مناقشة قول العلامة الشنقيطي : إن الأمم السابقة لم تكن معذروة بالنسيان !

قال العلامة الشنقيطي :قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي).ظاهر هذه الآية أن آدم ناس للعهد بالنهي عن أكل الشجرة، لأن الشيطان قاسمه بالله أنه له ناصح حتى دلاه بغرور وأنساه العهد، وعليه فهو معذور لا عاص.
وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) [20 \ 121] .
والجواب عن هذا من وجهين:
الأول: هو ما قدمنا من عدم العذر بالنسيان لغير هذه الأمة.
الثاني: أن نسي بمعنى ترك، والعرب ربما أطلقت النسيان بمعنى الترك ومنه قوله تعالى: فاليوم ننساهم الآية [7 \ 51] ، والعلم عند الله تعالى." انتهى دفع إيهام الاضطراب (ص: 155)

قلت : ذكر العلامة عددا من الأدلة على أن العذر بالنسيان والخطأ والإكراه من خصائص هذه الأمة أسوقها با ختصار مع التعليق عليها بما يفتح الله ( وأعتذر عن حدة الأسلوب فقد كتب هذا الكلام في سن الشباب وهو مظنة الطيش ) [1] :

1- قال : من الأدلة الدالة على أن العذر بالنسيان والخطأ والإكراه من خصائص هذه الأمة. قوله هنا (فنسي )مع قوله (وعصى) فأسند إليه النسيان، والعصيان، فدل على أنه غير معذور بالنسيان.

قلت: نعم لكن ليس في الآية ما يخصص النسيان بمعنى السهو وقد سبق أنه يرد في كلام العرب بمعنى الترك أيضا فلا يمتنع ان يراد به الترك ، وهو قول أكثر المفسرين ، ومثله قوله تعالى ( وقيل اليوم ننساكم كما نستم لقاء يومكم هذا ) والله لا ينسى شيئا وهم لم ينسوا لقاء الله سهوا لكنهم كفروا به وأعرضوا عنه وتركوه وراءهم ظهريا .

2- قال : ومما يدل على هذا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة : أن النبي لما قرأ ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ..) قال الله نعم قد فعلت " فلو كان ذلك معفوا عن جميع الأمم لما كان لذكره على سبيل الامتنان وتعظيم المنة عظيم موقع .
قلت : يغفر الله للشيخ ، ما أعجب مقاله ! كيف يقال إن عفوه عن اللاحقين ليس فيه كبير منة أو عظيم فضل إذا كان قد عفا من قبل عن السابقين ! أفيرى أن عفوه عن الأولين يسلتزم عفوه عنا بلا تكلف سؤال منا ، أوعظيم منة منه ؟! لا والله ما نقول هذا أبدا ، ولكنا نقول:إن فضله على الأولين والآخرين هو أعظم الفضل ، ومنته على السابقين واللاحقين هي أعظم المنة . ونقول ما هو خير من ذلك نقول :إن في عفوه عن السابقين مضاعفة للمنة على اللاحقين وليس العكس ، فإن عفوه سبحانه عنا بعد عفوه عن آبائنا يلزمنا شكر نعمته علينا ونعمته على آبائنا ! ولنا في نبي الله سليمان الأسوة حين قال:( رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه )[2] .

3- قال : ويؤيد ذلك حديث " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "[3] فقوله " تجاوز لي عن أمتي " يدل على الاختصاص بأمته لأن مناط التجاوز عن ذلك هو ما خصه الله به من التفضيل على غيره من الرسل .
قلت : أما الحديث فليس فيه إلا أن الله قد تجاوز عن هذه الأمة وليس فيه نفي أن يكون قد تجاوزعن أمم أخرى إلا أن يقول فيه الشيخ ما قاله في آية البقرة وقد مر جوابه . ولقد راجعت روايات الحديث فلم أر فيها ما يدل على أن هذا من خصائصه التي فضل بها على الأنبياء ، ولو كانت منها لصرح بها كما في قوله " فضلت على الأنبياء بخمس.." .
والحديث فوق ذلك ضعيف معلول[4] كما نطق بذلك الشيخ نفسه ، وليس يغني بعد ذلك قوله " إن له شواهد ثابتة في الكتاب والسنة ، ولم يزل علماء الأمة قديما وحديثا يتلقونه بالقبول " .
فإنه إن كان يريد بشواهد الكتاب والسنة الشواهد على عدم مؤاخذة هذه الأمة بالخطأ والنسيان فهذا مُسلّم وليس خلافنا فيه ، وأما إن كان يريد أن ثمة شواهد ثابتة من الكتاب والسنة على اختصاص هذه الأمة بهذا العفو فأين هي ؟ وما الذي اضطره إلى الضعيف المعلول وعنده الشواهد الثابتة من الكتاب والسنة ؟! .
نعم الدليل قائم في كتاب الله لكنه على عدم المؤاخذة بالنسيان أعني بذلك قوله تعالى ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) فهو خبر عام في الأزمان والأشخاص ، فمن ادعى تخصيصه بعصر دون عصر أو بشخص دون شخص لزمه دليل التخصيص وإلا فالآية على عمومها لا يصرفها عنه صارف .

هذا ولقد هداني الله عزوجل إلى دليل من كتابه الكريم يمكن أن يستأنس به على أن عدم المؤاخذة بالنسيان ليس من خصائص هذه الأمة بل كان موجودا في شرائع سابقة ، أعني بذلك قوله تعالى على لسان موسى ( قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا )[5]. فلو لم يكن النسيان عذرا مقبولا لما اعتذر به موسى ولما قبله منه الخضر .

ودليل آخر من صحيح السنة المطهرة فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي قال :" احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ؟ قال له آدم : يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة .! فحج آدم موسى فحج آدم موسى ثلاثا "[6] فبضم هذا الحديث إلى الآية السابقة يخرج وجه من الاستدلال دقيق ، حاصله أن آدم لو كان ناسيا لما استجاز موسى لنفسه أن يلومه على نسيانه وهو الذي اعتذر به للخضر من قبل فعذره . فما كان ليسيغه لنفسه ثم يعاتب عليه الآخرين . فدل على أن موسى لم يعتقد أن آدم كان ناسيا وإلا لعذره بنسيانه كما اعتذر هو من قبل بالنسيان فعذره الخضر وقبل عذره . وبعبارة أخرى يمكن أن يقال :إن موسى قد أنكر على الخضر أن يؤاخذه بنسيانه وعد ذلك من العسر والحرج ، فكيف يسوغ له بعد ذلك أن يلوم آدم في نسيانه . لا يليق هذا بموسى أن يأتي بنفسه ما أنكره على غيره ! فلم يبق إلا أن يقال إن موسى ما كان يعتقد أن آدم كان ناسيا حين أكل من الشجرة . فعاتبه كما سمعنا واعتذر آدم أيضا بالقدر ولم يعتذر بالنسيان .


[1] - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن :3/72.

[2] - النمل :19.

[3] - رواه بن ماجة :1/659 ، وابن حبان : 16/202 ،والدارقطني : 4/170 ، والطبراني في الصغير : 2/52، والكبير : 2/97، والبيهقى في السنن الكبرى : 6/84. والحاكم في المستدرك :2/216.

[4] - الحديث قال فيه ابن أبي حاتم في العلل سألت أبي عنها فقال هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة وقال في موضع آخر منه لم يسمعه الأوزاعي من عطاء إنما سمعه من رجل لم يسمه أتوهم أنه عبد الله بن عامر الأسلمي أو إسماعيل بن مسلم قال ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت إسناده .
وقال عبد الله بن أحمد في العلل سألت أبي عنه فأنكره جدا وقال ليس يروى هذا إلا عن الحسن عن النبي
وقال محمد بن نصر : ليس له إسناد يحتج بمثله .
وقال الحاكم هو صحيح غريب تفرد به الوليد عن مالك .
وقال البيهقي ليس بمحفوظ عن مالك .
ورواه الخطيب في كتاب الرواة عن مالك في ترجمة سوادة بن إبراهيم عنه وقال سوادة مجهول والخبر منكر عن مالك .
ورواه بن ماجة من حديث أبي ذر وفيه شهر بن حوشب وفي الإسناد انقطاع أيضا .
ورواه الطبراني من حديث أبي الدرداء ومن حديث ثوبان وفي إسنادهما ضعف .
وصححه ابن حبان وقال النووي إنه حسن .
قال ابن حجر :وأصل الباب حديث أبي هريرة في الصحيح بلفظ إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم والله أعلم . انظر : العلل ومعرفة الرجال لعبد الله بن الإمام أحمد : 1 / 561 ، وعلل ابن أبي حاتم : 1 / 431، والتلخيص الحبير لابن حجر : 1 / 282 ، كشف الخفاء للعجلوني : 1/ 523 .


[5] - الكهف :73.

[6] - صحيح البخاري :كتاب القدر ، باب تحاج آدم وموسى ثَم الله (6240) .