ورد الحديث عن سيدنا موسى في القرآن الكريم، أكثر من سائر الأنبياء، حتى قال بعض علماء القران كاد القران كله أن يكون لموسى فقد ورد اسم موسى في القران أكثر من مائة مرة، في أكثر من ثلاثين سورة...
وإذا تأملنا حديث القران عن موسى نجد أن رسالته كانت جولتان خاض في كل جولة منهما ملحمة كبرى الجولة الأولى كانت مع فرعون وقومه والجولة الثانية كانت مع بني إسرائيل وبدأت الجولة الأولى بالنداء عليه من قبل الله من جانب الطور الأيمن إذ جاءه التكليف الإلهي" اذهب إلى فرعون انه طغى " وكانت الجولة الثانية بعد هلاك فرعون وخروج بني إسرائيل من مصر بعد أن نجاهم الله من عذاب واضطهاد الفرعون .
وقد خاض موسى الجولة الأولى ملحمة كبري من الصراع مع الطغيان والاستكبار ممثلا في فرعون وقومه وخاض ملحمة أخرى في بناء الأمة وإعادة تأهيلها بعد فترة الاستعباد والاضطهاد في الجولة الثانية فالمرحلة الأولى من رسالته كانت مرحلة الهدم والمرحلة الثانية مرحلة البناء وإذ تأملنا حديث القران عن كلا المرحلتين نجد أن القران قد استفاض في الحديث عن المرحلة الأولى في العهد المكي فورد الحديث عن صراع موسى مع فرعون في سورة الأعراف وطه والشعراء والنمل والقصص والنازعات وكلها سور مكية وقد ناسب الحديث عن مرحلة مقاومة الطغيان والاستكبار المرحلة المكية حيث يواجه النبي صلي الله عليه وسلم قوى الشرك العتيدة في مكة ويصارع صناديد الاستكبار العالمي المتمثل في أهل مكة وقتها أما المرحلة الثانية وهي مرحلة البناء بناء أمة بني إسرائيل وتجربتهم مع الوحي فقد عرضها القران في العهد المدني فورد الحديث عن انحرافات بني إسرائيل وتعنتهم مع موسي في سورة البقرة والنساء والمائدة والحشر والصف والجمعة حتى ان سورة الحشر سميت باحد فصائلهم سورة بني النضير وهكذا وهو يتناسب متطلبات المرحلة المدنية والمسلمون يقيمون دولتهم على هداية الوحي إذ يعرض لهم تجارب من سبقوهم وتجاربهم مع الوحي
هذا الشمول والاستيعاب والاستفاضة في عرض رسالة موسى في كلا المرحلتين كان القران يرسم للمسلمين طريقهم في بناء أمتهم سواء في مواجهة الطغيان أو ببناء أمة الوحي وهو ما يبرر كثرة اهتمام القران بالحديث عن موسى حتى قال عنه بعض علماء القران كاد القران أن يكون كله لموسى فهي تمثل في احد شقيها مرحلة صراع الحرية مع العبودية وصراع الكرامة مع الطغيان وفي الشق الثاني مرحلة إعادة بناء النفوس وإعادة تأهيلها بعد مرحلة العبودية والطغيان و بناء المجتمع المؤمن على هداية الوحي
ملامح مشتركة في المرحلتين من قصة موسى

ومما يلفت نظرنا في العرض القرآني لحياة هذا النبي الكريم في المرحلتين ما يلي :-
أولا :- كانت كل جولة تبدأ بلقاء علوي جليل مع الله ولان موسى اختص من بين الأنبياء بأنه كليم الله أي يتكلم مباشرة مع الله بدون واسطة فقد استدعي موسى قبل كل مرحلة للقاء المباشر مع الله يعطيه التكليف ويزوده بالآيات التي تعينه على أداء رسالته ففي الجولة الأولى بدأت من جانب الطور الأيمن اذ ناده ربه بالوادي المقدس طوى قائلا له إنني أنا الله لا اله أنا " ثم أراه الآيات الكبرى من العصا واليد وغيرها وقال له " بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون " وسنتكلم عن هذا اللقاء تفصيلا وفي الجولة الثانية واعده ربه ثلاثين ليلة أتمها عليه بعشر فكانت أربعين ليلة وفي هذا اللقاء أعطاه التوراة وفي نسختها هدي ورحمة للذين هم لربهم يرهبون وسنتكلم عنها تفصيلا وعموما فقد أعطاه الله في اللقاء الأول اية العصا عندما كان ذاهبا إلى فرعون وأعطاه في اللقاء الثاني التوراة فيها هدي ونور عندما كان ذاهبا لبني إسرائيل
ثانيا :- سنرى أن الجولة الثانية كانت اصعب واشق من الأولى أي أن مرحلة إعادة تأهيل بني إسرائيل ليكونوا أمة الوحي كانت اصعب واشق من جولة الصراع مع الفرعون وهذا هو الوضع الطبيعي فمرحلة البناء اصعب من مرحلة الهدم " فقد حكى القران هذا الموقف " فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا " وحكى "وألقى الألواح واخذ براس أخيه يجره إليه " وهي مواقف لم تحدث في مرحلة الفرعون وسنتناول ذلك تفصيلا .
ثالثا :- تحققت نتائج المرحلة الأولى كاملة في حياة موسى فهلك فرعون وجنوده واغرقوا وادخلوا نارا وشاهد موسى وقومه هذا المصير أما المرحلة الثانية فقد مات موسى ولم تنتهي بعد اذ جاء بعده أنبياء يكملون مسيرته وقفي بعيسي ابن مريم حتى ختموا بمحمد وسنتناول ذلك تفصيل.
سؤال يطرح نفسه قبل البدء بتناول حديث القران عن موسى

كان كل رسول يرسل إلى قومه خاصة فهل فرعون من قوم موسى ؟ أم أن موسى من بني إسرائيل وقومه فقط هم بنوا إسرائيل ؟ خاصة انه لم ترد آيه في القران تقول أن فرعون وملأه كانوا من قوم موسى بل اقتصر إطلاق لفظ قوم موسى على بني إسرائيل فقط وفي هذه الحالة فلماذا أرسل إليه إذ ا؟ وما ذا كانت مهمته التي أرسل بها إلى فرعون؟ خاصة أن القران يصرح في بيان المطالب التي توجه بها موسى إلى فرعون هو( أن أرسل معنا بنى إسرائيل ) الشعراء (17) (فأرسل معي بنى إسرائيل ) الأعراف 105 ( فأرسل معنا بنى إسرائيل ولا تعذبهم ) طه 47. وكأن مهمته قاصرة على نجاة بنى إسرائيل بل اكثر من هذا ففي سورة الشعراء كان التكليف الإلهي لموسى واضحا ( فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين) (16 ) أن أرسل معنا بنى إسرائيل ) (17) إذا أين الدعوة للتوحيد وهى مهمة الرسل الأولى هذه أسئلة مهمة نرى ان الإجابة عنها تمثل مدخلا جيدا عند استعراض حديث القران عن هذه المرحلة وهو ما سنتناوله في الحلقة القادمة