدنيا أوديتها سابحة !، زينا بيوتنا بآيات القرآن ثم لم نزين حياتنا بالعمل بالقرآن! ، يقرؤه البعض منا غير مقتدين على الأموات ثم لا يحكمونه في الاحياء! ، بل جعلت البركةفي مجرد حمله وتلاوته وتركت البركة الحقيقة المتمثلة في إتباعه وتحكيمه إمتثالا لقول الله (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون)
ولست أروم من حديثي اليوم بيان فضل تلاوته وقراءته فهو من الأمور المعلوم والمشهورة لدى الناس ،وقد أُسهِبَ في الحديث عن ذلك ،وحيث أن مجرد التلاوة والقراءة ليست المقصود من إنزاله، ولكني اليوم أريد من حديثي إرجاع روح القرآن وهو تدبره وفهم معانيه والعمل به فهذا هو المقصود من إنزاله ، ،يقول الرب في سورة محمد ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) ، إستفهام إستنكاري فيه توبيخ وإنكار للمعرضين عن هذا الكتاب العظيم ، وهذا الآية إنما خوطب بها المشركون والمنافقون ولم يخاطب بها أهل الاسلام لانه لا يعقل أن مسلماٌ يعرض عن تدبر كلام الله ، فإن تدبر القرآن أمر لابد منه للمسلمين، وإن الأعراض عن فهم كلام الله وتدبره من أعظم المنكرات وأشنعها، قال الشنقيطي (ومعلوم أن كل من لم يشتغل بتدبرِ آيات القرآن العظيم أي تصفحها وتفهمها وإدراك معانيها والعمل بها فإنه معرض عنها غير متدبر لها فيستحق الإنكار والتوبيخ المذكور في الآيات إن كان الله أعطاه فهما يقدر به على التدبر وقد شكا النبي إلى ربه هجر قومه لهذا القرآن كما اخبر الله بذلك( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)، أيها المسلمون كثير اليوم هم حفاظ القرآن لكن قليل هم أهل القرآن! ، والله إن العيب كل العيب إن أمة القرآن تحتاج لمن يذكرها بالقرآن! ، عيب كل العيب ان تجد أحدهم حافظاً للقرآن وإذا سألته قل لي آية واحدة في كتاب الله الذي حفظته أثرت فيك؟ لن تجد عنده إجابة! ، والله إن حالنا اليوم مع القرآن ليندي له الجبين ،
عتابي أمةَ القرآن حبٌ** فالهجر للقرآن ذنبٌ
سيشكونا الرسول غدا أنرضى ** ماذا نقول وما نجيبُ
قال ابن مسعود لإنسان :(إنك في زمان -يقصد زمان الصحابة- قليل قراؤه - يقصد من حظه من القرآن مجرد القراءة دون الفقه فيه هم قليل- كثير فقهاؤه -يقصد بهم أن من يستنبطون الأحكام منه كثير لانهم لم تكن لديهم كتب ولا قراطيس وانما كان علمهم في صدورهم وإستنباطهم من محفوظهم من كتاب ربهم - ، يحفظ فيه حدود القرآن ، ويضيع حروفه- ليس المقصود أنهم لا يعرفون التجويد لكن المقصود مدح الزمان زمان الصحابة وأن مقصودهم الأعظم إقامة الحدود وليس إقامة الحروف - قليل من يسأل كثير من يعطي ،يطيلون الصلاة فيه ويقصرون الخطبة، يبدون فيه بأعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان ٌ،كثير قراؤه قليل فقهاؤه ،يحفظ فيه حروف القرآن ويضيع حدوده، كثير من يسأل قليل من يعطي ،يطيلون فيه الخطبة ويقصرون فيه الصلاة ،يبدون أهوائهم قبل أعمالهم ) وإنا والله في هذا الزمان والله المستعان!،أيها المسلمون لم يُنزَل هذا الكتاب العظيم لمجرد حفظه في الصدور وتلاوته من المخطوط وقراءته على أهل القبور، إنما أنزله سبحانه لتدبره والعمل به قال سبحانه ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الالباب) والآيات في الأمر بتدبر القرآن كثيرة قال تعالى(وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) لم يقل لعلهم يقرؤنه أو لعلهم يحفظونه أو لعلهم يتلونه قال لعلهم يتفكرون أي لعلهم يتفكرون فيه ويتدبرونه فإذا فعلوا ذلك اهتدوا لصراط الله المستقيم الذي نسأل الله أن يهدينا اليه كل يوم سبعة عشر مرة قال ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) يقول ابن القيم ( وأعلى الفكر وأجلها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة فما كان لله فهو أنواع، الأول الفكرُ في آياته المنزلة وتعقلها وفهمها وفهم مراده منها ؛ولذلك أنزلها الله تعالى لا لمجرد تلاوتها بل التلاوة وسيلة، قال بعض السلف أنزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا!!) ،
عباد الله انه لكي يستشعر العبد حلاوة هذا القرآن وجماله ؛ينبغي عليه ان يتدبره ويفهمه ويعمل به ولا يتسنى له ذلك إلا بفهم معانيه ومعرفة تأويله قال الطبري وهو من علماء التفسير وأئمته ( إني لأعجب ممن يقرأ القرآن ولم يفهم معانيه كيف يتلذذ به؟!) ويقول الزركشي (من لم يكن له علم وفهم وتقوى وتدبر لم يدرك من لذة القرآن شيئا)، وقال ابن تيمية( يدخل في معنى قوله عليه الصلاة والسلام (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) تعليم حروفه ومعانيه جميعا؛ بل تعلم معانيه هو المقصود الأول بتعليم حروفه؛ وذلك الذي يزيد الإيمان) ،ويقول تلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما ( فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه يتفكر ،حتى إذا مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه ، كررها ولو مائة مرة ولو ليلة ، فقراءة آية بتفكر وتدبر خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم ، وأنفع للقلوب ، وأدعى لحصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن، فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب)، أيها الإخوة الكرام لقد شبه الله المعرض عن هذا القرآن الكريم بالحمير فقال ( فما لهم عن التذكرة معرضين* كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة) وأخبر أنه يحمل يوم القيامة وزرا(وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا*خَالِدِينَ فِيهِ ۖ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا)، فالشرُ كل الشرِِ في الاعراض عنه ،والخيرُ كل الخيرِ في الاقبال عليه، فطوبى لمن كان حجة له وويل لمن كان حجة عليه (ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ).
الخطبة الثانية:-
الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجا، الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين ومن تبعه بإحسانِ إلى يوم الدين، أما بعد عباد الله إنه لا سيادة لنا في الدنيا ،ولا فوز لنا في العقبى، إلا بالتمسك بكتاب الله ،علما وفهما ، وتأملا وتدبرا ، وعملا وتطبيقا ، فالقرآن هو عصمتنا ، وبه نجاتنا وسعادتنا ، وقيام ديننا ودنيانا، قال ( لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون) أي فيه شرفكم وصيتكم وفخركم وارتفاعكم في الدنيا والآخرة إن تمسكتم بحبله ، وإن الله سائلنا عن هذه النعمة العظيمة والمنة الجليلة ، هل انتفعنا وارتفعنا بها ، أم هجرناها إلا من قراءة واستماع عابر ، ومنا من جعله وراءه ظهريا قال تعالى ( وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) قال السعدي وَإِنَّهُ أي: هذا القرآن الكريم لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ أي: فخر لكم، ومنقبة جليلة، ونعمة لا يُقادرُ قدرها، ولا يُعرفُ وصفها، ويذكركم أيضا ما فيه الخير الدنيوي والأخروي، ويحثكم عليه، ويذكركم الشر ويرهبكم عنه، وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ عنه، هل قمتم به فارتفعتم وانتفعتم، أم لم تقوموا به فيكون حجة عليكم، وكفرا منكم بهذه النعمة؟! ، لن تسأل هل حفظته أم لا لكن ستسأل هل استجبت له هل تدبرته هل عملت بما فيه؟!، أيها الأحباب إن من أعظم ما يحول بين الناس وتدبر القرآن وتأمله ما ابتلينا به اليوم من معازف وألحان ومزامير شيطان ، تلك المعازف التي استمنكت من قلوب الكثير منا حتى صارت شغفا وحبا ، وان تجاذب الأقطاب المتنافرة من المحال ،
هواك نجدٌ وهواه الشامُ** وذا وذا يا أخيُ لا يلتامُ ، قال ابن القيم ( إن حب قرآنِ وحب ألحانِ في قلب عبد لا يجتمعانِ) ومن تأمل وتدبر أوائل سورة لقمان وجد هذا المعنى قال تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فهو يرغب عن القرآن إلى المعازف والألحان؛ لأن من يشتري يرغب عن الثمن إلى السلعة، عباد الله أننا اليوم لا نعاني من هجر القرآن تلاوةً بقدر ما نعانيه تدبراً ، فحفاظُ القرآن بمئات الآلاف، وخلاوي القرآن ومراكز تحفيظه وحلقات قراءته بالآلاف ،لكن أهله عشرات بل آحاد !، وإنك لتجد حفاظ القرآن كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة ، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).