مسألة رَسْم الجداريات عموماً أو رسم جدارية الملك على وجه التخصيص ، تحتاج إلى بسط وتفصيل .كما قال الله تعالى : ” وقد فصَّل لكم ما حرَّم عليكم إلا ما اُضطررتم إليه “( الأنعام : 119) .

وكما يقول فُقهاء الأحناف في مثل هذه المسائل : ” العِبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني ” .

وهي مسألة تُثار – في نظري – عند رحيلهم أو عند الحاجة لشفاعتهم للإسترزاق بهم .


ومثل هذه المسائل التي تبدو مُشكلة أو مُستغلقة على الفهم ، يجب رُّدها إلى المقاصد ، لأنه بمعرفة المقاصد تتضح الموازين الشرعية والبدعية ، كما في حديث ابن الُّلتبية مرفوعًا : ” هلاَّ جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيُهدى إليه أم لا ؟ ” . أخرجه البخاري .


وقد قال بعض شُراح الحديث: ” يُستفاد من هذا الحديث أن دلالة الحال مُعتبرة ، لمعرفة القصد الباعث على الأمر ” . أهـ .

وقد يقول بعض الناس إن هذه المسألة نازلة ، وهذا غلط لا مِرية فيه ، فهي مسألة قديمة لها نظائر كما سيأتي في آخر هذا التحرير.

وقد قصَّت ُأم حبيبة وأم سلمة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ما شاهدتاه في الحبشة من الصُّور المُعلَّقة والمنحوتة على الجدران ، فقال لهما : ” إن أولئك شرار الخلق عند الله ” . وهو مخرج في الصحيحين .
ومن بدهيات البحث الأصولي لإستنباط الحكم الصحيح للمسائل المُشكلة أن تُطرح الأوصاف الزائدة ، كالوصف الطردي ، ويُضَّيق مجالها ، وتُحصر الأوصاف المعتبرة للنظر فيها ، لمعرفة مناط الحكم وفهمه .


فليس من جزئيات البحث في هذه المسألة : التقديس أو التبرك بالملوك أو تعظيمهم ، وإن كانت غير مُستبعدة ، لأنها من مسائل الشرع . لكن ليست من حيثيات البحث هنا .


ومصطلح الرسم لا يُراد به حقيقته إنما مفهومه ، فقد يكون العمل المرسوم نحتاً أو نقشاً أو حفراً . وهذا أبلغ في النهي ، لأن الزجر في الأحاديث جاء عنها ، لِعلة التجسيم .


والجداريات : المكان المرسوم عليه ، وهي الحوائط التي يشاهدها الناس أو الجبال المرتفعة أو ما شابهها .
والملك المسلم أو الرئيس أو الأمير أو ولي الأمر ، الواجب : الدعاء له ومعاونته على الخير ومناصحته بالسِّر. وقد قال الإمام أحمد( ت: 241هـ) رحمه الله تعالى : ” لو كانت لي دعوةٌ مستجابة لجعلتها للسلطان ” .

وهذه المقولة تُنسب أحياناً للفضيل بن عياض( ت: 187هـ) تعالى .

وليس من حقوقه المنصوصة في الشرع أن يُعظَّم فوق درجته التي أنزله الله إياها ، لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ، لأن ذلك يُفضي إلى الغلو المذموم شرعاً ، وقد يكون من أسباب شرك الطاعة كما في حديث عدي بن حاتم – – قال: أتيتُ النبي – – وفي عُنقي صليب من ذهب ، فقال : ” يا عدي اطرح عنك هذا الوثن “، فطرحته ، وسمعتُه يقرأ في سورة براءة : ” اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم ، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون” (التوبة: 31) فقلت : إنا لسنا نعبدهم ، فقال : ” أليس يُحرِّمون ما أحل الله فتحرمونه ؟ ، ويحلُّون ما حرم الله فتستحلونه ؟ ” قلت : بلى ، قال : « فتلك عبادتهم” . أخرجه الترمذي بإسناد صحيح .


فيستفاد من هذا الأثر ذمُّ تعليق ما لا يُرضي الله ولا شرعه ، في الرقبة أو في غيرها، لأنها سبب للقدح في التوحيد .
ومسألة رسم جدارية الملك يمكن مُعالجتها من زاويتين : الأولى : حكم الإسترزاق بصور الملوك والعظماء . والثانية: حكم رسم الصور وتجسيمها .
فالاسترزاق بصور الملوك برفعها أو إظهارها ، أو بنصبها في أماكن عالية بقصد الحصول على هِبات أو مكآفات أو شرهات ،عملٌ مُحدث لا أصل له في السُّنة ، وقد يكون وسيلة للشرك الخفيّ عياذاً بالله تعالى .
فالملوك عباد لله لا يملكون ضراً ولا نفعاً، إلا بمشيئة الله وحده . ووسائل الرزق توقيفية لا يجوز إبتداع وسيلة لا أصل لها في الشرع .
ولسان حال أُولئك أن الرزق لا يكون إلا بالقوة . وقد قال الإمام الشافعي( ت: 204هـ) تعالى : ومن ظنَّ أن الرزق يأتي بقوةٍ … لما أكل العصفورُ شيئاً مع النسرِ .
وقديماً كان عامة الناس إذا احتاجوا من الملوك شيئاً ، أخبروهم بنسبهم وبقبائلهم، أو أنشدوا فيهم الأشعار والقصائد ، أو سألوهم مباشرة وأعلموهم بحاجتهم لتفريج كربتهم .
وهذه عادتهم من وقت سيف بن ذي يزن ملك اليمن ( توفي قبل البعثة المحمدية ) الذي وفد عليه عبد المطلب بن هاشم ، جدِّ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحاضر .
وقد ثبت أن الرسول قال للرجل الذي جاء يسأله : ” لأَن يَأْخُذَ أَحَدُكُم حَبلا ، فَيَأْتِي بِحُزْمَة مِنْ حَطَبٍ فَيَبِيعَهَا ، خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوه” . وقد علَّق الإمام أِبن حِبان (ت: 354هـ ) تعالى على هذا الحديث فقال :” الواجب على العاقل مُجانبة المسألة على الأحوال كلها ، ولزوم ترك التعرض ، لأن الإفكار في العزم على السؤال ، يورث المرء مهانة في نفسه ، ويحطه رتوة عَن مرتبته ، وترك العزم على الإفكار في السؤال ، يورث المرء عِزاً في نفسه ، ويرفعه درجة عَن مرتبته ” أهـ .
فمسألة الإسترزاق بصور الملوك يتوقف الحكم فيها على ظاهر العمل لا على النية والمقصد ، لأن النية هنا غير مؤثرة في الحكم ، كما نبَّه على ذلك الُأصوليون في باب مبحث النيات .
وعليه فيكون هذا العمل كالاستجداء وطلب المال بماء الوجه ، وهو محرم شرعاً ، لأنه من أكل أموال الناس بالباطل ، وليس من عمل المسلمين قديماً ولا يُقرُّه شرع ولا عُرف كما تقدَّم .
أما إن كان المقصد من نقشِ ونحتِ جدارية المَلك الرسم لا غير ، فتنقلب المسألة من كونها عقدية إلى فقهية حكمية.
وفي صحيح مسلم مرفوعاً : ” الذين يصعنون هذه الصُّور يُعذَّبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خَلقتم” .
والمقصود بالصور في الحديث ذوات الأرواح . وقد قال الإمام النووي ( ت: 676هـ ) تعالى : ” إن التحريم بإجماع العلماء ” . لكن إذا قُطعت صورة الرأس انتقض التحريم لحديث : ” الصورة الرأس ، فإذا قُطع فلا بأس ” أخرجه الإسماعيلي في المعجم . وقد ورد هذا الحديث مرفوعاً وموقوفاً ، وإسنادهما صحيح كما نبَّه على ذلك الألباني تعالى .
وفي ُسنن أبي داود في حديث جبريل عند زيارته للرسول وفي بيته تماثيل، أبى جبريل أن يدخل وقال : ” فَمُرَّ برأس التمثال الذي في البيت ، فَيقطع فيصير كهيئة الشجرة ” إسناده صحيح .
فنقش ذوات الأرواح ونحتها وتعليقها محرم ويوجب الوعيد كما تقدم قريباً .
ويستوي في ذلك النقش والنحت والرسم إذا كان الوصف على ذوات الأرواح . وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود مرفوعاً : ” أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة المُصوِّرون “. و المقصود به الصور المُجسَّمة ، سواء بالنحت أو النقش على الحجر أو الصخر أو الجُدران.
أما التصوير غير المُجسَّم لذوات الأرواح ، ففيه خلاف ، والراجح عندي أنه مُحرم لعموم النهي عن التصوير لغير حاجةٍ ملزمة . فهو من العبث المحرم .
أما مسألة حبس الظِّل بالكاميرا أو بالفيديو، فهي جائزة وليست محلِّ البحث هنا . لكن نبَّهتُ عليها حتى لا تختلط بالمسألة المُشار إليها .
والصورة التي ورد النهي عنها هي ما كانت صورة لما له روح، لحديث سعيد بن أبي الحسن قال : كنتُ عند ابن عباس إذ أتاه رجلٌ فقال: يا أبا عباس إني إنسانٌ إنما معيشتي من صنعة يدي ، وإني أصنع هذه التصاوير، فقال ابن عباس لا ُأحدثك إلا ما سمعتُ رسول الله يقول، سمعته يقول: من صوَّر صورة فإن الله مُعِّذبه حتى ينفخ فيها الروح ، وليس بنافخ فيها أبداً. فربا الرجل ربوة شديدة واصفرَّ وجهه ، فقال ويحك إن أبيتً إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر كل شيء ليس فيه روح . أخرجه البخاري .
فَيُستفاد من هذا الأثر وجوب تَحرِّي الحلال عند الإسترزاق بهذه المهنة إن أُبتلي المرءُ بها .
وختاماً فإن محبة الملك المسلم ومكانته محفوظة وفوق الرأس ، لكن حِفظ جَناب التوحيد وبراءة الذمة أعظم لأنها الأساس. فالمسألة عقدية تتعلَّق بها الذِّمم لحديث : ” يقول الله تعالى : الكبرياءُ ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدًا منهما ألقيته في النار ” أخرجه أبو داود بإسناد صحيح .


والمقصود أن حُكم المسألة – بحسب تحريري – على ضوء طُرق الدلالة الأربع : دلالة العبارة ودلالة الإشارة ودلالة النص ودلالة الاقتضاء ، تُفيد بعدم جواز هذه الجداريات، لِمخالفتها للنصوص ولعبثيتها ولمنافاتها للمصالح المعتبرة ديناً ودنياً وخُلقاً ، وخشية الغلو فيها . والله الهادي.

هذا ما تيسر تحريره، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )

http://ahmad-mosfer.com/1500