انتهينا في الحلقة السابقة أن القران عادة ما يبدأ المرحلة الأولى من رسالة النبي موسي بهذا اللقاء المقدس بين موسي وربه بالواد المقدس من جبل الطور أما الفترة الماضية من حياة هذا النبي الكريم قبل تكليفه بالرسالة فقد انفردت بها سورة القصص لتبدآ بها الحديث عن نبي الله موسي إذ بدا الحديث بقوله تعالى" وأوحينا الى أم موسي أن ارضعيه " أما باقي السور فتورد هذه الفترة من حياة موسي في أثناء حديثه مع ربه بالواد المقدس كتذكرة له بنعمة الله عليه منذ الطفولة وانه كان محل عناية ورعاية الله منذ الولادة .
نقل لنا القران الكريم هذا اللقاء المقدس تفصيلا في ثلاث سور منه هي سورة طه وسورة النمل وسورة القصص
الموضع الأول في سورة طه :- يقول تعالى" وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (34) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) .
الموضع الثاني في سورة النمل :- يقول تعالى "إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ (10) إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (12)
الموضع الثالث في سورة القصص:- يقول تعالى " فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بَأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّـكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الوَادِ الأَيْمَنِ فِي البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يَعْقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (32) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الغَالِبُونَ (35) .
إن الإنسان ليقشعر بدنه ويرتجف قلبه ويهتز كيانه كله عندما يعيش مع هذه الآيات ويتخيل أن رب العزة ذا الجلال والإكرام يستدعي عبدا من عباده الى هذه البقعة الفسيحة من الأرض ويصطفيه من بين باقي البشر برسالاته وبكلامه ويناديه بطريقة يسمعها ويعيها هذا العبد ليقول له الله" وأنا اخترتك فاستمع الى ما يوحي " وقد قرئت بنون العظمة " وأنا اخترناك " يالله ....... إن الآيات تنقل لنا هذه الموقف بكل جماله وجلاله وهيبته وتكاد تنقلنا الى هناك الى شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة حيث نستمع الى الحوار الذي دار بين موسي وربه وهو يتلقى خطاب التكليف الإلهي بالذهاب الى ممثل قوى الاستكبار والطغيان العالمي وقتها " اذهب الى فرعون انه طغى " لقد فهمت الآن لماذا عندما استمع عمر بن الخطاب الى هذه الآيات لم يجد نفسه إلا وهو في هذه الحظيرة المقدسة من نور الإيمان لينطق بالشهادتين وليلتحق بالركب المبارك مع رسول الله . وفهمت ايضا لماذا يبدأ القران الحديث عن هذا اللقاء بخطاب موجه الى النبي صلي الله عليه وسلم " هل أتاك "
وتعالوا معنا نتأمل هذا اللقاء في وقفات متتابعة
الوقفة الأولى : دوافع موسي للذهاب الى وادي الطور
ركزت الآيات التي نقلت لنا هذا المشهد في السور الثلاث طه والنمل والقصص على نقل الباعث لموسي للذهاب الى هذا الواد وقد ذكرت في ذلك غرضان هما ان يأتي بقطعة من النار يستدفئ بها هو وأهله من برد الليل القارس أو يجد عندها قوما يهدونه الطريق " لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى وفي سورة النمل "سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ " وفي القصص" لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّـكُمْ تَصْطَلُونَ "ويبدوا انه قد سار طويلا في ليل موحش بارد فما ان رأي النار إلا وقد اطمئن واستأنس بها فقال اذهب اليها فعسي ان يكون عندها قوما يرشدونه الى الطريق وإلا فسيأتي بجذوة أي قطعة من النار مشتعلة لكي يستدفئ بها هو وأهله وتركيز القران لإظهار هذا الباعث وتكراره كلما جاء الحديث عن هذا الموقف ليقرر حقيقة ان موسي لم يدر بخلده يوما أن يكون رسولا أو نبيا وانه ما ذهب الى الوادي إلا ليأتي بخبر أو قطعة من النار يستدفئ بها أهله فهذه الآيات تقرر أن الأنبياء إنما فوجئوا بذلك دون انتظار منهم لان النبوة اصطفاء واختيار لا اكتساب واجتهاد يقول الغزالي في معارج القدس: اعلم أن الرسالة أثرة علوية، وحظوة ربانية، وعطية إلهية، لا تكتسب بجهد، ولا تنال بكسب الله أعلم حيث يجعل رسالته وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ... فليس الأمر فيها اتفاقيًا جغرافيًا؛ حتى ينالها كل من دب ودرج، أو مرتبًا على جهد وكسب؛ حتى يصيبها كل من فكر وأدلج،. اهـ
وما دامت النبوة والرسالة اصطفاء من الله واختيار فان الذي يترتب علي ذلك أن الله لن يترك عباده المرسلين بل يقف معهم وينصرهم وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) الصافات.
وفي هذا تثبيت لقلب النبي صلي الله عليه وسلم في مواجهة أعدائه ولذلك يقول في آخر السورة" وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) القصص وفي هذا تجريد للنبوة والرسالة عن أي مكونات أو استعدادات أو مشاعر بشرية وطمأنينة لقلوب الأنبياء فطالما أن الله هو الذي اختارهم فلن يتركهم .
ولقد كان من مقتضيات تفرد الله باختيار العبد أن يكون نبيا أو رسولا أن يزوده بالآيات التي تعضده وتساعده على مهمته وسنتكلم عنها في الحلقة التالية .