يقول تعالى " وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ واستوي آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) القصص
في فهم هذه الآيات إشكاليات عديدة مثلت تحديا أمام المفسرين سنستعرضها فيما بعد ونحن نهدف إلى محاولة إزالة اللبس وتلك الإشكاليات الذي يجده من يرجع في فهم هذه الفترة من حياة سيدنا موسي إلى بعض كتب التفسير. عبر التحاكم إلى النص القرآني الكريم فهو يمثل لنا مرجعية حاكمة لفهم هذه القصة فهما قرآنيا خالصا بعيدا عن الروايات المتهافتة او المسيئة للأنبياء أو الأقوال التي لا تستند الى دليل .
مدخل قراني لفهم هذه القصة
المدخل الأول:- التشابه بين موسي ويوسف في هذه الفترة
في محاولة لفهم هذه الفترة من حياة سيدنا موسي لا نستطع أن نتجاهل هذا التقارب والتشابه بين موسى ويوسف في هذه الفترة تحديدا كما أوردها القران
أولا :- يوسف وموسي هما فقط من دون باقي الأنبياء الذي أورد القران حديثا مفصلا بشأن نشأتهما الأولى منذ الميلاد وحتى الرسالة مرورا بفترة الشباب فقد تعرض لهما القران بشي من التفصيل
ثانيا :-كان الحديث بشأن هذه الفترة في حياة كلا النبيين الكريمين متقارب الى حد بعيد فلقد اخرج يوسف بسبب حقد إخوته من بين حضن أبويه ليلقي في الجب ومن الجب الى قصر الملك عبدا مملوكا قال سيد القصر الذي اشتراه لامرأته وقتها "اَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا"( ٢١) يوسف. وكذلك موسى أُخرج من بين أحضان أمه بعد الولادة مباشرة بسبب الخوف من الفرعون ليلقي في اليم ثم ينقل من اليم الى قصر فرعون لتقول سيدة القصر وقتها أيضا ذات العبارة " قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" "﴿٩﴾القصص
ثالثا :- بداية حديث القران عن فترة الشباب من حياة النبيين الكريمين متقاربة أيضا " فيبدأها القران مع يوسف بقوله تعالى " وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) يوسف وبدأها مع موسي بقوله تعالي" وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ "(14) القصص , مع زيادة كلمة واستوي عند موسي وسنعرف السبب بعد ذلك
رابعا:- بعد حديث القران عن فترة الشباب السابقة شرع في الحديث عن وقائع حدثت لهما كانت تمثل لكل منهما ابتلاء وفتنة فبالنسبة ليوسف جاء بعد الآية السابقة مباشرة قوله تعالى " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه " ليتعرض يوسف فيها الى فتنة امرأة العزيز ومنها الى فتنة دخوله السجن بضع سنين , وبالنسبة لموسي جاء بعدها مباشرة ايضا قوله تعالى "ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها " فيتعرض موسي الى فتنة قتل القبطي وما حدث بعدها من تهديده بالقتل من قبل الملأ من قوم فرعون فينصحه احدهم بان يخرج من البلاد فخرج على أثرها الى ارض مدين ليمكث فيها أيضا بضع سنين ثماني أو عشر سنوات وهذه المرحلة أطلقت عليها سورة طه مرحلة الفتنة قال تعالى " وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) القصص .
المدخل الثاني:-طبيعة الفترة بعد الميلاد وقبل دخول المدينة
إن القران لم يحدثنا عن الفترة من ولادة موسي وحتى دخوله المدينة لكن يمكن لنا أن نتصورها فموسي بعد ان استقر في القصر وليدا رضيعا رجع الى أمه سريعا لكي ترضعه بعد أن حرم الله عليه المراضع وأمه كانت من بني إسرائيل وتعرف تاريخهم وتعرف قضيتهم جيدا كما أن الله كما أوحى إليها أن تقذفه في التابوت أو حي إليها أيضا انه سيرده إليها وسيجعله من المرسلين فهي كانت على علم بما ينتظر رضيعها في المستقبل كحال يعقوب مع يوسف ولذلك يمكن ان نتصور طبيعة شخصية سيدنا موسي وهو شاب قبل ان يدخل المدينة وكيف كان ينظر الى المجتمع من حوله كان لسان حاله وربما لسان مقاله يقول كما قال يوسف " إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يوسف. وهو ما يجعلنا نستريح انه وان نشا في قصر فرعون وليدا إلا انه لم يأخذ شيئا من عاداتهم او ثقافاتهم او سلوكهم مما يجعلنا نرفض الروايات التي كانت تقول انه كان يسمي موسي ابن فرعون فبين الطبيعتين خرط القتاد لقد قال الله تعالي عن شبابه " وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)وقال القبطي في المرة الثانية عندما اراد ان يبطش به " أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) القصص وبسهولة يمكن أن نفهم من هذا الحديث ان موسي قبل الرسالة وهو في فترة الشباب قد عُرف عنه التقوى والصلاح والسيرة الحسنة سواء بين بني إسرائيل أو بين المجتمع الفرعوني كما يمكن ان يكون قد عُرف عنه آراؤه الإصلاحية في اضطهاد بني إسرائيل وحقهم في الحرية ورفضه للمظالم الفرعونية ويبدوا انه كان يتكلم بهذه القضايا مع بني إسرائيل .فهذه مفاتيح أولية ومدخل الى فهم ما حدث بعد أن دخل المدينة على حين غفلة منها ونستكمل الحديث عن هذا المشهد من حياة موسي في الحلقة القادمة.