فوائد في قوله تعالى: لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ..

قال الله تعالى في سورة لقمان: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّـهِ الْغَرُورُ ﴿٣٣.

لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ.. [لقمان: 33] بدأ بالوالد أولاً لأن الوالد مظنّة الحنان على الولد، وحين يرى الوالد ولده يُعذَّب يريد أنْ يفديه، فقدَّم هنا (الوالد) ثم قال: وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً.. [لقمان: 33] فقدم المولود، وفرْق كبير بين ولد ومولود؛ لأن المسلمين الأوائل كان لهم آباء ماتوا على الكفر، فظنوا أن وصية الله بالوالدين تبيح لهم أنْ يجزوا عنهم يوم القيامة، فأنزل الله هذه الآية تبين لهؤلاء ألاَّ يطمعوا في أنْ يدفعوا شيئاً عن آبائهم الذين ماتوا على الكفر.

لذلك لم يقل هنا ولد، إنما مولود، لأن المولود هو المباشر للوالد، والولد يقال للجد وإنْ علا فهو ولده، والجد وإنْ علا والده، فإذا كانت الشفاعة لا تُقبل من المولود لوالده المباشر له، فهي من باب أَوْلَى لا تُقبل للجدِّ؛ لذلك عَدل عن ولد إلى مولود.

وأتى في الإسناد إلى الوالد بالفعل يَجْزِي المقتضي للتجدد، لأن شفقته متجددة على الولد في كل حال، فالتعبير بالمضارع إشارة إلى أن الوالد لا يزال تدعوه الوالدية إلى الشفقة على الولد، وتجدد عنده العطف والرقة، وأتى في الإسناد إلى الولد باسم الفاعل جَازٍ ، لأنه يدل على الثبوت، والثبوت يصدق بالمرة الواحدة، فعبر هنا بالاسم الفاعل لأن الولد من شأنه أن يكون ذلك له ديدناً لما لأبيه عليه من الحقوق، والفعل يطلق على من ليس من شأنه الاتصاف بمأخذ اشتقاقه، فعبر به في الأب لأنه لا حق للولد عليه يوجب عليه ملازمة الدفع عنه، ويكون ذلك من شأنه ومما يتصف به فلا ينفك عنه، وذلك كما أن الملك لو خاط صحَّ أن يقال في تلك الحال: أنه يخيط، ولا يصح " خياط " لأن ذلك ليس من صنعته، ولا من شأنه.

وقد أوثرت جملة ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً بطرق من التوكيد لم تشتمل على مثلها جملة لا يجزي والد عن ولده فإنها نظمت جملة اسمية، لأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية، ووُسِّط فيها ضمير الفصل هُوَ ، وفي التعبير بـ " هو " إشعار بأن المنفي نفعه بنفسه، ففيه ترجية بأن الله قد يأذن له في نفعه إذا وجد الشرط، وجعل النفي فيها منصبّاً إلى الجنس، وذلك مبالغة في تحقيق عدم جَزْءِ هذا الفريق عن الآخر إذ كان معظمُ المؤمنين من الأبناء والشبابِ، وكان آباؤهم وأمهاتهم في الغالب على الشرك مثل أبي قحافة والد أبي بكر، وأبي طالب والد علي رضي الله عن جميع الصحابة الكرام.