أحمد الله حق حمده
وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له في ملكه
وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله وصفوته من خلقه وأمينه على وحيه
أشهد أنه بلغ رسالة ربه
ونصح لأمته فكان رؤوفاً رحيماً كما وصفه الله في كتابه
فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم القيامة آمين
أما بعد
فهذه سطورٌ كتبتها إجابةً على سؤالٍ جاء فيه:
كيف نكون من طلبة العلم؟ وكيف نصبر على طلب العلم؟
فأجبت السائل لذلك نفعاً له ولإخواني طلاب العلم
راجياً الله أن ينفعني وإياكم بما علمنا وأن يعلمنا ما جهلنا...
فأقول:
أما الشق الأول من السؤال
فاعلم وفقك الله إلى مرضاته, وأعانك على طاعته, وهداك للزوم شريعته, أن الخصال التي يجب على طالب العلم أن يحرزها كثيرةٌ متعددةٌ
وقد صنف فيها العلماء كتباً
فرأيت أجمعها وأحسنها كتاب الإمام محمد بن عليٍ الشوكاني المسمى: أدب الطلب ومنتهى الأرب
ومن أحسن من جمع خصال طالب العلم ونظمها إمام الحرمين أبو المعالي الجويني تعالى
حيث يقول:
أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ سأنبيك عن تفصيلها ببيانِ...
ذكاءٌ, وحرصٌ, وافتقارٌ, وغربةٌ, وتلقين أستاذٍ, وطول زمانِ...
فهذان البيتان هما أجمع ما أعلم في هذا الباب
وهما والله يكتبان بماءٍ من الذهب على صفحاتٍ من النور
فأما الذكاء فهو أهم الخصال التي ينبغي أن يتحلى بها الطالب
فالعلم لا يسلم قياده لغبي
فالحمقى والمغفلون ليس لهم في ركب طلاب العلم مكان
قال أبو هلالٍ العسكري تعالى في كتابه الحث على طلب العلم:
والاجتهاد في كل ما يكسب العلم ويرفع النباهة والقدر راحة كل عاقلٍ, والتولي عنه عادة كل جاهلٍ...
ومن علامة ذكاء الطالب أن يبدأ بصغار العلم قبل كباره
فقديماً قالوا: طعام الكبار سم الصغار
فعليه أن يبدأ أولاً بتعلم عقيدته التي سيسأل عنها أمام الله
ثم يتعلم ما فرضه الله عليه من العبادات وغيرها
ثم يجتهد في تحصيل العلم
وليعلم طالب العلم أن كل ما يتعلمه ويجتهد فيه إن لم يكن في سبيل مرضاة ربه فلا بركة فيه
وأما الحرص فهو من أهم الخصال وأعظمها
فيجب على الطالب أن يحرص أولاً على أن يكون علمه خالصاً لله تعالى
ثم ليحرص على وقته فهو رأس ماله
وقد مضى بيان ذلك في مقالٍ سابقٍ بعنوان:: طالب العلم والانترنت فليرجع إليه من أراد المزيد
وأما الافتقار وهو التواضع
أن يشعر طالب العلم أنه فقيرٌ مهما علم
فإياك إياك يا طالب العلم أن تغتر بما من الله عليك من العلم
فكم من طالبٍ نبيهٍ ضيعه غروره وإعجابه بنفسه وظنه أنه عالمٌ
وهو والله جاهلٌ متعالم
وما أحسن ما قاله أبو عثمان الجاحظ في ما نقله عنه أبو هلالٍ العسكري في كتابه الحث على طلب العلم حيث قال:
العلم عزيز الجانب
لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك
وأما الغربة فهي أشد الخصال في زماننا
وهي تحتاج إلى صبرٍ وتحمل
فطالب العلم ينبغي أن يكون غريباً بين الناس مبتعداً عن لذات الدنيا وشهواتها مراقباً لربه جل وعلى
فما أعظم الغربة وأشدها على النفوس إلا على من وفقه الله ويسرها له
ولعل المقصود بالغربة أيضاً الارتحال في طلب العلم والانتقال من مكانٍ لآخر بحثاً عن العلم وأهله
وكلى المعنيين ينبغي إحرازه
وأما تلقين الأستاذ وهو دراسة العلم على أيدي أهله
فهو أمرٌ لا بد منه
ولا يستغني طالب العلم مهما كثرت مطالعته للكتب عن شيخٍ حاذقٍ, يقصر له العمر, ويسدد له الفهم, ويعلمه الأدب
هكذا تعلمنا من مشايخنا
فلولا العلماء لضاع العلم بين الصُحُفِيِّينَ الذين يقرأون بلا فهمٍ, وبين الصغار الذين يفتون بلا علم
كيف لا وهم ورثت الأنبياء, والناصحون الأمناء, والمبلغون الثقات, والأنوار المشرقات, فرحم الله منهم من قضى نحبه, وحفظ من بقي وأطال في الخير عمره...
وأما الخصلة السادسة والأخيرة
فهي طول الزمان
ومعناها كثرة الممارسة في العلم
وهي ما تسمى بالخبرة والتجربة
وبها يكتسب طالب العلم فقه النفس
فيعرف كيف يجيب مراعياً لحال السائلين
وهو ما يسميه أهل العلم بجواب الحكيم
فبهذه الخصال الست ينال طالب العلم إن شاء الله مرامه, ويصل إلى مبتغاه...
وأما الشق الثاني من السؤال:
فاعلم بارك الله فيك أن من الأشياء المعينة على الصبر في الطلب
معرفة عظمة المطلوب وشرفه
أخي طالب العلم:
اعلم أن العلم الذي تطلبه هو أشرف المطلوب
وأن المكان الذي ترغب فيه هو أعظم المرغوب
ولله در من قال:
ومن يصطبر للعلم يظفر بنيله ومن يخطب الحسناء يصبر على البذلِ...
ومن لم يذِلَّ النفس في طلب العلى قليلاً يعش دهراً طويلاً أخى ذلِّ
كذلك من المعينات على الصبر
مراقبة الله في السر والعلن, والإخلاص له, والتوكل عليه
فبذلك يتم الجواب بحمد الملك الوهاب
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين