احتوت الفترة الماضية من حياة سيدنا موسي على ثلاث محطات رئيسية الأولى ولادته وكيف نجاه الله من فرعون وأعاده الى أمه كي تقر عينها ولا تحزن والثانية عندما بلغ أشده واستوي ودخل المدينة وحدثت واقعة قتل القبطي والثانية فراره من مصر الى ارض مدين ومقابلة شيخها وزواجه تلك هي المحطات الرئيسية في حياة سيدنا موسي قبل يأتيه التكليف بالرسالة وقد عرض القرآن هذه المحطات الثلاثة من حياة موسي في سورتين من القرآن هما "طه" "والقصص" ففي سورة طه قال تعالي " قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) طه .
وفي سورة القصص بدا الحديث عن هذه الفترة بقوله تعالى " وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) القصص .
وقفات مهمة مع الآيات التي عرضت لهذه الفترة
الوقفة الأولى :-كل سورة عرضت هذه الفترة بطريقة مختلفة فبينما أوجزت سورة طه في عرض هذه الفترة كانت سورة القصص أكثر تفصيلا وإسهابا حيث عرضت قصة قتل القبطي كاملة كما عرضت رحلته الى ارض مدين كاملة واكتفت سورة طه بالإشارة إليهما
الوقفة الثانية :- جاء عرض هذه الفترة في كلا السورتين في سياق المن من الله سبحانه وتعالي والتذكير بنعمه لكن المن في سورة طه كان على موسي وتذكير بنعمة الله عليه في صغره "" قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) " أما المن في سورة القصص فكان منا على المستضعفين في الأرض بإرسال رسول منهم يخلصهم من الطغيان ويكون تحريرهم على يديه " وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) القصص.
الوقفة الثالثة :- هذه الفترة من حياة موسي وان كانت سارت بترتيب الهي وتحت رعاية القدرة الإلهية إلا أنها سارت ايضا حسب مجريات الأمور العادية و خلت من معجزات خارقة للعادة وكانت يد القدرة والحكمة تستتر وراء تلك السنن العادية لتصل الى نتيجة اقرب الى المعجزة وهو نجاة الطفل من اليم ونجاته من أيدي أعدائه ورجوعه الى أمه وجعله رسولا كان هلاك فرعون علي يديه لقد تحركت الأم بعاطفتها فوضعت صغيرها في تابوت من الخشب محكم لا يتخلله الماء وألقته في اليم خوفا عليه من القتل وأرسلت أخته وراءه تتبع سيره وتقص أثره فوقع الصندوق في يد آل فرعون وانقسموا بشأن مصير الطفل فمن قائل بتطبيق القانون العام عليه وهو قتل أبناء بني إسرائيل ومن قائل بعدم قتله واتخاذه ولدا وكان من تزعم هذا الرأي هي امرأة فرعون وقد وقع حب الصغير في قلب كل من نظر إليه فغلب الرأي القائل ثم احتاروا بعد ذلك في إرضاعه بعد أن امتنع الصغير عن الرضاعة من أي احد وهنا تدخلت أخته التي كانت تراقب الموقف لتدلهم على امرأة ترضعه فعاد الصبي مرة أخرى الى أمه إذا هي أحداث عادية يمكن ان تحدث في أي مكان وتصل الى ذات النتيجة فيمكن أن يلقي الطفل هنا أو هناك فلا يموت ويمكن أن يمتنع الطفل عن الرضاعة من أي احد وقد رأينا أنه يمكن أن يلتقط الطفل أسرة تتبناه وقد رأينا ذلك لكن ما حدث مع موسي يقصه القرآن علينا انه كان بترتيب إلهي ورعاية خاصة لكي يصل الى ان يكون رسولا الى فرعون وسيكون هلاك الفرعون على يديه .
والقرآن بهذا يقص علينا أن الطغيان يحمل في طياته بذور هلاكه وبذور الثورة عليه تنبت في أرضه وتسقي من ماءه فلايزول الطغيان بخارقة أو معجزة او حدث كوني ضخم بل يزول على أيدي أحرار نشؤا في أرضه يعدهم الله لهذا الغرض ويزول الطغيان حسب السنن العامة في حركة الحياة وحسب مجريات الأمور العادية وقد لمح الشهيد سيد قطب أن هذه هي الحكمة من تقديم مرحلة الميلاد عن مرحلة الرسالة في سورة القصص عند الحديث عن المستضعفين وعرضها بتفصيل أكثر دون بقية باقي السور فيقول في الظلال " ولقد كانت قصة موسى تبدأ غالباً في السور الأخرى من حلقة الرسالة لا من حلقة الميلاد حيث يقف الإيمان القوي في وجه الطغيان الباغي؛ ثم ينتصر الإيمان وينخذل الطغيان في النهاية. فأما هنا فليس هذا المعنى هو المقصود؛ إنما المقصود أن الشرّ حين يتمحض يحمل سبب هلاكه في ذاته؛ والبغي حين يتمرد لا يحتاج إلى من يدفعه من البشر؛ بل تتدخل يد القدرة وتأخذ بيد المستضعفين المعتدى عليهم، فتنقذهم وتستنقذ عناصر الخير فيهم، وتربيهم، وتجعلهم أئمة، وتجعلهم الوارثين.أ ه
وسنتناول في الحلقة التالية المحطة الثانية من حياة موسي وهي قتل القبطي